كلايف كروك: حرب إيران ترفع مخاطر الاقتصاد الأميركي إلى مستوى "حاد"
اقتصاد دولي

كلايف كروك: حرب إيران ترفع مخاطر الاقتصاد الأميركي إلى مستوى "حاد"

صدى نيوز - قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب غير المسبوق بمهاجمة إيران، والمخاطرة بإشعال صراع أوسع في الشرق الأوسط، يرفعان مستوى الخطر الذي يواجهه الاقتصاد الأميركي من "مرتفع جداً" إلى "حاد". هذه الصدمة الجديدة لا تأتي منفردة، بل تضيف ضغوطاً إضافية إلى سلسلة من التحديات الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد بالفعل، ما يقلل فرص خروجه من هذه المرحلة من دون أضرار.

يتمثل الخطر الفوري في احتمال حدوث تراجع حاد في الأسواق المالية يخرج عن السيطرة. وفي الواقع، كان مثل هذا التصحيح متوقعاً منذ فترة، بالنظر إلى المبالغة الواضحة في تقييم الأسهم الأميركية، والعبء الذي ألقته الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة على الاقتصاد، إلى جانب تدهور آفاق المالية العامة واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة. والآن يضاف إلى ذلك احتمال ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد، وتعطل تدفقات التجارة، وتصاعد الاضطرابات السياسية عالمياً.

التضخم الأميركي لا يزال مرتفعاً

بيانات التضخم الصادرة الأسبوع الماضي كانت بالفعل مدعاة للقلق. فقد ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 0.8% في يناير، وهو مستوى أعلى بكثير من المتوقع. وتدخل مكونات هذا المؤشر في المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، وهو مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي بلغ 3% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في ديسمبر، وهو أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. كما أظهر معهد إدارة التوريد يوم الإثنين دليلاً إضافياً على الضغوط السعرية، إذ قال إن أسعار مدخلات التصنيع ترتفع بأسرع وتيرة منذ عام 2022.

وإذا أدت القفزة في أسعار الطاقة إلى موجة تضخم جديدة، فستضيف إلى هذه الضغوط المقلقة بالفعل. ارتفعت أسعار الطاقة مع بدء الضربات على إيران، ويتوقع محللون أن يتجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 65 دولاراً قبل بدء الهجوم. وكما هو الحال دائماً، هناك سيناريو متفائل: فإذا انتهت الحملة سريعاً وتبعتها حكومة جديدة في طهران، فقد ينخفض خطر الصراعات المستقبلية وتتحسن الثقة في البنية التحتية للطاقة العالمية، ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أقل مما كانت عليه قبل الحرب. لكن إذا طال أمد الصراع واتسع نطاقه، وتعرضت منشآت الطاقة لهجمات مستمرة، أو أُغلق مضيق هرمز، فقد يكون سعر 100 دولار للبرميل تقديراً متفائلاً أكثر مما ينبغي.

شبح الركود التضخمي يظهر مجدداً

أصداء سبعينيات القرن الماضي: ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة سيقود إلى حالة من الركود التضخمي، أي ارتفاع التضخم بالتزامن مع تباطؤ النمو، وهي معادلة يصعب على الاحتياطي الفيدرالي التعامل معها. صحيح أن الولايات المتحدة أصبحت اليوم مُصدِّراً صافياً للنفط، ما قد يخفف من أثر الصدمة على النمو المحلي مقارنة بما حدث في الماضي، لكن الصدمة ستظل عالمية، وتأثيرها الصافي على الاقتصاد الأميركي سيبقى تضخمياً ومثبطاً للنمو في الوقت نفسه، فضلاً عن أنها ستفاقم الضغوط التضخمية القائمة.

مثل هذه السيناريوهات السلبية تدفع إلى التساؤل حول قدرة السياسة المالية على امتصاص الصدمة. وما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تمتلك هذه القدرة هو أمر محل شك كبير. فحتى قبل أن تلغي المحكمة العليا الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة بموجب ما يسمى سياسة "المعاملة بالمثل"، كانت توقعات الاقتراض الحكومي تقترب بالفعل من الحدود القصوى. فالعجز في الموازنة عند مستوى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن الاقتصاد لا يعاني من بطالة مرتفعة ومعدلات الفائدة مستقرة نسبياً، يعني أن الدين العام -الذي يقترب بالفعل من مستويات قياسية- سيواصل النمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد. وهذا هو التعريف العملي لما يسمى "عدم الاستدامة".

قرار إلغاء التعريفات يحرم الحكومة من إيرادات ضخمة

إلغاء المحكمة لاستخدام الإدارة لقانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) سيحرم الحكومة من نحو 150 مليار دولار سنوياً من الإيرادات المتوقعة، وهو مبلغ يزيد قليلاً على ما يمكن جمعه عبر رفع جميع معدلات ضريبة الدخل نقطة مئوية واحدة. وقد تضطر الحكومة أيضاً إلى رد الرسوم التي جمعتها بالفعل. ولتعويض هذا النقص، أعلن ترمب فرض تعرفة جمركية عالمية جديدة بنسبة 10% ترتفع إلى 15% بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، كما وعد بإجراء "تحقيقات" جديدة قد تفضي إلى فرض ضرائب إضافية بموجب سلطات أخرى، وهي خطوات تهدد بإرباك الاتفاقيات التجارية المبرمة مع العديد من الشركاء. وباختصار، يضمن حكم المحكمة أمرين: إيرادات أقل مما كان متوقعاً، ومستوى أكبر من عدم اليقين بشأن نظام الرسوم الجمركية مستقبلاً.

غير أن الرسوم المفروضة بموجب المادة 122 لا يمكن تطبيقها لأكثر من 150 يوماً من دون موافقة الكونغرس. كما أنها على الأرجح غير قانونية، لأن مبررها -الذي هو معالجة "مشكلات أساسية في المدفوعات الدولية" مثل العجز الكبير في ميزان المدفوعات- لا ينطبق فعلياً على الولايات المتحدة. صحيح أن لدى الولايات المتحدة عجزاً كبيراً في الحساب الجاري، لكنه ممول بفائض مماثل في حساب رأس المال، ما يعني أنه لا يوجد "عجز في ميزان المدفوعات" بالمعنى التقليدي للمصطلح. كذلك فإن السلطات الأخرى المتاحة لفرض الرسوم هي أيضاً محل شك قانوني، لأنها تعتمد في الغالب على وجود حاجة عاجلة لعرقلة التجارة، وهي حجة يصعب إثباتها في الوقت الراهن.

عدم اليقين.. الضربة القاضية؟

ورغم ذلك، يبدو أن الكونغرس غير قلق إلى حد بعيد من هذا الاستخدام الواسع للصلاحيات التجارية من قبل الرئيس. فبعد أن منح البيت الأبيض هذه السلطات المحدودة نظرياً، يقف الآن متفرجاً بينما تُعلن حالات طوارئ مشكوك فيها الواحدة تلو الأخرى. لكن الدعاوى القضائية، إلى جانب موقف متحفظ من المحكمة العليا، بدأت تلعب الدور الذي كان يفترض أن يقوم به الكونغرس. ويكشف الحكم الأخير هشاشة الاستراتيجية الجمركية الأوسع للإدارة. فطالما لا يمكن الاعتماد على الضرائب المفروضة على الواردات كمصدر إيرادات، وطالما لم يُجبر الكونغرس على التعامل بجدية مع إدارة الموازنة، فإن فجوة الإيرادات ستتسع وسيظل عدم اليقين المالي في أعلى مستوياته. ونتيجة لذلك، قد تجد واشنطن نفسها مع حيز مالي محدود للغاية -أو منعدم- للتعامل مع أي صدمة اقتصادية كبيرة عبر خفض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي.

وفي النهاية، قد يكون عدم اليقين غير المسبوق هو الضربة القاضية. ففي لحظة معينة قد تُختبر الثقة مرة أخرى، وفجأة يبدأ كل شيء في الانهيار. والسؤال هو: إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد الأميركي، رغم كل نقاط قوته، تحمّل هذا القدر من الاضطراب؟ فسياسات التجارة والميزانية التي تبنتها إدارة ترمب كانت بالفعل مقامرة خطيرة قد تقود إلى أزمة مالية. ومع الضربات على إيران، يبدو أن البيت الأبيض قرر مجدداً مضاعفة هذه المخاطرة.