مآلات الحرب على إيران
مقالات

مآلات الحرب على إيران

 

ينشغل الفلسطينيون، كعادتهم، في نقاش مآلات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سواء كان على المستوى الجغرافي أو الزمني والسيناريوهات المحتملة لها بعد أسبوع من انطلاقها. هذا الانشغال ليس طرفاً فكرياً بقدر كونه ضرورة لفهم التحولات في العلاقات الدولية والإقليمية، وكذلك لمسار القوى السياسية الفلسطينية وتوجهاتهم المستقبلية وشبكة علاقاتها وتحالفاتها بغض النظر عن نتائج هذه الحرب ومدتها ومساحتها الجغرافية.

إنّ التحولات التي طرأت على الأهداف المعلنة من قبل الإدارة الأمريكية في الأيام السبعة الأولى لها، من إضعاف النظام السياسي الإيراني إلى إسقاطه ، تقتضي استخداماً مختلفاً للقوة من الاتكاء على الضربات الجوية البحرية إلى استخدام القوة البشرية على الأرض وهي حتى الآن غير ممكنة؛ لأسباب عملية لغياب تواجد عسكري على الأرض في مناطق ملاصقة للحدود الإيرانية وعدم رغبة دول الخليج (حتى الآن) الانخراط في هذا التحالف الهجومي ولأسباب سياسية داخلية في الولايات المتحدة، إلا باستخدام قوى محلية للانقضاض على نظام الحكم سواء كانت ذلك بتحريك الشارع الإيراني بالنزول للشارع بأعداد كبيرة، أو تجنيد قيادات عسكرية للانقلاب على النظام السياسي، أو مجموعات اثنية مسلحة أو يتم تسليحها والمسألة الأخيرة تعني إطالة أمد المدة الزمانية في هذه الحرب، وقراءة معارضة دول حليفة للولايات المتحدة الأمريكية مثل تركيا لتعرض ذلك مع مصالحها وأمنها القومي.

في المقابل فإن النظام السياسي في إيران يبدو أنه يرغب في إطالة أمد هذه الحرب، انطلاقاً من سياسة الصبر الاستراتيجي، بالرغم من الخسائر البشرية والمادية والسياسية الكبيرة التي تتعرض لها تحت نيران العدوان الأمريكي الإسرائيلي، معتمدة في ذلك على؛ (1) شخصية الرئيس الأمريكي المستعجلة للحصول على نتائج سريعة للعملية العسكرية. و(2) الضغط العربي لدول الخليج التي باتت تحت نيران إيران دون أن تكون جزءا من الحرب والخشية من توسعها. و(3) تفاقم الوضع الاقتصادي العالمي بسبب توقف سلاسل الإمداد لمصادر الطاقة "مشتقات النفط" من الخليج العربي، التي تشكل أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، وما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، بسبب العمليات الحربية وإغلاق مضيق هرمز سواء على مستوى الركود الاقتصادي أو القدرة التخزينية للنفط والغاز المستخرج في دول الخليج. و(4) المراهنة على التحولات داخل أروقة السياسة الأمريكية سواء في الكونجرس الأمريكي بوجود معارضة لهذه الحرب لدى النواب والشيوخ من جهة، وبعض حلفاء الرئيس ترامب من جهة ثانية، وضغوطات إجراء الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر القادم من جهة ثالثة. (5) والتكلفة المالية للحرب على خزينة الولايات المتحدة الأمريكية.

في ظني أن أحد لا يمتلك القدرة على التنبؤ اليوم في مسار أحداث هذه الحرب ومدى توسعها للتحولات الجارية في أهدافها، واستخدام النظرية الصفرية في مجرياتها؛ فالأمريكيون والإسرائيليون قاموا بالضربة الأولى باغتيال الرمز الديني والسياسي للنظام السياسي في إيران مما حال دون إمكانية التفكير بالمفاوضات، والإيرانيون قاموا بإطلاق الصواريخ على منشآت عسكرية ومدنية في دول عربية وعلى تركيا مما جعل إمكانية التدخل لوقف الحرب بات ضعيفاً أو مستحيلاً، ناهيك عن توسيع الجبهة الجغرافية بانضمام حزب الله في هذه الحرب والمخاطر القائمة في لبنان.     

لكن المؤكد أنّ الخسائر البشرية والمادية الكبيرة في المنطقة والاقتصادية على المستوى الدولي لن تكون وحدها المحصاة، بل التحولات الناجمة عنها في طبيعة النظام الدولي وقواعد العلاقات الدولية ومسارات الاستثمار في مصادر الطاقة ستكون الأكثر حضوراً نهاية هذا الحرب بغض النظر عن مدتها ومساحاتها. وهي بكل تأكيد تحتاج دون انتظار إلى نظر وتدقيق من قبل الفصائل والقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية في توجهاتها وتحالفاتها لتحقيق مصلحة الشعب الفلسطيني وليست مصالحها الفئوية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.