قوانين الانتخابات الفلسطينية بين المشاركة والتضخيم والتحكم السلطوي 
مقالات

قوانين الانتخابات الفلسطينية بين المشاركة والتضخيم والتحكم السلطوي 


أخيراً، نُشر النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني لسنة 2026 والقرار بقانون رقم 10 المعدل للقرار بقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته في الجريدة الرسمية الصادرة في 18/6/2026؛ كتوثيق رسمي لا عودة عنه وأي تغييرات قد تحدث لهما تحتاج لقرار جديد بذات الطبيعة التشريعية. تتضمن التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات العامة جوانب إيجابية مهمة لا سيما خفض سن الترشح، وزيادة تمثيل المرأة داخل القوائم الانتخابية، إلى جانب تخفيض نسبة الحسم إلى 1%، تعزز هذه التعديلات فرصاً للمشاركة والتمثيل في أي استحقاق انتخابي مقبل. لكن في المقابل هناك بعض الملاحظات الطفيفة عليهما وهي؛

(1) التعامل مع إمكانيات دولة فلسطين أنها دولة عظمى 
يتعامل المشرع الفلسطيني مع خزينة دولة فلسطين بتساهل كبير أو أن الدراسات التي تضع أمامه لا تحيطه علماً بتأثيرات الخطوات أو التكاليف والتبعات المالية "التهيئة التشريعية" لزيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي "مجلس النواب لدولة فلسطين" من 132 عضواً إلى 200 عضو، أي إضافة 68 مقعداً. علماً أن الفلسطينيين بدأوا عهدهم بالمجلس التشريعي بـ88 عضواً في العام 1996، وفي العام 2005 زاد المجلس التشريعي بقانون الانتخابات لسنة 2005 عدد أعضاء المجلس بـ44 عضواً أي ثلث الأعضاء. إن الزيادة مع العدد المضاف في القرار بقانون يصبح أعلى من المجلس الأول بـ 112 عضواً أي أن معدل الزيادة في ثلاثين عاماً يبلغ 127%، وعلى هذا المنوال يكون عدد أعضاء المجلس التشريعي 455 عضواً في العام 2056. كما أن حجم المجلس التشريعي المقترح يعد مرتفعاً مقارنة بعدد السكان والمؤسسات التشريعية في دول مجاورة ذات تعداد سكاني متقارب.
إن القراءة المتفحصة لا تقف عن الزيادة العددية وتواترها بل أيضا على الموازنة ما بين الرغبة السياسية والقدرة المالية للدولة؛ فإن كل زيادة عددية للنواب يرافقها زيادة في الإنفاق العام من الخزينة العامة أو بمعنى أدق من جيوب المواطنين دافعي الضرائب، فكل عضو من أعضاء المجلس يحتاج إلى راتب شهري ومهمات بالإضافة إلى ثلاثة موظفين على الأقل يعاونوه في أداء مهامه ووظيفته حتى وإن استعان بموظفين في قطاعي الأمن والخدمة المدنية، ويحتاج إلى تسهيلات أو امتيازات حددها القانون الفلسطيني وهي على حساب الخزينة العامة، كما أن هذا العدد "200 عضو" يحتاجون إلى مقر جديد للمجلس التشريعي مؤهل لعقد جلساته العامة واجتماعات لجانه خاصة أن مبنى المجلس القديم لم يُصمم لاستيعاب هذا العدد. ناهيك عن توظيف عدد كاف ومؤهل في مقر المجلس التشريعي الجديد لتلبية الاحتياجات الفنية والإجرائية واللوجستية لحسن سير أعمال المجلس التشريعي المضخم. وجميع ذلك سيكون على حساب دافعي الضرائب في ظل أزمة اقتصادية تضرب جيوب العباد وعجز مالي في الخزينة العامة يقوض القدرة على تقديم الخدمات الأساسية.
 
(2) الخطأ أو التزوير في الإعلانات التشريعية
نشر في الرابع عشر من الشهر الحالي على موقع وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" بأن الرئيس قد أصدر قراراً بقانون معدلاً لقانون الانتخابات، وفي ذات الوقت سُرب أو نُشر كما هو متبع عرفاً القرار بقانون موقعاً من الرئيس محمود عباس، فيما نشر القرار بقانون في الجريدة الرسمية "العدد ممتاز 36" الصادر في 18/6/2026 (أي بعد أربعة أيام من الإعلان). 
لكن وجدت تغييرات ما بين النصين تتعلق بالتعديلات على المادتين 5 و7 من القانون الجديد، خاصة أن الخبر المنشور على وكالة "وفا" لم يتضمن كذلك الإضافات على ما هو منشور في الجريدة الرسمية. وفي هذه الحالة فإن التحقيق واجب لضمان التحقق بأن ما ورد في الجريدة الرسمية لم يقع فيه خطأ عند نشره في الجريدة الرسمية، أو أن هناك تزوير في القرار بقانون الذي نشر ممهور بتوقيع الرئيس الفلسطيني. هذه الحالة تحتاج المكاشفة خاصة في المرحلة الحالية الحرجة من تاريخ الشعب الفلسطيني؛ وإلا سيكون هناك تشكيك بكل ما سيصدر لاحقاً من نصوص تشريعية أو مراسيم وقرار.     
 
(3) علاقة رئيس الدولة بالمنظمة بحاجة إلى معالجة 
لم يحل قانون الانتخابات العامة والنظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني مسألة آليات إنتاج ومكانة رئيس المنظمة ورئيس الدولة، المسألة في المنظومة الفلسطينية السياسية؛ فرئيس المنظمة يتم اختياره من بين أعضاء اللجنة التنفيذية المنتخبة وفقاً للنظام الأساسي لمنظمة التحرير من قبل أعضاء المجلس الوطني المنتخبين، أي أنّ الأعضاء منتخبون أصلاً، أما رئيس الدولة فيتم انتخابه بشكل مباشر ومنفصل عن أعضاء المجلس التشريعي وفقاً لقانون الانتخابات الدستور المنشورة وهو بذلك ليس عضواً في المجلس التشريعي وفقاً للصيغة في النظام الانتخابي، فكيف سيكون عضواً في المجلس الوطني عن الأراضي الفلسطينية. وكذلك الأمر من سيكون له العلوية خاصة إذا ما كان رئيس المنظمة ورئيس الدولة شخصان مختلفان وهي مسألة حتمية وفقاً لهذا النظام، فلم يعد أعضاء اللجنة التنفيذية بحكم منصبهم أعضاء في المجلس الوطني، إلا في حالة واحدة أنْ يكون رئيس المنظمة من الشتات ويترشح في الأراضي الفلسطينية رئيساً لدولة فلسطين في دائرة الأراضي الفلسطينية أي أن يكون مسجلاً في سجلين انتخابيين في الداخل وفي الخارج وهي بذلك جريمة انتخابية كونه "استعمل حقه في الاقتراع أكثر من مرة واحدة".  
 
(4) الكوتا النسوية لا احترام لقرارات المجلس الوطني
بغض النظر عن الخطأ في الصياغة التشريعية التي جاءت في نص المادة 3 من القانون المعدل لقانون الانتخابات بحيث يكفي بأن تكون فقرة واحد فقط على النحو التالي "يجب أن تتضمن كل قائمة من القوائم المرشحة للانتخابات حدًا أدنى لتمثيل المرأة لا يقل عن 30% من المرشحين فيها، على أن تكون امرأة واحدة من بين أسماء كل ثلاثة مرشحين مدرج أسمائهم على امتداد القائمة" والفقرة الثانية الواردة في ذات المادة تزيّد لا حاجة له حيث أشارت الفقرة الأولى أن الكوتا الموجودة هي كحد أدنى؛ فمن غير المرغوب في الصياغة التشريعية تأكيد على المؤكد.
أما النص في هذه الحالة "أي ضمان الكوتا النسوية الـ 30% سيكون على قوائم الترشيح وليس ضمانها في المجلس التشريعي الأمر الذي يجعل ذلك غير منسجم مع قرار المجلس الوطني والمجلس المركزي بأن تكون حضور النساء "الكوتا" في المجلس التمثيلية لا تقل 30% من مجمل مقاعد المجلس التشريعي.

(5)  تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية للتخفيف من الأعباء المالية 
يعتبر إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بشكل متزامن وفي يوم واحد، بعد استكمال التحضيرات السياسية والفنية اللازمة لضمان نجاحها، الأمر الذي يمنح الفلسطينيين فرصة متكاملة لتحديد خياراتهم السياسية ويقلل في الوقت ذاته من الأعباء المالية المترتبة على تنظيم عمليتين انتخابيتين منفصلتين، ويضمن إدارة أكثر كفاءة للعملية الانتخابية. لكن الإعلانات تشير إلى فصل انتخاب الرئيس عن انتخاب المجلس التشريعي مما يعني إضافة أعباء مالية على دافعي الضرائب والخزينة العامة.
 
(6)  معالجة القضايا الإجرائية والسياسية لضمان إجراء الانتخابات
إن نجاح أي انتخابات مقبلة يتطلب معالجة مجموعة من التحديات السياسية والإجرائية، وفي مقدمتها آليات إجراء الانتخابات في قطاع غزة، وتحديث السجل الانتخابي، وضمان مشاركة الناخبين الذين نزحوا أو مُنعوا من الوصول إلى مناطق سكنهم الأصلية، إضافة إلى معالجة قضية مشاركة الفلسطينيين في مدينة القدس واحتمالات عرقلة إسرائيل للعملية الانتخابية هناك.
 
(7) توقيت الانتخابات بحاجة لإعادة القراءة الزمنية
إن توقيت الانتخابات يمثل عاملاً مؤثراً، خاصة إذا تزامنت مع الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، إذ إن الحكومة الإسرائيلية الحالية قد ترفض تسهيل إجرائها في القدس، وتضعف أي تحرك دولي للضغط على الحكومة الإسرائيلية، خاصة أنها ستكون انتقالية بعد انتخابات الكنيست ومعرفة نتائجها والتحولات أو التغييرات التي ستلحقها. 
إن تأجيل الانتخابات إلى مطلع العام المقبل من أجل استجلاء اليقينية في إمكانية إجراء الانتخابات، قد يتيح فرصة للتعامل مع حكومة إسرائيلية جديدة قد تكون أكثر استجابة للضغوط الدولية للالتزام بالتفاهمات السابقة المتعلقة بالانتخابات في مدينة القدس. 
 
(8) الشرط السياسي ومخاطره
تمت إضافة شرط سياسي في القانون المعدل لقانون الانتخابات قد يؤدي إلى عزوف عن المشاركة في العملية الانتخابية التي تمثل مدخلاً لإنهاء الانقسام السياسي من جهة وبين الضفة الغربية وقطاع غزة هذا من جهة، وقد يولد انعزالاً سياسياً لفئات سياسية واجتماعية تتجه نحو العمل السري الأمر الذي يولد انقسامات عمودية في الشعب الفلسطيني تؤدي إلى صدمات أهلية مستقبلاً. ناهيك عن أن هذه الشروط تخالف أحكام المادة 9 والمادة 26 من القانون الأساسي المعدل من جهة، والتزامات دولة فلسطين الموقعة على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية من جهة ثانية. 
في ظني أن الاختصار على تم التوافق عليه في أحدث اتفاق بين الفصائل الفلسطينية الذي جرى في بكين عام 2024 قد يكون نافعاً أو أكثر قدرة عن الدفاع عنه في الأوساط الداخلية كونه شرطاً غير اقصائي ومتفق عليه من قبل جميع الفصائل الفلسطينية دون استثناء.
 
(9) الشروط المالية إعاقة للترشح
يضع قانون الانتخابات العامة رقم 1 لسنة 2007 شروطاً مالية متناقضة؛ ففي المادة 39 منه تفرض مبلغ تأمين يقدر بثلاثة آلاف دولار لمن سيترشح للرئاسية، في المقابل تفرض المادة 49 مبلغ تأمين عشرة آلاف دولار على القوائم لمرشحة، فيما النظام الانتخابي للمجلس الوطني يفرض في المادة 25 منه مبلغ ستة آلاف دولار. ناهيك عن كونه عبء مالياً فإنه يمثل تمييزاً بين أفراد الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج من جهة، وعدم تقدير أهمية الصلاحيات التي يتمتع بها الرئيس في حال فوزه.
 
(10)  تمييز الفصائل على القوائم معيق لتوسيع المشاركة
يظهر قانون الانتخابات العامة والنظام الانتخابي للمجلس الوطني تمييزاً بين القوائم الانتخابية المستقلة والأطر السياسية بوضع شرط حصول القوائم المستقلة على توقيعات 3000 ناخب مسجل في السجل الانتخابي، خاصة أن كثيراً من الفصائل الفلسطينية قد فشلت في الحصول على مقاعد في المجلس التشريعي في العام 2006 وكذلك في العام 1996 الأمر الذي لا يمنحها "حق التمييز" الذي يعمل به في بعض الدول للحصول على دعم مالي حكومي في حملاتها الانتخابية. هذا الشرط وضع في النظم التي ترغب في إعاقة انخراط المواطنين بالحياة العامة، وهي في مجملها انقرضت وتلاشت، وهو يتنافى مع حقوق المشاركة السياسية المصانة في القانون الأساسي الفلسطيني.
 
(11)   الشرط المسبق لتحديد مبالغ الصرف ومصادرها على الحملة الانتخابية
وضع قانون الانتخابات العامة من ضمن شروط طلب ترشح القوائم الانتخابية في المادة 50 منه وجوب تحديد "مبالغ الصرف على الحملة الانتخابية ومصدرها" كرقابة سابقة على صحة الترشح، وفي الوقت ذاته تحدد المادتين 68 و69 مصادر وحدود الإنفاق على الحملة الانتخابية في إطار الرقابة اللاحقة على عملية الإنفاق والحصول على تمويل للقوائم الانتخابية. إن الإعاقة الفنية مسبقاً تمنع من توسيع المشاركة في العملية الانتخابية خاصة أن هناك تعطشاً للمشاركة في الانتخابات بعد غياب طويل للعملية الانتخابية، بالإضافة إلى أنه تمييزاً لصالح الفصائل التقليدية التي تحصل أغلبها على أموال من الخزينة العامة كحصص مالية شهرية مقارنة بالقوائم المستقلة التي هي بالأساس تجمع لأشخاص متفرقين يرغبون في التجمع بهدف المشاركة في العملية الانتخابية أو المساهمة في صنع السياسات العامة، ويفتقرون على الأغلب لمصادر تمويل إلا أولئك الذين لديهم ثروة خاصة مما يساعدهم على حساب القطاعات الاجتماعية أو أغلبية المواطنين؛ وكأن المشرع الفلسطيني يفضل الأغنياء على حساب الآخرين من أبناء الشعب الفلسطيني. 
 
في ظني أن هذه الملاحظات، وغيرها، جديرة بالاهتمام والتنبه والنظر والتحقيق والتدقيق من قبل المشرع الفلسطيني؛ خاصة أنه قد فتح باب التعديل على قانون الانتخابات، وتوفر الرغبة في إجراء الانتخابات العامة "التشريعية والرئاسية"، والحاجة إلى توسيع المشاركة في الحياة العامة وإدارة الشأن العام، وتقوية وتصليب النظام السياسي الفلسطيني للتحول نحو تجسيد الدولة الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.