حرب بلا عقل.. من يربح فعلا ومن يدفع الثمن؟
في خضم التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط يبدو المشهد للوهلة الأولى معقدا ومليئا بالتبريرات السياسية والعسكرية لكن عند تفكيك الصورة تتضح معادلة أبسط بكثير: هناك من يستفيد وهناك من يدفع الثمن والفارق بين الطرفين هائل.
على رأس المستفيدين يقف نتنياهو وترامب حيث تتحول الحرب بالنسبة لهما إلى أداة سياسية بامتياز فالتصعيد يمنح هذه القيادات فرصة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي والهروب من الأزمات وملفات الفساد ولجان التحقيق وتعزيز الخطاب الأمني الذي يضمن استمرار الدعم الشعبي أو السياسي لهم وفي هذا السياق لا تبدو القرارات الكبرى دائما نابعة من رؤية استراتيجية طويلة المدى بقدر ما تعكس حسابات بقاء ونفوذ.
ولا يقتصر الأمر على السياسة فقط بل يمتد إلى شبكة أوسع من المستفيدين تشمل دوائر اقتصادية مرتبطة بصناعة السلاح والاستثمار في الأزمات من عائلة ترامب إلى أعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي الذين يقودون شركات ويتحكمون بالأسواق العالمية فالحروب تاريخيا تفتح أبوابا هائلة للأرباح سواء عبر صفقات التسليح أو إعادة الإعمار أو المضاربات في أسواق الطاقة والذهب وغيرها وهنا تتحول المعاناة الإنسانية إلى أرقام في ميزانيات وتصبح الفوضى بيئة خصبة لمصالح ضيقة.
وفي سياق التصريحات السياسية المتسارعة للرئيس ترامب ونتنياهو تتكرر مواقف تخدم المستفيدين ولا تخدم أمريكا وإسرائيل تُعلن سيطرة كاملة على مجريات الأحداث وتقدّم صورة حاسمة للنتائج الميدانية من قبيل تأكيدات حول إغلاق أو فتح مضيق هرمز أو تحقيق إنجازات عسكرية كبرى أو تحييد خصوم من الصف الأول غير أن المعطيات الميدانية وما يحدث من تطورات على الأرض كثيرا ما تعكس صورة مختلفة حيث تظهر مؤشرات على استمرار الحرب بطريقة أشد وتبادل الضربات بدلا من الحسم الذي تُصوّره تلك التصريحات وفي المقابل يكرر ترامب ادعاءات بالتأكيد على وجود مسارات تفاوضية أو تفاهمات قيد التشكل بينما تشير الوقائع إلى غياب نتائج ملموسة على الأرض ما يعزز حالة التباين بين الخطاب السياسي والواقع الفعلي كما أن الاغتيالات التي تطال القيادات في الطرف الإيراني وحزب الله والتي يتفاخر بها نتنياهو و ترامب لا تنتهي بإنهاء قوة المواجهة أو إضعاف الأداء بل تُفضي إلى بروز قيادات أكثر تشددا وقوة وأقل قابلية للتفاهم في ظل تغييب شخصيات تمتلك خبرة في إدارة التفاوض والصراع وصياغة التسويات المتوازنة وهذا بدوره يساهم في تعقيد المشهد وإطالة أمد الحرب بدلا من إنهائها.
في المقابل يقف الخاسرون على الطرف الآخر من المعادلة وهم الأغلبية الساحقة شعوب بأكملها تجد نفسها في قلب صراعات لا تملك قرارها من المدنيين في مناطق النزاع إلى المجتمعات التي تتأثر بشكل غير مباشر.
في إسرائيل نفسها يدفع السكان ثمنا متصاعدا سواء من خلال الموت بالصواريخ أو الرصاص أو الإقامة في الملاجئ أو الهجرة إلى أوطانهم الأصلية أو الضغط الاقتصادي ورحيل الشركات أو استنزاف الموارد البشرية أو القلق المستمر الذي يرافق الحياة اليومية في ظل حروب مستمرة أما في إيران ولبنان فالمشهد أكثر قسوة حيث يتحمل المدنيون الأبرياء عبء التصعيد من خلال قصف أمريكي إسرائيلي للمدارس والمشافي وقتل الأطفال والأبرياء بلا رحمة أو رادع إنساني أو قانوني إضافة إلى التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار ونقص مصادر الطاقة والغذاء والماء بل اختفائها أحيانا إلى جانب المخاطر الأمنية المباشرة.
وتتسع دائرة الخسارة لتشمل العالم بأسره فالحروب لا تبقى محصورة جغرافيا بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بعد إغلاق مضيق هرمز وقصف مصادر الطاقة وآبار النفط في إيران والخليج وإسرائيل وعبر اضطراب والتلاعب في أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار ما يؤدي إلى زيادة التضخم وتراجع القدرة الشرائية لملايين البشر في العالم كما تتفاقم الأزمات الإنسانية مع ارتفاع معدلات النزوح والتهجير والفقر لتخلق واقعا هشا يمتد أثره لأجيال وقد يؤدي ذلك إلى حرب إقليمية أو دولية أو حتى نووية تدمر العالم.
وفي هذا السياق تُعد دول الخليج من أكبر الخاسرين إذ تحولت أراضيها إلى ساحات مفتوحة للحرب والصراع في ظل الوجود العسكري الأمريكي والقواعد التي تجعلها في قلب المواجهة وهذا الواقع يضع سيادتها تحت ضغط مستمر ويجعل منشآتها النفطية هدفا مباشرا في أي تصعيد ما يهدد استقرارها الاقتصادي والسياسي بشكل جذري وقد يعيدها إلى مراحل من عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني تفقد معها مكتسبات عقود طويلة من التنمية والاستقرار السياسي.
ولا يمكن إغفال البعد البيئي حيث يؤدي تدمير البنية التحتية واستهداف منشآت الطاقة إلى أضرار طويلة الأمد تؤثر على صحة الإنسان وعلى التوازن البيئي في المنطقة والعالم.
في نهاية المطاف تتضح الصورة دون تعقيد:
المستفيدون قلة محدودة بينما الخاسرون هم الأغلبية الساحقة من الشعوب إلى الدول إلى الاقتصاد العالمي وصولا إلى البيئة فالحروب مهما بدت مربحة لفئات ضيقة تترك أثرا ممتدا لا يمكن احتواؤه بسهولة وتعيد تشكيل العالم نحو مزيد من عدم الاستقرار في إطار حسابات ضيقة لبعض الأطراف بدلا من أن تقوده نحو الحلول.
وفي النهاية يبقى السؤال الحقيقي:
إذا كان الجميع يخسر… فلماذا تستمر الحرب؟






