حياة على الرصيف.. كيف استرد الشارع المصري حق السهر من قبضة الإغلاق؟
صدى نيوز - قبل أن تدق الساعة التاسعة مساء بتوقيت القاهرة بدقائق، يخرج الحاج "عبد التواب" من شقته بالدور الأرضي في أحد أزقة حي اللبان العتيق بالإسكندرية شمالي مصر، حاملا كرسيين من خشب الزان "المعشق"، يضعهما بدقة المحترفين على الرصيف الملاصق لمدخل بيته.
وما هي إلا لحظات حتى يلحق به جاره وصديقه بالمنطقة حاملا لعبة الطاولة المعروفة بطاولة الزهر أو النرد، لتبدأ ليلة جديدة من ليالي تحدي قرارات مواعيد الإغلاق الحكومية بسهرة مع أصدقاء العمر.
لم تعد هذه الجلسة مجرد "دردشة جيران"، بل تحوّلت إلى طقس مقدس لاستعادة "حق السهر" المعتاد الذي قيّدته قرارات الحكومة المصرية بإغلاق المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساء يوميا، ضمن حزمة إجراءات استثنائية تستهدف ترشيد استهلاك الكهرباء وخفض فاتورة الطاقة لمواجهة تداعيات الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
تأقلم وبدائل
ومع بدء تطبيق المواعيد الجديدة لغلق المحال، بدت الشوارع وكأنها تعيش حالة من "الانفصام الإداري"، فبينما تلتزم المحال التجارية والمقاهي بالقرار وتغلق أبوابها وتنطفئ أنوار واجهاتها، تدبّ حياة موازية على الأرصفة المحيطة بها والكورنيش في المدن الساحلية من خلال التجمّعات الشبابية أو العائلية.
وتحايل الكثير من المواطنين على القرار الحكومي وأعلنوا ما يسمونه "جمهورية الرصيف"، حيث يختلط دخان براد الشاي برائحة البطاطا المشوية على عربة خشبية قديمة ومتهالكة يمر صاحبها للاسترزاق بملء الفراغ الذي سببه إغلاق محال بيع المسليات، في مشهد إنساني يقاوم العتمة ببدائل شعبية لم تكن يوما في حسابات التخطيط الحكومي.
يقول إبراهيم عوض وهو موظف خمسيني كان يجلس مع زملائه يحتسون الشاي على سور كورنيش الإسكندرية: "تأقلمنا مع القرارات الجديدة ونجحنا في إيجاد طرق بديلة لمواصلة عاداتنا في السهر أو الخروج بعيدا عن جدران البيوت، بعد التزام جميع المقاهي بغلق أبوابها في التاسعة تماما، تطبيقا للقرارات الحكومية خوفا من الغرامات والعقوبات التي قد تصل إلى غلق المحل نهائيا".
ويضيف عوض: هذا "النزوح القسري" نحو الرصيف ليس تمردا بقدر ما هو حاجة إنسانية "للونس"، والهروب من ضيق الشقق السكنية التي لا تستوعب طاقة الشباب أو رغبة كبار السن في الحديث.
حق السهر
وأكد المتحدث نفسه أن المشهد في أحياء المدن المصرية لم يتغير، خاصة أن "حق السهر" بعد التاسعة مساء بالنسبة للمصريين ليس رفاهية، بل هو جزء من تكوينهم النفسي الذي يرفض العتمة، سواء كان ذلك فوق كراسٍ متهالكة أمام المنازل، أو على أسوار الكورنيش والميادين العامة.
وهو ما يشير إليه عادل السعدني، موظف، قائلا: ما نراه الآن من تحوّل الأرصفة إلى صالونات مفتوحة هو استعادة للمجال العام، حيث يشعر المواطن أنه يمتلك الشارع رغم حرمانه من المقهى، مضيفا أن هذه الجلسات تكسر حدة التوتر الناجم عن الضغوط الاقتصادية، وتوفر مساحة لتفريغ الشحنات السياسية تجاه الأحداث الإقليمية.
ويلفت إلى تزايد إقبال المواطنين على ضفاف الكورنيش، والذي تحوّل إلى مقهى مفتوح يجذب أفواجا من الشباب والأسر للبقاء لما بعد منتصف الليل للاستمتاع بأجواء البحر وصخب الأمواج المتلاطمة مع الكتل الخرسانية.
وتحث الحكومة المصرية المواطنين على ترشيد استهلاك الكهرباء في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة، لتوفير فاتورة استهلاك الطاقة التي تضاعفت مرتين بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية، وهو ما أكدته تصريحات رسمية صادرة عن رئاسة الوزراء.
فعالية الإجراءات
إلا أن تصريحات الحكومة تُترجم في الشارع إلى حوارات سياسية ساخنة حول مدى فاعلية هذه الإجراءات، كما يقول الحاج "سيد"، أحد رفاق الحاج عبد التواب في حي اللبان، وهو يتابع نشرة الأخبار بجواره: "نحن هنا على الرصيف نحلل ونتفاعل مع الأخبار وتداعيات التصعيد العسكري في المنطقة، لأنها هي التي أطفأت الأنوار في شوارعنا كلما قرأنا عن ضربة عسكرية في الإقليم، نعرف أن الإغلاق قد يمتد أو أن الأسعار قد تزيد".
على الصعيد الاقتصادي الميداني، أحدث قرار الإغلاق المبكر هجرة للأموال من خزائن المحال الكبرى والمقاهي "المرخصة" إلى جيوب قطاع غير رسمي بدأ يُنظم نفسه بسرعة مذهلة.
"المقاهي الطيارة" أو سيارات "الكافيه والمُسليات" وغيرها من الأفكار البسيطة التي تمزج بين الإبداع والمهارة، باتت القاسم المشترك لمهن ومصادر دخل لكثير من الشباب في الميادين العامة بعد التاسعة مساء للهروب من شبح البطالة.
يشرح "محسن"، صاحب عربة لبيع المشروبات الساخنة، واقعه الجديد قائلا: "قبل أيام، كان عملي ينحصر في الصباح، لكن مع قرار الغلق المسائي، أصبح الرصيف هو سوقي. الناس تخرج من المقاهي المغلقة وتبحث عن أي وسيلة للبقاء في الشارع. أنا أوفر لهم كوب الشاي بمقابل بسيط، وهو سعر لا يقارن بأسعار المقاهي قبل إغلاقها، كما أنني لا أستهلك كهرباء الدولة، بل أعتمد على أسطوانة بوتاجاز صغيرة وكشاف شحن".
اقتصاد موازٍ
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي علاء حسب الله، أستاذ اقتصاد السوق بجامعة الإسكندرية، أن قرارات الترشيد رغم ضرورتها تخلق "اقتصادا موازيا" بفضل الفراغ الذي تركه الإغلاق الرسمي"، وقد دفعت قطاعا واسعا من الشباب إلى البحث عن بدائل خارج المسارات الاقتصادية الكلاسيكية، في محاولة للبقاء والمقاومة، فخلقوا أنماطا جديدة من العمل تعتمد على المشروعات الصغيرة جدا، والمهارات الفردية.
ويقول إن البدائل التي نراها على الكورنيش ونواصي الشوارع هي مبادرات هامشية وبسيطة ومؤقتة، وهي في جوهرها لا تفتح بيتا ولا تكفي نفقات أسرة تعتمد على دخل حقيقي. وما يجب أن نلتفت إليه بجدية هو قياس الآثار الاقتصادية والاجتماعية العميقة لقرار الإغلاق المبكر، فالتبعات المترتبة على الظروف الإقليمية الراهنة قد تستمر لفترة أطول بكثير من فترة الأزمة نفسها.
بينما تصف الدكتورة نهلة إبراهيم، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الإسكندرية، المشهد بأنه محاولة شعبية للتكيف، لكنها تحذر من الاكتفاء برصدها كـ"فلكلور" اجتماعي دون النظر لعمق الأزمة.
وتضيف: تبدو "جمهورية الرصيف" أو ظاهرة "السهر البديل"، وكأنها الرد الشعبي العفوي على الحسابات الورقية للوزارات. فبينما تحقق الحكومة أهداف "توفير الكيلووات"، يحقق المواطن هدفه في "البقاء إنسانا اجتماعيا".
وتتساءل أستاذة الاجتماع عن جدوى القرار في مقابل خسائره: "إذا كان الإغلاق في التاسعة مساءً يهدف لترشيد الطاقة بسبب تداعيات الحرب في المنطقة، فماذا عن كلفة تراجع السياحة؟ وماذا عن مخاطر الطرق المظلمة التي تزيد معدلات الحوادث والاعتداءات؟".
وتضيف: "فقدان شريحة واسعة من المجتمع لدخلها المسائي يفتح الباب أمام زيادة معدلات الجريمة نتيجة العوز، ويضع أصحاب المحال في مأزق يدفعهم لتقليل العمالة لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود ومدخلات الإنتاج".
وتطرح نهلة رؤية بديلة تتجاوز سياسة "تخفيف الأحمال": "لماذا لا نعرض على المواطنين والجامعات والمصانع مشروعا قوميا لإقامة شبكات طاقة شمسية بالتقسيط، بالشراكة مع خبرات دولية، مما يحمي المواطن من الرفع المستمر للأسعار ومن خطر الظلام".
المصدر: الجزيرة
هل القهوة سلاح ضد القلق؟ دراسة تكشف الجرعة المثالية
مرض يربك الإدراك: ماذا يحدث داخل عقل مريض الفصام؟
عاشت قرنين من الزمن.. ما السر العلمي وراء عمر السلحفاة "جوناثان"؟
"ترند" تناول النشويات باردة.. تعرف على حقيقة تقليل السعرات
تجربة تعليمية فريدة.. كيف يعيد نموذج كيني الأمهات المراهقات إلى الدراسة؟
رحيل المذيعة المصرية منى هلال.. رفيقة درب محرم فؤاد
حمض الغليكوليك أم اللكتيك.. إليكم الأفضل للبشرة الحساسة







