نميمة البلد: تزويج القاصرات ... والعشائر
مقالات

نميمة البلد: تزويج القاصرات ... والعشائر

يثير تهديد بعض "العشائر" بالنزول الى الشارع لمناهضة قانون تحديد سن الزواج بثمانية عشر عاما والمطالبة بتزويج القاصرات مسألتين؛ الأولى شكلية تتعلق بحق التعبير عن الرأي وحق الافراد والجماعات بالتجمع السلمي للاحتجاج، وفي ظني أن هذا أمر مشروع لا ينبغي الاعتراض عليه بل ينبغي احترام أحكام القانون الفلسطيني الذي ينظم حق التجمع ويضمن حماية الدولة لممارسة هذا الحق. والثانية تتعلق بجوهر التهديد الخاص بتحديد سن الزواج الامر الذي يحتاج المزيد من الجهات المختلفة الصحية والتربوية والدينية الرسمية منها والمجتمعية لتوضيح سبب اختيار هذا السن للسماح بالزواج للأفراد.
تظهر المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي حدثت في المجتمع العربي الفلسطيني بفلسطين أن هذا العمر ما زال منخفضا. مع ذلك فإن قانون الأحوال الشخصية في الضفة الغربية وقانون الاسرة في قطاع غزة أصلا قد حدد السن الأدنى للزواج ولم يلقَ هذا الأمر أية احتجاجات سابقة. أي أن الأطراف المختلفة بما فيها العشائر تتفق من حيث المبدأ على تحديد الحد الأدنى للزواج لكلا الجنسين، والاختلال الحاصل يتعلق بالعمر أي ثمانية عشر أو أقل.
تفرض المادة التاسعة من القانون الأساسي الفلسطيني على الجهات الحكومية منع التمييز بين الفلسطينيين على أساس الجنس في القانون وامام القضاء لذا وجب على هذه السلطات تصويب هذا الأمر أولا بتوحيد الحد الأدنى لعقد "النكاح" بين الاناث والذكور الموجود في قانون الأحوال الشخصية في الضفة الذي يسمح القانون بعقد "النكاح" للفتاة بسن الخامسة عشر والذكر في سن السادسة عشر أما في القطاع فإن القانون يشترط سن السابعة عشر للفتاة والثامنة عشر للذكر.
إن هذا التوحيد يحقق احترام قاعدة دستورية آمرة، كما أنه ينسجم مع القواعد القانونية الناظمة لحياة الفلسطينيين المتعلقة بامتلاك الشخص الراغب في الزواج "الذكر والانثى" القدرة على اتخاذ القرار أي يمتلك حق التصرف؛ حيث ينص قانون الطفل الفلسطيني على أن من هم دون الثامنة عشر هم من الأطفال ولا يمتلكون هذا الحق. كما أن قانون الأحوال الشخصية لا يتيح لهم حق التصرف بأموالهم، وقانون المصارف الفلسطيني بهذا العمر "18 عاما" يخرج من ولاية والديه ويتمكن من التصرف بحساباته البنكية، فيما قانون الانتخابات يتيح لمن أتم الثامنة عشر حق الانتخاب واختيار مصير البلاد. وهو أي سن الثامنة عشر نقطة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.
كما أن هذا العمر ينسجم مع مذهب أبي حنيفة النعمان الذي يسري العمل به في عقود الزواج التي تتضمن قول "زوجتك موكلتي على كتاب الله وسنة رسوله وعلى مذهب ابي حنيفة النعمان ...." فعندما تمتلك الفتاة حق التوكيل فهي تمتلك الأصل "الموافقة" ما يعني أنها قانونيا تمتلك حق التصرف بأمرها وهو أعظم من حقها بالتصرف بالأموال أو الممتلكات المنصوص عليه في القوانين الأخرى والذي يوجب الوصول إلى سن الثامنة عشر.
هذا القول ينسجم مع قول الرسول علية الصلاة والسلام "يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوَّج...." وهو يشمل الرجال والنساء في هذه الفئة أي الشباب. وفئة الشباب قد تتغير من عصر إلى آخر فإذا كان في زمن سابق أقل من ثمانية عشر عاما فإن الشباب في هذا العصر يبدأ من عمر الثمانية عشر وفقا للقانون والعرف في هذه البلاد. ناهيك عن عدم القدرة اليوم "صعوبة" على القيام بالواجبات المعيشية لمن هم دون هذا السن.
تكمن خطورة تزويج الفتيات القاصرات في العواقب والتداعيات الصحية والنفسية على الفتيات أنفسهن؛ حيث يمكن أن يؤدي الإنجاب المبكر والولادة إلى وفاة الأمهات، وهو سبب رئيسي للوفاة بين الفتيات في الفئة العمرية 15-19 سنة في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. كما أنه يزيد من احتمال وفاة الأطفال المولودين للأمهات المراهقات في السنة الأولى بنسبة 80% عن عدد المولودات للأمهات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 -29 عاما. وفي حالة بقاء الطفل على قيد الحياة فإنه يبقى أكثر عرضة للإصابة بنقص الوزن عند الولادة وسوء التغذية وتأخر النمو البدني والإدراكي وفقا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة.
يمثل الزواج المبكر للإناث شكلاً من أشكال العنف الموجه ضد المرأة، حيث تتحمل الفتاة الصغيرة المسئولية عن أنشطة عديدة تترتب على إقامة علاقة زوجية لم يكن لإرادتها دخل في حدوثها، وهي غير مؤهلة نفسياً أو جسدياً لتحمل تبعات هذه العلاقة. ويؤثر هذا النوع من الزواج بسلبية على وضع المرأة وفرصها ومساهماتها ومشاركتها في الفضاء العام ومجالاته المختلفة، إذ يحرمها من حقها في التعليم، ويؤثر سلبيا على قدرتها على المشاركة الاقتصادية والاستقلال المالي لمواجهة أية مشكلات مستقبلية قد تتعرض لها، وفي حال أصبحت ربة أسرة لأي من الأسباب الاجتماعية.
كما يمكن أن يتضمن تزويج الفتيات القاصرات الزواج القسري وهو يتعلق عادة بفئات ضعيفة والأكثر عرضة للاستغلال، وفي الوقت نفسه لا يملك هؤلاء الوسائل الذاتية الكفيلة بإيصالهم لحقوقهم أو لمن سيساعدهم على حماية هذه الحقوق والوصول إليها.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.