حرب الهيمنة العدوانية على المنطقة.. وفلسطين في عين العاصفة
مقالات

حرب الهيمنة العدوانية على المنطقة.. وفلسطين في عين العاصفة

لم يعد السؤال ما إذا كانت حرب واشنطن العدوانية لصالح هيمنة تل أبيب على المنطقة ستقع، بل إلى أي مدى هي قابلة للاحتواء، أو ما احتمالية ضبط نتائجها. فوفقًا لإعلان كل من ترامب ونتنياهو، فهي تستهدف إسقاط النظام الإيراني. ويبدو أن العقدة لم تكن في جاهزية الموقف الإيراني للتوصل إلى صفقة أقل من عادلة؛ هذا ما أكده الوسيط العماني، وزير الخارجية بدر البوسعيدي، قبيل بدء الحرب في في الإعلام الأمريكي ، حيث كشف ما تم التوصل إليه في المفاوضات مع إيران، وقال “لو أن الهدف النهائي للمفاوضات هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي للأبد، فقد حققت المفاوضات اختراقًا غير مسبوق، حيث وافقت إيران على عدم تصنيع أي مواد قد تُستخدم لإنتاج قنبلة نووية، وهذا ما لم يكن موجودًا في اتفاق 2015، وأنه سيتم التخلص من المخزون النووي الإيراني.”

إلا أنه، وفقًا لمصادر إعلامية، فإن قرار الحرب كان قد اتُّخذ قبل ثلاثة أسابيع، دون أي صلة بما سينجم عن مفاوضات جنيف. ذلك يأتي وفق نظرية ترامب ونتنياهو لما يُسمى بفرض ما يسميانه بالسلام والاستقرار بالقوة. إذن هذه الحرب عدوانية، وتستهدف تمكين تل أبيب من الهيمنة الشاملة على المنطقة، وليس فقط تغيير نظام طهران. هذه الحرب، مهما كانت مبررات أطرافها، ليست قدرًا أخلاقيًا، ولا طريقًا إلى استقرار مستدام. إنها تعبير عن فشل السياسة، وعن انتصار عنجهية حسابات الهيمنة بالقوة على منطق العدالة. ومن هذا الموقع، يصبح رفضها موقفًا مبدئيًا لا اصطفافًا في محور. فهي حرب تأتي في سياقات إسرائيلية متعددة الأبعاد، وبالتأكيد بما يشمل انتهاز الفرصة الترامبية الذهبية للمضي بمخططاتها ضد الشعب الفلسطيني، والتي، وفقًا لتحولات الرأي العام الجارية في الولايات المتحدة بأنها لغير صالح إسرائيل، قد لا تتكرر مع إدارات قادمة.

لكن السؤال الفلسطيني يبقى الأكثر إلحاحًا: ماذا يحدث لفلسطين وهي في قلب العاصفة بالنسبة لتل أبيب؟

من محاولات الردع إلى العدوان الشامل

خلال السنوات الماضية، حكمت المنطقة معادلة “التصعيد المضبوط”: ضربات محدودة، ورسائل ردع، ومحاولات تجنّب للحرب الشاملة. أما اليوم، فقد انكسر أحد الخطوط الفاصلة. حين تنتقل المواجهة إلى العلن، تتغيّر الحسابات، وتمتد إلى ساحات متعددة في مجمل الإقليم، وربما أبعد من ذلك.

في مثل هذا السياق، يتراجع الدور السياسي، وتصبح الدبلوماسية أداة تابعة لإدارة النار لا بديلًا عنها. وكلما طال أمد الحرب، ازداد خطر تحولها إلى واقع دائم يعيد تشكيل الإقليم بالقوة الغاشمة.

إسرائيل وتوسيع هامش المناورة

في مناخ الحرب، تجد حكومة تل أبيب فرصة لتوسيع مخططاتها تحت عنوان “الخطر الإيراني”، ليس بالضرورة عبر حرب شاملة على الساحة الفلسطينية، وإن كان ذلك غير مستبعد. ومن المؤكد أن تل أبيب، عبر استثمار الفرصة الترامبية الاستثنائية للحسم وتصفية القضية الفلسطينية، ستوسع من نطاق تنفيذ مخططاتها، بتسريع وتائر الاستيطان، وترسيخ الضم الزاحف، وتشديد القبضة الأمنية في الضفة الغربية والقدس، وربما إعادة صياغة المشهد في غزة ضمن معادلة أكثر قسوة.

الحروب الكبرى لا تُجمّد المشاريع التوسعية، بل كثيرًا ما تمنحها غطاءً. في زمن الطوارئ، تتراجع مساءلة الاحتلال، ويتحوّل النقاش الدولي من إنهاء الظلم إلى منع الانفجار الإقليمي.

وهنا يكمن البعد الأخلاقي إزاء هذه الحرب: أن يتحوّل الاحتلال من جريمة سياسية يجب إنهاؤها إلى تفصيل هامشي ضمن حرب أكبر.

الإدارة الأميركية: أداة للهيمنة الإسرائيلية

في ظل إدارة دونالد ترامب، تبدو الأولوية لترسيخ ميزان ردع جديد عبر القوة الغاشمة المباشرة، مع دعم غير محدود لإسرائيل، وضغط أقصى على إيران. الاستقرار يُعاد تعريفه بوصفه نتاج تفوق عسكري، لا ثمرة تسوية عادلة.

غير أن منطق الردع بالقوة، مهما بدا حاسمًا، لا ينتج سلامًا مستدامًا، بل يؤسس لدورات عنف مؤجلة. وفي هذا الإطار، تتراجع القضية الفلسطينية إلى مرتبة ثانوية ضمن معادلة صراع أوسع. الخطر هنا ليس فقط في التهميش، بل في إعادة تعريف فلسطين بوصفها ملفًا أمنيًا داخل حرب إقليمية، لا قضية تحرر وطني لشعب تحت احتلال.

خطر الفوضى: عندما يتفكك النظام

الحروب لا تعيد رسم ميزان القوى فحسب، بل قد تُفكك البنى التي يقوم عليها الإقليم بأسره. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط من سيربح جولة الردع، بل ما إذا كانت هذه الحرب تدفع نحو إضعاف الدول وإطلاق ديناميات فوضى طويلة الأمد.

هناك فرق بين حرب تهدف إلى تعديل سلوك خصم، وحرب تُستخدم لإعادة هندسة مجمل البيئة السياسية في المنطقة . فإذا تحوّل الهدف من “ردع” إلى إنهاك شامل أو زعزعة داخلية، فإن المنطقة تدخل مرحلة فوضى خطيرة، تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، وربما إنهيار الأمن الإقليمي .

تفكك أي دولة مركزية في الإقليم لا يبقى شأنًا داخليًا. إنه يفتح فراغات قوة، ويُنتج تعددًا في مراكز السلاح، ويُغري بتدخلات متشابكة، ويُعيد إطلاق صراعات كامنة. عندها لا تعود الحرب مواجهة بين أطراف محددة، بل تتحول إلى حالة ممتدة من عدم الاستقرار.

وهنا يكمن الخطر الأعمق على فلسطين. ففي بيئة إقليمية مفككة، تتراجع القضايا الوطنية أمام منطق الفوضى. يصبح شعار “الأمن أولًا” مبررًا دائمًا لتعليق أي حديث عن العدالة. الاحتلال يستفيد من انهيار الإقليم ، لا من استقراره. والفوضى لا تُنتج تحررًا، بل تخلق واقعًا تكون فيه القوة الغاشمة هي اللغة الوحيدة.

إن أخطر ما قد تفضي إليه هذه الحرب ليس انتصار طرف على آخر، بل تفكك النظام الإقليمي نفسه. وعندها تصبح فلسطين محاطة بإقليم منشغل بصراعاته الداخلية، لا بقضية تحررها.

التهميش والتوظيف معًا

في زمن الحرب، تتعرض فلسطين لخطرين متلازمين: الأول: التهميش، حين ينصرف الاهتمام الدولي إلى إدارة المواجهة الكبرى.
والثاني: التوظيف، حين تُستخدم الساحة الفلسطينية كورقة ضغط متبادلة: إسرائيل لتعزيز سرديتها الأمنية، وإيران لإثبات قدرتها على التأثير في العمق الإسرائيلي. في الحالتين، يتفتت الحال الفلسطيني أكثر مما هو عليه، وتُختزل القضية في وظيفة داخل صراع لا تتحكم به أو تؤثر فيه.

ما المطلوب فلسطينيًا؟

تحصين القرار الوطني من الانجرار إلى منطق المحاور، وهذا لا يتعارض مع الموقف المبدأي المناهض للحرب العدوانية، كما يتطلب وبصورة فورية استعادة وحدة الإطار السياسي على قاعدة الوفاق الوطني وشراكة حقيقية تُنهي التفكك الداخلي. إعادة تثبيت تعريف القضية بوصفها قضية تحرر وطني لشعب تحت احتلال، وليس ملفًا أمنيًا في حرب إقليمية. تطوير خطاب عقلاني يستند إلى القانون الدولي والحقوق المشروعة، ويحفظ استقلال الإرادة الفلسطينية. والحذر من وهم التعويل على صدامات الآخرين لتحقيق مكاسب ذاتية. ففي زمن الحروب، الرهان ليس على نتائج المواجهات، بل على حماية القضية من التهميش والتوظيف، واستعادة السياسة كأداة فعل وطني مستقل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.