الخنق الاقتصادي وتفتيت الهوية الجمعية الوطنية
مقالات

الخنق الاقتصادي وتفتيت الهوية الجمعية الوطنية

لم يعد الاقتصاد في الحالة الفلسطينية مجرد مسألة مؤشرات، وأرقام، وموازنات، وعجز مالي، وناتج محلي إجمالي، وميزان تجاري، وكل ما يدّرس في المناهج العلمية ذات الصلة فحسب، بل تحوّل تدريجياً إلى ساحة صراع مركزية توظفّه إسرائيل ومن خلال أدوات اقتصادية عدّة، لإعادة تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي تجاه انفاذ ما تسميه أدبيات ومنظّرو الصهيونية الدينية بخطة الحسم، بهدف تقويض الكيانية الفلسطينية، ووأد فكرة الدولة الفلسطينية،  فالأزمة الاقتصادية التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم، بتشعباتها المختلفة، وتحديدا أزمة المالية العامّة لا يمكن قراءتها فقط بوصفها أزمة ماليّة عابرة، وإنما باعتبارها حالة من الخنق الاقتصادي المًمنهج الذي تتجاوز آثاره الموازنة العامة، أو أزمة الرواتب، أو مستوى المعيشة، لتصل إلى بنية الانتماء الوطني، والهوية الجمعية للشعب الفلسطيني.

فعلى مدار السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ تنامي قوة اليمين الإسرائيلي في المشهد السياسي، تعرض الاقتصاد الفلسطيني لسلسلة من الضغوط المركّبة، تراكمت وتشابكت بشكل كبير بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023،  لتشمل حجز كافّة إيرادات المقاصّة، وخلق أزمة تكدّس الشيكل، ومنع العمال الفلسطينيين العاملين في الاقتصاد الإسرائيلي من العودة إلى اعمالهم، وتقييد الحركة والتجارة، وتعطيل سلاسل الإنتاج والتوريد، والتدمير المُمنهج لقطاع غزة، وللبنى التحتية في محافظات شمال الضفة الغربية، والتهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين من الأغوار الفلسطينية وجنوب الضفة، والهجمات المنظمّة للمستوطنين في أطراف المدن والقرى الفلسطينية، عدا عن السيطرة الاسرائيلية المحمومة والصامتة على المناطق المصنفة (ج)، وغيرها من الإجراءات، وهذه العوامل مجتمعة لم تُنتج فقط أزمة ماليّة، او تراجع مؤشر اقتصادي هنا أو هناك، بل خلقت حالة مزمنة من الخنق الاقتصادي، وحالة من عدم اليقين، وتبعا للأدبيات العالمية ذات الصلة، فعندما يفقد الإنسان القدرة على توقع مستقبله الاقتصادي، أو توفير اساسيات حياته، تتغير أولوياته تلقائياً؛ إذ يتراجع التفكير العام لصالح النجاة الفردية.

ومن هنا تبدأ العلاقة العميقة بين الاقتصاد والانتماء الوطني بالظهور. فالانتماء الوطني لا يتشكل فقط عبر الخطاب السياسي أو الرموز الثقافية، بل يحتاج إلى حدٍ أدنى من الاستقرار الاقتصادي، الذي يعزز من صمود المواطن، ويسمح للفرد بالشعور بأنه جزء من مشروع جماعي قابل للاستمرار والحياة، أمّا حين يصبح تأمين الدخل اليومي، ومتطلبات الحياة الأساسية هي الهمّ الشاغل للمواطن، فإن الحيّز النفسي والاجتماعي للعمل العام يضيق تدريجياً، تجاه الهروب نحو النجاة الفردية.

كما أن الخنق الاقتصادي يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، اضافة إلى تزايد الرغبة بالهجرة، واتساع الفجوات الاجتماعية، وتصاعد المنافسة على الموارد، حتى وإن لم تكن محدودة خوفاً من المستقبل، وربما ما يشهده المجتمع الفلسطيني من أزمات للغاز أو الوقود انموذج لهذا التنافس والتدافع غير المبرر، إلّا من خلال منظور النجاة الفردية، والأخطر، أنه مع الوقت، تنمو الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، ليس نتيجة خيار أيديولوجي، بل كرد فعل طبيعي على الندرة الاقتصادية والقلق المستمر، وتآكل الثقة العامة تدريجياً. فالخنق الاقتصادي المُمارس حاليا من إسرائيل، يبقي الاقتصاد الفلسطيني في حالة ضعف دائم؛ وعاجز عن النمو الحقيقي، ومجتمع يعمل ويحاول لكنه غير قادر على التخطيط للمستقبل، وفي هذه المنطقة الرمادية بين الحياة والانهيار تتشكل أخطر التحولات الاجتماعية، حيث يتحول القلق المعيشي إلى الإطار الحاكم لسلوك الأفراد والجماعات، والأخطر في هذه العملية أنها بطيئة وصامتة، فهي لا تُحدث صدمة واحدة واضحة، بل تراكمات صغيرة تغيّر السلوك الجمعي مع مرور الزمن، وبتوظيف مصطلح "الألفة الغافلة"، ومع استمرار الضغط الاقتصادي، يتحول المجتمع من مجتمع يرنو نحو مشروعه الوطني، إلى مجتمع منشغل بإدارة الأزمات اليومية، ومن برنامج سياسي جماعي إلى استراتيجيات فردية للبقاء.إن مواجهة الخنق الاقتصادي لا تبدأ فقط بالإجراءات المالية، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الاقتصاد كمساحة صمود جماعي. فتعزيز الإنتاج المحلي، وحماية الفئات الوسطى، ودعم الفئات المهمشة ليست مجرد سياسات اقتصادية، بل أدوات للحفاظ على التماسك الاجتماعي والانتماء الوطني، فالاقتصاد، أحد أهم روافع الهوية والاستقرار، وعندما يُستخدم الاقتصاد لخنق المجتمع، يصبح الدفاع عنه دفاعاً عن المعنى الجماعي للوجود الوطني نفسه.

ختاماً، إنّ النجاة الفردية في زمن التهديد الوجودي، وهمٌ لا يبني وطناً ولا يحمي إنساناً، ورغم الواقع الصعب، يبرز التحدي الحقيقي: إمّا وهم الخلاص فرادى، أو حقيقة النجاة معاً، والخيارات محدودة، إمّا أن نصمد معاً، او ننهار.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.