التهجير والصمود فيزيائيا
تظهر تقارير مؤسسات حقوق الانسان المحلية والإسرائيلية والدولية، بالإضافة إلى مؤسسات السلطة الفلسطينية، إلى ازدياد وتيرة تهجير التجمعات البدوية والمواطنين الفلسطينيين من مناطق "ج" خاصة من المنطقة الشرقية للضفة الغربية بما فيها الأغوار. يشير تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها السنوي للعام 2025 إلى تهجير 13 تجمعاً بدوياً فلسطينياً، تضم 197 عائلة بواقع 1090 فرداً، في خطوة تعكس سياسة اقتلاع قسري ممنهجة تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستعماري. فيما ارتفعت بداية العام 2026 وتيرة التهجير للتجمعات السكانية عبر تكثيف اعتداءات المستوطنين، وتضييق الخناق على هذه التجمعات عبر الممارسات التعسفية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وإجراءات الحكومة الإسرائيلية القائمة على سلب الأراضي وحرمان الفلسطينيين منها.
تجاوزت الحكومة الإسرائيلية مسألة منع خيار حل الدولتين القائم على حدود الرابع من حزيران عام 1967 على المستوى الفعلي عبر الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة بالاستيطان من جهة، والحواجز والبوابات لمنع تنقل الفلسطينيين والحد منه من جهة ثانية. بالإضافة إلى مساندة أمريكية واضحة سواء عبر تصريحات الرئيس الأمريكي بكون مساحة إسرائيل الصغيرة في منطقة الشرق الأوسط الكبيرة وما جاء في صفقة القرن، أو تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي التي تتجاوز أرض فلسطين إلى الحق التوراتي بإسرائيل الكبرى " من الفرات إلى النيل".
التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي هاكابي تنسجم مع فكر حزب الليكود الحاكم فيما يتعلق بالأحلام بعدية المدى، وهو ما لم يكن يتوقعها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان ينتظر وعدا أمريكاً، على غرار وعد بلفور، يمنحه السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة لإقامة دولة إسرائيل من البحر إلى النهر كخطوة ثانية في مسار دولة إسرائيل الكبرى.
إن القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية من القاعدة إلى القمة عبر إجراءات فرض الأمر الواقع جغرافيا لا تفي بالغرض الاستعماري دون تهجير الفلسطينيين أو أغلبهم بحيث يكونوا أقلية ضعيفة سياسيا وذائبة ثقافياً على غرار الشعوب الأصلية في الولايات المتحدة وأستراليا. هذا التهجير يمر عبر مرحلتين رئيسيتين؛ الأولى تتم فعليا بنقل القسري للسكان من مناطق "ج" ذات المساحة الواسعة والضعف السكاني إلى مناطق "ب" التي يسيطر عليها الإسرائيليون أمنياً ويتم تحويل الولاية فيها، والثانية بحشر الفلسطينيين في مناطق "أ" الضيقة جغرافيا والجزر المنعزلة خدماتياً وذات الكثافة سكانياً، والضعيفة اقتصادياً لدفع الفلسطينيين للهجرة خارج البلاد.
هذه السياسة "التهجير" تعتمد بالأساس على عامل الزمن والقدرة على تكرس أمر واقع غير قابل للتراجع؛ أي بمنطق الفيزياء "الزمن والحركة" لفهم التفاعل بين القوى المختلفة التي تعمل على الجسم. بحيث يسمح حساب السرعة اكتشاف الأنماط والتنبؤ بالنتائج وحلول التصميم. فيما الصمود يتعلق بالسكون والثبات والقدرة على تحمل الأعباء؛ أي بمنطق الفيزياء تحليل الأحمال في الأنظمة الفيزيائية في حالة التوازن السكوني، وهي الحالة التي يكون فيها النظام إما ساكنا أو يكون مركز ثقله متحركا بسرعة ثابتة.
وإن كانت القراءة السياسية ليست ميكانيكية للفعل الإسرائيلي "التهجير" والفعل الفلسطيني "الصمود" بل تتعلق أيضا بعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متعددة، بالإضافة إلى الشعور الوطني وردة فعل المحيط الدولي، لفهم الفعل "التهجير" ورد الفعل "الصمود". لكن السكون والثبات في الحالة الفلسطينية غير مبشرين لمقاومة الزمن والحركة لدى الإسرائيليين بعد فقدان الكثير من العوامل القوة الذاتية للنهوض.
خديعة “التهدئة” وحقيقة “الضم”: هل تُصفى الضفة خلف أدخنة الصراع الإقليمي؟
الحديث عن انهيار السلطة الفلسطينية وتصريحات عزام الأحمد
تحت وطأة القرار: قراءة مسيحية في مستقبل الضفة الغربية
من أسلحة الدعار الشامل الى صواريخ بساط الريح
خطة ترامب وغياب البدائل ومستقبل قطاع غزة
هل القوى الامنية كفيل الجاهزية الوطنية الفلسطينية ؟!
نخب وأوطان







