اليوم التالي في غزة: الصندوق الأسود الذي يخشاه الجميع
منذ أن بدأ الحديث عن "اليوم التالي" في غزة، انشغلت الأطراف المحلية والإقليمية والدولية بطرح تصورات مختلفة لإدارة القطاع بعد الحرب. غير أن معظم هذه التصورات تتعامل مع النتائج وتتفادى الاقتراب من جوهر القضية. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في إعادة الإعمار أو تشكيل حكومة جديدة أو نشر قوات أمنية، بل في ذلك "الصندوق الأسود" الذي يحتوي على الأسئلة الأكثر حساسية وتعقيداً.
من يختار الشبكة السياسية والأمنية التي ستدير غزة؟ ومن يمنحها الشرعية؟ ومن يحدد وظائفها وصلاحياتها؟ ومن يقرر متى تصبح جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني؟ هذه الأسئلة تبدو للوهلة الأولى إدارية أو تقنية، لكنها في حقيقتها أسئلة تتعلق بالسيادة والتمثيل والقرار الوطني.
عبر التاريخ، لم تكن الأزمات الكبرى تنتهي بمجرد توقف الحروب. فالحروب تترك وراءها فراغاً سياسياً يكون أكثر خطورة من المعارك نفسها. وفي الحالة الفلسطينية، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً. فبعد كل جولة صراع كانت تظهر معضلة السلطة والشرعية بوصفها العقدة الأصعب، لأن إدارة الأرض لا تنفصل عن تمثيل الشعب، والسلطة لا تكتسب مشروعيتها من قدرتها على الإدارة فقط، بل من قبول الناس بها وإيمانهم بأنها تعبر عن إرادتهم الوطنية.
اليوم تتعدد المشاريع المطروحة لغزة. هناك من يتحدث عن إدارة محلية، وآخرون يطرحون دوراً عربياً أو إقليمياً، بينما تتحدث بعض الأطراف الدولية عن ترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة. لكن جميع هذه المقترحات تصطدم بالسؤال ذاته: من يملك حق اختيار هذا النموذج؟ وهل ستكون السلطة القادمة نتاج توافق فلسطيني أم نتيجة تفاهمات خارجية؟
تكمن خطورة هذه المرحلة في أن الإجابات قد تُفرض قبل أن تُناقش. فإذا جاءت السلطة الجديدة بقرار خارجي، فإنها ستواجه أزمة شرعية منذ لحظة ولادتها. وإذا جاءت عبر طرف فلسطيني واحد دون توافق وطني واسع، فإنها قد تعمق الانقسام القائم. أما إذا استندت إلى شراكة وطنية حقيقية وإرادة شعبية واضحة، فقد تشكل فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس أكثر تماسكاً.
المفارقة أن معظم النقاشات الحالية تدور حول شكل الإدارة المقبلة، بينما يغيب النقاش حول مصدر الشرعية. فالمجتمعات لا تستقر بمجرد وجود سلطة تدير شؤونها اليومية، بل عندما تقتنع بأن هذه السلطة تمثلها وتعبر عن مصالحها وتستمد وجودها من إرادتها الحرة.
إن الصندوق الأسود لليوم التالي في غزة لا يحتوي على أسماء الأشخاص أو المؤسسات فحسب، بل يحتوي على سؤال أكبر: من يملك حق تعريف الشرعية الوطنية الفلسطينية في المرحلة المقبلة؟ ومن يحدد العلاقة بين المقاومة والسياسة، وبين الإدارة والسيادة، وبين الواقع الذي فرضته الحرب والمستقبل الذي يطمح إليه الفلسطينيون؟
لذلك، فإن الحديث عن اليوم التالي سيبقى ناقصاً ما لم تُفتح هذه الصناديق المغلقة. فإعادة الإعمار يمكن تمويلها، والمؤسسات يمكن إنشاؤها، والترتيبات الأمنية يمكن التوافق عليها، لكن الشرعية لا تُشترى ولا تُفرض بالقوة. إنها تُبنى عبر التوافق الوطني والإرادة الشعبية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: من سيحكم غزة؟ بل: من سيملك الحق في تقرير من يحكم غزة؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المستقبل الفلسطيني كله، وليس مستقبل القطاع وحده.
حين تترشح الزنزانة للرئاسة ...
الكذبة الإسرائيلية الكبرى
أباطرة الخوارزميات..
قبل فوات الأوان لماذا أصبح إنقاذ المؤسسات الفلسطينية شرطا لنجاح الإصلاح وليس بديلا عنه؟
قوانين الانتخابات الفلسطينية بين المشاركة والتضخيم والتحكم السلطوي
غزة وحسابات نتنياهو الانتقامية
من الاعتراف إلى بناء القدرة: هل بدأ العالم الاستثمار في الدولة الفلسطينية قبل اكتمال سيادت...




