صندوق التقاعد.. ديون بمليارات الدولارات واستثمارات تغيب عنها الشفافية
خاص بـ"صدى نيوز": معادلة عجيبة تعيشها هيئة التقاعد الفلسطينية، فهي تعدّ أكبر دائن للحكومة الفلسطينية بديون تصل قيمتها حسب تصريحات صدرت مؤخرا عن وزير المالية اسطيفان سلامة إلى نحو 4.5 مليار دولار من أصل نحو 15 مليار دولار إجمالي الدين العام، أي أنها تمثل تقريبا ثلث حجم الديون، في وقت يدخل فيه الصندوق في استثمارات تصل قيمتها إلى نحو 1.2 مليار دولار، وسط اتهامات بغياب الشفافية في إدارة تلك الاستثمارات.
هذا الوضع يأتي في ظل تهديد بضياع حقوق موظفين في القطاع العام بسبب عدم تحويل رواتبهم التقاعدية كاملة أو حصولهم على مبلغ الدفعة الواحدة سواء مبلغ المكافأة أو مبلغ التوفير المسمى بالمساهمات المحددة أو كلا المبلغين كما حصل مع 684 عسكرياً من رتبة عميد وبعض الألوية باحالتهم على التقاعد المبكر بموجب قرار بقانون رقم (9) لسنة 2025م الصادر عن الرئيس محمود عباس.
حقوق منقصوصة
يقول مراقبون وخبراء لـ"صدى نيوز" إن الأصل أن الموظف الذي يتم احالته إلى التقاعد سواء من القطاع المدني أو العسكري يفترض حصوله على راتبه التقاعدي كاملاً وحقوقه التقاعدية كذلك، لكن الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة وارتفاع قيمة الدين الحكومي لصالح صندوق التقاعد يحول دون تنفيذ ذلك، فمثلاً يتم تأخير دفعات مكافأة نهاية الخدمة لفترات طويلة، ويتم تقسيطها على مراحل، كما أن جزءاً كبيراً من موظفي القطاع العام سواء مدنيين أو عسكريين لا يتلقون رواتبهم التقاعدية كاملة وإنما نسبة تكون عادة حسب ما تعلنه الحكومة شهرياً، أي أن المتقاعد ينطبق عليه نسبة ما يصرف لصالح الموظفين وهذا مخالف للقانون، ما يؤكد حجم التداخل بخصوص المكاشفة حول الأموال المتوفرة في الصندوق من أموال المنتسبين من جهة، وبين طبيعة الاستثمارات الخاصة بالصندوق وشفافيتها من جهة ثانية، وبين حقيقة لجوء الحكومات المتعاقبة إلى الاستدانة من صندوق التقاعد، الأمر الذي ارهقه مالياً وعطل دوره الأساسي، ومسّ بحقوق المنتسبين.
"رائحة كريهة"
يقول عزمي الشعيبي، مستشار مجلس إدارة ائتلاف أمان، إن الشعور لدى الناس هو أن أموال هيئة التقاعد تُستخدم خارج إطار مصالح أصحابها، أي المساهمين، ورغم أن الحكومة تساهم في الحصة، فهذا لا يعني أن هذه الأموال للحكومة، بل ينتهي دور الحكومة عند نقل الأموال، وتصبح ملك المستفيدين.
وأضاف أن هيئة التقاعد فيها "روائح كريهة" ولذلك دائماً ما يتم رفض فتح هذا الملف. وكان ماجد الحلو رئيس هيئة التقاعد نفى في تصريحات صحفية سابقة بأن الصندوق يعاني "الإفلاس"، لكنه لم يقدم حقائق حول قيمة أموال المنتسبين المتوفرة في الصندوق، كما أن موقع الهيئة لا يوفر أرقاما بخصوص ذلك.
كيف تراكمت ديون الصندوق في ذمة الحكومة؟
ديون صندوق التقاعد لدى الحكومة متراكمة ومعقدة ومتداخلة وحتى قيمتها محل جدل وخلاف كبيرين، لكن الحكومة أقرت مؤخراً بأن حجم الديون لصالح الصندوق وصلت إلى نحو 4.5 مليار دولار، وهذه تأتي من ثلاثة مسارات:
الأول: عدم تحويل الحكومة (لفترات متقطعة) لمساهمة الموظف في صندوق التقاعد والبالغة نحو 10% (كانت تدفع بطريقة غير منتظمة ولم تسدد بالكامل).
والثاني مساهمة الحكومة في صندوق التقاعد والبالغة 12% من نسبة الراتب (أيضًا تدفع على فترات متقطعة وبطريقة غير منتظمة ولم تسدد بالكامل)، والمسار الثالث أموال اقترضتها الحكومة منذ فترات طويلة وعلى عدة دفعات من صندوق التقاعد على شكل قروض لم تسدد بالكامل.
استثمارات تغيب عنها الشفافية
نظم قانون التقاعد العام رقم 7 للعام 2005 إنشاء وعمل هيئة التقاعد الفلسطينية كمؤسسة مستقلة إدارياً ومالياً، تتمتع بالشخصية القانونية المستقلة، لإدارة وتنظيم الإشراف على أنظمة التقاعد في فلسطين. كما نظم القانون آلية تعاملها مع الأموال المنقولة وغير المنقولة المتصلة بعملها. وقد سمح القانون للهيئة بالاستثمار وحدد ايرادات الاستثمار كأحد مواردها.
ووفق قانون التقاعد العام، وكما جاء في المادة رقم 4، فإن حصيلة استثمار أموال الهيئة يعدّ واحداً من مواردها، فيما نظمت المادة 65 من القانون نفسه عملية الاستثمار من خلال تشكيل لجنة استثمار يناط بها تطوير دليل الاستثمارات لإقراره من قبل مجلس الإدارة، كما وتستلم تقارير منتظمة حول النشاطات الاستثمارية ونتائجا، ولجنة تدقيق يناط بها الإشراف ومراقبة جميع عمليات التدقيق الداخلي واستقبال تقرير سنوي من المدقق الداخلي حول النشاطات والنتائج. وحول الشفافية نصحت المادة 80 من القانون على وجوب تضمن التقرير السنوي للمجلس البيانات المالية والحسابات عن السنة المالية المنصرمة، والنتائج الأساسية المتعلقة بأداء الاستثمارات، ومدى تطابق أداء مدير الاستثمارات السابق والحالي لتعليمات الحدّ الأدنى، وبيان سياسة الاستثمارات للسنة القادمة، وما يتضمنه تقرير المدقق الخارجي بشأن الوضع المالي للسنة المنصرمة، وما تشتمل عليه التقارير الربعية لكل من لجنة التدقيق ولجنة الاستثمارات، وبيانات السياسات الاستثمارية والمعايير والإجراءات، وتحليل ومطابقة لكل من الموجودات والمطلوبات، ومعلومات بشأن ترتيبات مدير الاستثمارات والمحافظ الخاصة بالاستثمارات، بما في ذلك الرسوم والنفقات والإيرادات، وشهادة موقعة من رئيس المجلس ورئيس الهيئة تؤكد أن جميع الاستثمارات التي تمت خلال السنة الماضية تتفق مع سياسية الاستثمارات والمعايير والإجراءات طبقاً للقانون، والأنظمة، والقرارات، والتعليمات، ومعلومات حول حجم التعويضات والمنافع التي صرفت لجميع أعضاء المجلس.
نص القانون بشكل واضح على أهمية الحفاظ على الاستقلال المالي والإداري للهيئة، وبهذا السياق يعطي القانون مساحة إدارة استثماراتها وفق قواعد مهنية واضحة ومحددة، دون الخضوع لأي تأثيرات من أطراف سياسية خارجية أو مراكز قوى أونفوذ.
دراسة أعدها الائتلاف من أجل النزاهه والشفافية (أمان) للباحث د. ابراهيم ربايعة بعنوان "الشفافية في إدارة استثمارات أموال هيئة التقاعد الفلسطينية" تظهر أن حجم المحفظة الاستثمارية بلغ حوالي 1.2 مليار دولار، وتتكون المحفظة من: استثمارات محلية (سندات حكومية وحصص بشركات وطنية وبنوك تجارية) واستثمارات خارجية محدودة. تشمل الاستثمارات المحلية عدة شركات ومؤسسات مصرفية مركزية منها شركة تمكين للتأمين التي ترأس الهيئة مجلس إدارتها، و عدة بنوك بعضوية مجلس الإدارة، وشركة القدس للمستحضرات الطبية بعضوية مجلس الإدارة، وشركة فلسطين للكهرباء بعضوية مجلس الإدارة، وشركة الزيتونة للتمويل الإسلامي بعضوية مجلس الإدارة، وجرزيم مول في نابلس كشريك استثماري.
وخلصت الدراسة إلى وجود أزمة في حوكمة السياق الاستثماري في الهيئة، ويتضح هذا من غياب سياسة استثمارية واضحة ومعلنة، بالربط مع إطار تخطيطي دقيق، وتحدد توزيع الأصول بشكل شفاف.
وأشارت الدراسة إلى غياب الافصاح ) على مستوى الآليات والسلوك الإداري، (فالهيئة لا تقوم بالإفصاح عن مدراء أو مستشاري الاستثمارات مع الإعلان عن المؤسسة المصرفية التي تتولى إدارة الاستثمارات. كما لا تفصح الهيئة عن أية استثمارات تتم مع اطراف أو جهات ذات صلة بالصندوق أو إدارته "بمستوياتها"، وهذا يمتد أيضا للقروض او التسهيلات المالية الممنوحة أو المستلمة من قبل الصندوق وطبيعة ارتباطها بالأطراف ذات العلاقة بالصندوق.
وخلصت الدراسة إلى غياب الرقابة الملزمة من قبل مؤسسة رقابية عليا "ديوان الرقابة المالية والإدارية مثلاً"، ورغم خضوع الهيئة وشأنها الاستثماري لرقابة الديوان غير أن هذه الرقابة غير دورية، إذ تم إعداد آخر تقرير عن الديوان في عام 2020. كما أن اتاحة نتائج هذه التقارير محدودة وغير تفصيلية. أما على مستوى هيئة التقاعد فهي لا تنشر تقاريرها السنوية وتكتفي بتسليمها للرئيس ورئيس الوزراء والاتاحة الضيقة وتوثيق ذلك بصورة تخرج للإعلام دون تفاصيل.
وبينت الدراسة أن واحداً من أهم مسببات أزمة الشفافية في إدارة الاستثمارات متصل بأزمة هيئة التقاعد المالية المستدامة، المتصلة بتراكم المساهمات التقاعدية في ذمة وزارة المالية والتحويل المباشر للرواتب التقاعدية –كلياً او جزئيا- من قبل الوزارة، و هذا ما أضر بشكل كبير بمبدأ استقلالية الهيئة ومشاريعها وبرامجها، لتوصي الدراسة بالبحث عن آلية شفافة لإدارة العلاقة لإدارة العلاقة بين الوزارة والهيئة.
وأكدت الدراسة ضرورة وضع سياسة نشر ملزمة تطبق قانون التقاعد العام ذات الصلة، ومعايير الشفافية والإفصاح، والالتزام بنشر التقارير السنوية والربعية، وتقارير الاستثمار بشكل دوري وبمواعيد ثابتة وفق هذه السياسة.
تجدر الإشارة إلى أن رئيس الهيئة كان قد تعهد في جلسة عقدت في "أمان" بتاريخ 31-3-2017 بنشر كافة تقارير الهيئة بما فيها الاستثمارية على موقعها الإلكتروني وبشكل دوري، وهو أمر لم يتم تطبيقه منذ ذلك التاريخ.
وكانت "صدى نيوز" قد حاولت التواصل مع د. ماجد الحلو رئيس هيئة التقاعد للتعقيب على ما ورد في هذا التقرير، غير أنه تذرع بأنه في سفر، طالباً التواصل معه لاحقاً، ورغم عدة محاولات من "صدى نيوز" للتواصل معه في عدة فترات وعلى مدار أيام متتالية، غير أن الحلو لم يرد على كافة الاتصالات رغم مراسلته مراراً بهذا الخصوص. وستقوم "صدى نيوز" بنشر تصريحات الهيئة وتعقيبها في حال توفرها.
خاص: إسرائيل تحارب غزة بيد وتسلب أموالها بيد أخرى
محافظ سلطة النقد يلتقي القنصل العام الفرنسي ويبحثان تطورات القطاع المالي والمصرفي
أسعار صرف العملات مقابل الشيكل الاثنين (19 يناير)
الشرطة الإسرائيلية تعتقل شخصين حاولا تهريب 12 مليون شيكل عبر معبر الكرامة
هيئة سوق رأس المال تصدر تعليمات حوكمة الشركات المدرجة لتعزيز الثقة وتحقيق الاستدامة الاقتص...
550 طن غاز للسوق... هيئة البترول تطمئن الفلسطينيين: "لا داعي للتخزين"
تقرير بنك إسرائيل: الاقتصاد يدخل مرحلة نمو "إيجابي" في 2026





