موازنة الطوارئ.. عبء ثقيل على الفلسطينيين وراتب قبل العيد مرهون بتسهيلات مصرفية
اقتصاد محلي

موازنة الطوارئ.. عبء ثقيل على الفلسطينيين وراتب قبل العيد مرهون بتسهيلات مصرفية

خاص صدى نيوز: أعلن مجلس الوزراء الفلسطيني في جلسته الأسبوعية الثلاثاء أن موازنة العام 2026  ستكون موازنة طوارئ قائمة على أساس التدفق النقدي الفعلي، بحيث ستنفق وزارة المالية -حتى نهاية العام- ما هو متاح من السيولة في الخزينة العامة بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية وعلى رأسها التعليم والصحة والأمن، وضبط الإنفاق، وتطوير العائدات المحلية، مع استمرار صرف نسبة من الرواتب وفقا للإمكانيات إلى أن تتم استعادة تحويل المقاصة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الفرق بين موازنة الطوارئ التي أقرتها الحكومة والتي تذهب إليها مكرهة وبين الموازنة العامة بنمطها التقليدي؟ وما الآثار التي ستتركها على صعيد الإنفاق العام وعلى الاقتصاد الفلسطيني عموماً؟ 

الموازنة بشكلها "التقليدي" لا تصلح حالياً   

يقول مؤيد عفانة الخبير في قضايا الموازنة العامة لـ"صدى نيوز": ضمن أحكام قانون الموازنة العامة رقم 7 لعام 1998؛ تُعد الموازنة برنامجاً مفصلاً لنفقات السلطة الوطنية وإيراداتها لسنة مالية معينة، ويشمل ذلك التقديرات السنوية لإيرادات السلطة الوطنية والمنح والقروض والمتحصلات الأخرى لها والنفقات والمدفوعات المختلفة.

ويضيف:"الموازنة العامة بشكلها الكلاسيكي، تتضمن جانبي الإيرادات المتوقعة والنفقات، وهي تصلح للسياق الطبيعي حين تكون الإيرادات المتوقعة قابلة للتحصيل، وبالتالي يكون تنفيذ الموازنة بسياق منتظم، ودون انحرافات أو فجوات دالة".

ويؤكد أنه في ظل الظرف الراهن، وعدم التيقن من الإيرادات المتوقعة بسبب احتجاز اسرائيل لمعظمها، فان إقرار موازنة كلاسيكية لا يتسق والواقع. لذا فإن موازنة الطوارئ تقوم على الإنفاق وفق التدفقات النقدية المتاحة، شهراً بشهر، وتشمل الحفاظ على نسبة من الراتب بشكل شهري ضمن التدفقات النقدية المتاحة، إضافة إلى توفير التمويل للخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والأمن، وتجميد نفقات أخرى مثل النفقات التطويرية، أو نفقات لمراكز مسؤولية لا تشكل أولوية.

الأولية للتعليم والصحة والأمن

ويرى عفانة أن أولوية الإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والأمن،  يُعد شيئاً ضرورياً وحيوياً لضمان استمرارية تلك الخدمات الأساسية،  خاصة أنها خدمات لا يمكن تأجيلها أو وقفها.

وأشار عفانة إلى أن نقاش مجلس الوزراء لموازنة العام 2026 كموازنة طوارئ قائمة  على أساس التدفق النقدي الفعلي، وضمن أولويات للإنفاق، هو توجه منطقي وواقعي في الأزمة المالية الحادة التي تواجه المالية العامة، خاصة مع استمرار احتجاز اسرائيل لكافة إيرادات المقاصة، والتي تشكل العمود الفقري للإيرادات العامة في فلسطين وبنسبة 68% من إجمالي الإيرادات.

ويقول: "لا يمكن اعتماد موازنة كلاسيكية للعام 2026؛ تقوم على تقديرات غير متحصلة، لذا فإن إقرار موازنة العام 2026 كموازنة طوارئ واقعية قائمة على التدفقات النقدية الممكنة هو تخطيط واقعي عقلاني ضمن الظروف القائمة، خاصة وأن الموازنة ستتضمن أولويات للإنفاق الحكومي، وتحديداً لقطاعات التعليم والصحة والأمن، وهو توجه جيد لتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين والحفاظ عليها، وبما يضمن أيضاً توفير نسبة من الراتب بشكل شهري تضمن للموظفين انتظام الدفعات، كون الراتب عنصراً حاكماً للموظفين ودورة الاقتصاد المحلي.

ويرى عفانة أن موازنة 2026 (الطوارئ) يجب أن تتضمن ترشيداً صارماً للنفقات العامة، وخاصة النفقات التشغيلية والرأسمالية والتطويرية، من أجل توفير الموارد المالية المحدودة للاحتياجات والأولويات التي تعزز من صمود المواطنين، لا سيما وأنه لا تبدو بوادر انفراجة مالية في العام 2026.

نسبة الراتب تبعاً للتدفقات النقدية

يشير عفانة إلى أنه من الناحية العملية، فإن السلطة الفلسطينية عملت على إقرار موازنات طوارئ قائمة على التدفقات النقدية في السنوات الماضية، وهي موازنة يتم اعتمادها من مجلس الوزراء واقرارها من السيد الرئيس وتصدر كقرار بقانون.

ويضيف: "لذا يمكن أن تختلف نسبة الراتب والحد الأدنى تبعاً للتدفقات النقدية المتاحة، ولكن سيكون هناك التزام بتوفير دفعة الراتب ودوريتها".

وعلمت "صدى نيوز" أن هناك عدة خيارات موضوعة على طاولة الحكومة لدراستها بهدف ترشيد النفقات العامة منها إمكانية دمج وزرات لتخفيض النفقات التشغيلية.

وكان مجلس الوزراء شدد في جلسته الأسبوعية على أن هذه الترتيبات الاستثنائية لن تكون بأي حال من الأحوال بديلًا عن الحقوق الفلسطينية الثابتة في أموال المقاصة المحتجزة من الحكومة الإسرائيلية، والتي باتت قيمتها الآن ما يقارب (5) مليارات دولار، وجدد مجلس الوزراء مطالبة الشركاء الدوليين بمضاعفة الضغط على إسرائيل للإفراج عن هذه الأموال دون إبطاء.

ما نسبة الراتب قبل العيد؟

وعلمت "صدى نيوز"  من مصادر مطلعة أنه رغم توجه الحكومة لتوفير دفعة من الراتب قبل عيد الفطر السعيد لا تقل عن 60% وحد أدنى ألفي شيقل أسوة بالأشهر الأخيرة، وذلك باللجوء إلى طلب  للحصول على تسهيلات من الجهاز المصرفي، غير أن البنوك مازالت تدرس هذا الطلب وستقدم ردها غدا الخميس لسلطة النقد. ويبدو أن بعض البنوك غير متشجعة لمنح التسهيلات الكاملة التي طلبتها الحكومة نظراً لعدم توفر ضمانات كافية من وجهة نظرها، إذ أن القرار النهائي  متروك  لإدارة كل بنك. 

ورجح مصدر مطلع أن تكون هناك موافقة نسبية على طلب الحكومة، بمعنى توفير تسهيلات مصرفية تمكن من صرف دفعة من الراتب، ولكن حجم هذه التسهيلات قد لا تكون كافية لصرف نسبة الـ60% وحد أدنى ألفي شيقل، الأمر الذي يؤخر وزارة المالية والتخطيط الإعلان عن موعد الراتب ونسبته حتى اللحظة. ولم يستبعد المصدر أن تكون نسبة الصرف أقل من 60% أو تذهب الحكومة لصرف دفعات مقطوعة.

يذكر أنه لصرف 60% من الراتب وحد أدنى ألفي شيقل يلزم توفير 720 مليون شيقل، بينما تبلغ فاتورة الرواتب الشهرية كاملة نحو مليار وخمسين مليون شيقل. علماً أن الإيرادات المحلية تتراوح شهرياً بين 350-400 مليون شيقل، مع وجود خدمة دين عام(تسديد قروض وفوائدها) لا تقل عن300 مليون شيقل. يشار إلى أن موظفي القطاع العام البالغ عددهم قرابة 172  ألف موظف لم تتقاض نسبة منهم رواتب كاملة منذ تشرين الثاني 2021. 

انعكاسات خطيرة على الاقتصاد الفلسطيني

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري إن قرار الحكومة الفلسطينية المتعلق بإعداد الموازنة العامة على أساس التدفقات النقدية يعكس في جوهره محاولة لإدارة أزمة سيولة حادة تمر بها المالية العامة، مشيراً إلى أنه في الظروف الطبيعية تُبنى الموازنات الحكومية عادة على أساس ما يسمى مبدأ الاستحقاق، أي تسجيل جميع الالتزامات المالية التي يجب على الحكومة دفعها خلال العام مثل الرواتب، والنفقات التشغيلية، ومستحقات القطاع الخاص، حتى لو لم يتم دفعها فعليًا في نفس اللحظة، أما عندما يتم اعتماد موازنة مبنية على التدفقات النقدية، فهذا يعني أن الحكومة ستربط الإنفاق بالنقد المتوفر فعليًا في الخزينة، وليس بحجم الالتزامات القانونية أو المالية القائمة عليها.

ويضيف: "بمعنى آخر، الحكومة ستنفق وفق ما يدخل إليها من سيولة نقدية، سواء من إيرادات المقاصة، أو الضرائب المحلية، أو المساعدات الخارجية. وبالتالي فإن أي التزام مالي لا يتوفر له نقد في الوقت المحدد قد يتم تأجيله أو دفعه جزئيًا إلى حين توفر السيولة".

أما حول الأثر الذي ستتركه هذه الموازنة، فأوضح صبري "بالنسبة للموظف الحكومي، قد يعني هذا القرار استمرار حالة عدم اليقين في انتظام الرواتب. فمن المرجح أن يبقى صرف الرواتب مرتبطًا بحجم الإيرادات المتوفرة شهريًا، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار صرف رواتب منقوصة أو تأجيل جزء من المستحقات. كما قد يتأثر دفع العلاوات أو الفروقات المالية أو المستحقات المتراكمة للموظفين، الأمر الذي ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية لآلاف الأسر التي تعتمد على دخل القطاع العام".

أما على مستوى الاقتصاد الفلسطيني، فيرى صبري أن لهذا التوجه عدة انعكاسات محتملة. فالقطاع العام يمثل أحد أهم مصادر السيولة في السوق المحلي، ورواتب الموظفين الحكوميين تشكل جزءًا أساسيًا من الطلب الاستهلاكي. وعندما تتراجع هذه السيولة أو تصبح غير منتظمة، فإن ذلك يؤدي غالبًا إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع الاستهلاك في قطاعات عديدة مثل التجارة والخدمات.

يتابع صبري: "إضافة إلى ذلك، قد يؤدي اعتماد هذا النهج إلى تأجيل مدفوعات الحكومة تجاه القطاع الخاص من موردين وشركات تقدم خدمات للحكومة، وهو ما يخلق ضغوطًا مالية على هذه الشركات ويؤثر على قدرتها التشغيلية والاستثمارية. وفي بعض الحالات قد تنتقل هذه الضغوط إلى القطاع المصرفي إذا اضطرت الشركات إلى الاقتراض لتغطية نقص السيولة".

أداة لتجاوز مرحلة صعبة 

بشكل عام، يؤكد صبري أن اعتماد موازنة قائمة على التدفقات النقدية ليس بالضرورة خيارًا اقتصاديًا مفضلاً، بل هو في الغالب أداة لإدارة مرحلة مالية صعبة تحاول فيها الحكومة موازنة الإنفاق مع الموارد المحدودة المتاحة. ومع استمرار التحديات المرتبطة بتراجع الإيرادات وعدم انتظام تحويلات المقاصة، سيبقى الاستقرار المالي مرتبطًا بقدرة الحكومة على تأمين مصادر دخل أكثر استقرارًا وتحسين إدارة الموارد العامة.

وكانت أرقام وزارة المالية والتخطيط كشفت أن حجم ديون الحكومة والمستحقات المتراكمة لصالح فئات مختلفة وصل مع نهاية العام 2025 إلى نحو 47.4 شيقل.(ديون لصالح البنوك والقطاع الخاص وصندوق التقاعد ومستحقات الموظفين، بالإضافة إلى الاستدانة من صناديق محلية وخارجية).

يذكر أن إسرائيل أوقفت  تحويلاتها من أموال المقاصة الإيراد الرئيسي للخزينة العامة بشكل كامل  منذ قرابة (11) شهراً في محاولة منها لتجفيف المصادر المالية للسلطة الفلسطينية والدفع بحصول انهيار مالي، علماً بأنها لم تكن تحول سوى ثلث تلك الإيرادات بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 بسبب فرضها خصومات إضافية بدعوى أنها مخصصات لقطاع غزة، لتضاف إلى خصومات أخرى كانت فرضتها  منذ شباط 2019 والمتعلقة بمخصصات رواتب أسر الشهداء والجرحى والأسرى والمحررين.