القاتل الإسرائيلي وسلطة الطاعة والامتثال
تسبّبت عمليات القتل التي قامت بها إسرائيل على مدار الحرب التي شنتها على قطاع غزّة، وشهدت باعتراف جهات عديدة ذروة من الوحشية غير مسبوقة، في انطلاق محاولات قليلة لتلمس ملامح جديدة شفّت عنها وقد تكون انضافت إليها، باعتبار أن حروب إسرائيل وبالذات على غزّة دورية على نحو شبه مطلق.
تمثلت إحدى هذه المحاولات في شهادة أكاديمي متخصّص في شؤون الجيش الإسرائيلي، هو البروفيسور يغيل ليفي، الذي رأى أن ثمة هاجسا مشتركا لعناصر الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب هو الانتقام، إذ رفعته الحرب الممتدة على غزّة إلى مكانة وثيقة اجتماعية حيث الدافع للقتل في منبت تفكير الغالبية العظمى من القوات واحد، وحيث يبلغ مستوى فعل تحرير من أي قيود أخلاقية أو إنسانية، حتى فيما يتعلق بالأبرياء.
وركّز ليفي على مقاتلي سلاح البر، مشيرا إلى أن دافعَيْن رئيسييْن وراء نزعة الانتقام هذه: الأول، الأهمية اللاهوتية للتيار الصهيوني الديني، في حين أن الثاني مرتبط بمن يسميهم "مقاتلي الياقات الزرقاء" أبناء الطبقات الدنيا الذين يعتبرون الخدمة العسكرية جسرا إلى المكانة الاجتماعية اللائقة.
لكن في الواقع، كما يسترسل، كانت هناك أيضا مجموعة كبيرة ومهمّة أخرى، مارست مستوى غير مسبوق من العنف في تاريخ حروب إسرائيل، وهي المسؤولة عن معظم الخسائر المدنية في هذه الحرب، وهي مجموعة أبناء وحدات النخبة وبناتها، وخصوصا وحدات الاستخبارات والعمليات وطواقم سلاح الجو.
في واقع الأمر، لم يقارب هذا الخبير المسألة من زاوية ما إذا كانت هذه المجموعة تأثرت بخطاب الانتقام، لكنه توصل إلى استنتاج أن هذه المجموعة أظهرت طوال الحرب مستوى عاليا من الامتثال والطاعة، وهو أمر لم يكن له مثيل في تاريخ الجيش الإسرائيلي، وبالتحديد في تاريخ سلاح الجو، في أي حرب سابقة، التي كانت تشهد برأيه حالات اعتراض أو رفض لإيذاء المدنيين عن سبق تعمّد وإصرار.
شكّل هذا المستوى من الطاعة الجماعية العمياء هاجس تفكير واستقصاء لدى أستاذ العلوم السياسية المتخصّص في شؤون الأمن القومي البروفيسور أوري بار يوسف الذي لم يستبعد دافع الانتقام، ولكنه أضاف إليه تفسيرات أخرى، بما في ذلك بيئية، منها: غياب الاحتكاك الجسدي بأهداف القصف وتقسيم المسؤولية بين جهات عديدة، الأمر الذي يطمس الإحساس بالمسؤولية الفردية، والميل إلى الاعتماد على الوسائل التكنولوجية، بديلا من المعضلة الأخلاقية، والتلفّع باللغة المهنية التي تحيّد المشاعر والحدس.
وفي رأيه، هناك تفسيرات أُخرى تتعلق بداية بنظام التربية والتعليم الإسرائيلي الذي لا يربّي على طرح أسئلة صعبة، وعلى الامتثال، وتتعلق ثانيا بالاحتلال المستمر (يقصد في أراضي 1967) والذي يطمس هوية الفلسطينيين بوصفهم بشرا، وتتعلق ثالثا بالطريقة التي نقل بها الإعلام الإسرائيلي وقائع الحرب. وتُضاف إلى ذلك عناصر معينة في الثقافة العالمية عموما، والإسرائيلية خصوصا، تجعل النزعة إلى الامتثال والطاعة أكثر هيمنةً من أي نزعات أخرى.
وهنا لا بُدّ من القول إن القطيعة مع كل هذه المنظومات والبُنى تستوجب أولاً وقبل أي شيء أن يحرّر الفرد نفسه منها، وأن يمارس ما يمكن توصيفه بأنه وأد ذاتي اختياري لسيرورة التحوّل إلى مُجرّد صدى لنزعة الطاعة العمياء والامتثال.
بطبيعة الحال، يدين بار يوسف وسائل الإعلام في إسرائيل التي سبق لكاتب هذه السطور أن توقف عند أدائها المعطوب مسبق الأدلجة ورقابتها الذاتية، ولكنه في الوقت عينه شدّد على أن هذا لا يعفي أيّا كان من المسؤولية الشخصيّة التي كانت تستلزم متابعة بثّ القنوات الأجنبية بغية فهم ما يجري في غزة، فضلا عن وجود حالات نادرة أوردت فيها بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية جرائم حرب ارتكبت، ومن شأنها أن تزوبع الضمير الإنساني مثل حالة محمد أبو القمصان، الذي خرج لاستخراج شهادتَي ميلاد للتوأميْن اللذين أنجبتهما زوجته وعاد ليجد أن الثلاثة قُتلوا في غارة جوية، وأورد الخبر حتى موقع "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلي.
هل ينسجم مجلس السلام مع الشرعية الفلسطينية؟
أهمية الحوكمة في المؤسسات المالية البنك الإسلامي الفلسطيني نموذجا
المجالس المجتمعية: حين تتحول الفكرة إلى نهجٍ وطني فاعل
المونولوج الداخلي: بين فقدان السمع والزهايمر
اقتصاد واحد على الورق… واقتصادان على الأرض
مجلس "سلام" ترامب والمصير الوطني
حين يصبح الموت وهمًا للشجاعة: قراءة في منطق القوة والضعف





