مخيم قلنديا… جمهورية الكرامة التي لا تُهزم
في مخيم قلنديا…
لا تدخل المدرعات لتصنع “حدثًا”،
بل تدخل لتُذكِّر العالم أن هناك مكانًا صغيرًا…
أكبر من كل رواياتهم.
هنا، لا يعيش الناس على هامش الوطن
بل يعيش الوطن كله في صدورهم.
هنا، لا تُقاس الأزقة بضيقها…
بل بقدرتها على إنجاب الكرامة مرةً بعد مرة.
ما جرى بالأمس لم يكن “مواجهة”…
ولا حتى “اشتباكًا”…
بل كان امتحانًا يوميًا للكرامة…
وهذا المخيم… ينجح فيه دائمًا.
ارتقى شهيدان…
ولأننا نعرف المخيم جيدا فنعرف أن الشهادة هنا لا تُصنع…
بل تُفرض حين يصبح الصمت خيانة للكرامة.
هؤلاء لم يخرجوا ليبحثوا عن بطولة
فالـبطولة في قلنديا حالة طبيعية
بل خرجوا لأن البيت ناداهم…
والأم نادتهم…
والكرامة قالت لهم: الآن.
أنا لا أكتب من بعيد…
ولا أستعير هذا الوجع من روايةٍ أو خبر…
أنا أكتب من ذاكرةٍ تعرف هذه الأزقة حجرًا حجر
ومن طفولةٍ كبرت بين جدران هذا المخيم
ومن روحٍ تعلّمت هنا… أن الكرامة لا تُدرَّس بل تُعاش.
أنا واحدٌ من أكبر عائلة في هذا العالم…
عائلة اللاجئين
العائلة التي لا تملك إلا أن تبقى واقفة
لأن السقوط ليس خيارًا… بل غياب.
إلى مخيم قلنديا…
فأنت لست مخيمًا
أنت فكرة لا تموت
أنت مدرسة في الكرامة
وأكاديمية مفتوحة لتدريس معنى “الدفاع” حين يصبح هو الشكل الوحيد للحياة.
فيك…
الأم تودّع ابنها وكأنها تحفظه في قلبها لا في الأرض
والطفل يكبر أسرع من عمره لأنه تعلّم مبكرًا أن الكرامة لا تنتظر.
أنت لا تحتاج إلى من يمدحك…
فأنت تكتب مجدك كل يوم
لكننا نقولها للتاريخ:
هنا… تُكتب فلسطين كما يجب أن تُكتب.
لكن…
وسط هذا المجد هناك من يحاول سرقة المشهد:
احموا أم الشهيد…
من أولئك الذين يحضرون بالجمل المصقولة والكاميرات اللامعة
من “ليلى الكذّابة” وكل من يشبهها
ممن يرون في جنازات الأبطال مهرجانًا
وفي دموع الأمهات “لقطة حصرية”،
وفي الحزن وقودًا لصعودٍ بارد… لا علاقة له بالوطن.
قولوا لهم بوضوح:
هذا وجعنا… وليس مسرحكم.
أم الشهيد… ليست زاوية تصوير
هي مرآة هذا الشعب…
ومن لا يرى فيها إلا نفسه… فهو لا يرى شيئًا.
أما حكومة “الياناصيب”…
فدعونا نكون أكثر وضوحًا:
في المخيم…
الناس تدافع بصدورها.
وفي مكاتبكم…
تُدار الحياة من خلف زجاجٍ مصفّح.
في المخيم…
الرصاصة احتمال يومي.
وفي مواكبكم…
الخطر مجرد خبر في نشرة.
أي معادلة هذه؟
إذا كانت الكرامة تُحمى…
فالمخيم أولى.
وإذا كانت هناك سيارات مصفحة
فلتكن في أزقة قلنديا قبل أن تكون في مواكبكم.
وإن لم تفعلوا…
فلا تتحدثوا عن المسؤولية
لأن من يدافع كل يوم… لا يحتاج دروسًا من من يراقب من بعيد.
مخيم قلنديا لا يُهزم
لأنه لا يقاتل ليَنتصر…
بل يقاتل ليبقى كريمًا وسينتصر .
وهذا الفرق…
هو كل الحكاية.
الرحمة للشهداء…
والسكينة لأمهاتهم…
والعار لكل من حاول ويحاول أن يسرق هذا الدم لصالح صورة… أو منصب… أو وهم.
أما أنت يا قلنديا…
فابقَ كما أنت:
أكبر من الاقتحام…
وأعلى من الكاميرا…
وأصدق من كل الشعارات.






