سبقت الشرارة الخطة: كيف صنعت سخنين اللحظة والسؤال المفتوح "ماذا غدًا؟"
لم تكن سخنين مجرّد مدينة غضبت، بل لحظة سياسية كشفت أنّ المشكلة ليست في جهوزية الناس للمشاركة في الاحتجاجات، بل في بنية القيادة نفسها. ما جرى في سخنين لم يكن حدثًا عابرًا، ولا انفجارًا عاطفيًا يمكن احتواؤه ببيان، أو تظاهرة واحدة. كان لحظة سياسية كاشفة، ليس فقط عن حجم الغضب الشعبي، بل عن حدود أدواتنا التنظيمية، وعن فجوة خطيرة بين سرعة الناس، وبطء بنيتنا القيادية.
الشرارة الأولى انطلقت فعلًا بشكل عفوي. شخص محترم، أبو إبراهيم، يشبه كل الناس في سخنين، وفي مجتمعنا العربي، أغلق محله ورفض دفع "الخاوة". لم يكن في الأمر بيان سياسي، ولا دعوة حزبية، ولا قرار صادر عن هيئة قيادية منظَّمة، بل فعل فردي مباشر، فيه إصرار وتحدٍّ مسّ تجربة يومية يعيشها آلاف الناس، الذين لا يطلبون سوى حياة آمنة وكريمة. لم يكن أبو إبراهيم استثناءً، بل نموذجًا مكثّفًا لإنسان يريد فقط أن يعيش بأمان في مدينته، ولكن تميَّز بقدرته على التقدم خطوة باتجاه غير متوقع؛ الرفض بدل الإذعان للإجرام.
تحوّل الخبر خلال ساعات إلى تعبير جماعي، وتأييد في مواجهة الإجرام المنظَّم، عبّر عن غضبٍ مكبوتٍ منذ سنوات بسبب تواطؤ الشرطة، وعجز الدولة عن حماية الناس. الناس لم تتحرك لأنّ أحدًا دعاها، بل لأنّها كانت، أصلًا، على حافة الانفجار.
لكنّ هذه الحقيقة تقودنا إلى سؤال أعمق: لماذا تحوّلت هذه الشرارة، تحديدًا، إلى حدث قُطري، في حين أنّ عشرات الشرارات المشابهة، في قرى ومدن عربية أخرى، انتهت بصمت؟ الإجابة لا تتعلّق فقط بالفعل الفردي نفسه، بل بالبيئة التي سقط فيها هذا الفعل، وبالقدرة التنظيمية المحلية على التقاطه، وتحويله إلى مسار جماعي.
ليس صدفة أن تنطلق هذه اللحظة من سخنين؛ المدينة تمتلك ذاكرة نضالية، وبُنية تنظيمية، وخبرة ميدانية جعلتها، تاريخيًّا، من أكثر المواقع قابلية لتحويل الغضب إلى فعل جماعي منظّم. هي إحدى المدن التي انطلقت منها شرارة يوم الأرض عام 1976، ومنذ ذلك الحين اعتادت استقبال التظاهرات القُطرية الكبرى، وتنظيمها. هذا التاريخ ليس رمزًا فقط، بل يجسد قدرة تنظيمية حية وفعالة، تضمّ لجنة شعبية ذات خبرة، وأطرًا حزبية محلية قوية، ولجان أولياء أمور، وقيادات شعبية واجتماعية فعالة، وسلطة محلية تعرف كيف تتحرك في لحظات الاحتقان، وشبكة ناشطين قادرة على تحويل الغضب إلى فعل منظّم خلال ساعات، وباختصار: وقعت الشرارة في تربة مشبعة بالخبرة النضالية، والعمل السياسي.
أعتقد أنّ انطلاق هذه الشرارة في مكان آخر، وفي بيئة محلية مختلفة، في أي قرية عربية، كان يمكن ألّا ينتج عنه شيء يُذكر؛ فالشرارة وحدها لا تصنع حدثًا، كما أنّ الغضب وحده لا يصنع مسارًا. ما صنع لحظة سخنين، فعليًّا، هو اجتماع الفعل الفردي الصادق مع بيئة حاضنة شعبية وتنظيمية جاهزة لالتقاطه، وتحويله إلى فعل جماعي. هذا التلاقي بين الإقدام الفردي، والبنية المحلية هو السبب المركزي الذي حوّل حادثة محلية إلى لحظة سياسية قُطرية.
الانتقال من المحلي إلى القُطري لم يكن صدفة أيضًا، ولا فعلًا عفويًّا. هنا ظهر الدور المؤثّر لشبكة اللجان الشعبية في لجنة المتابعة، إذ تواصلت فيما بينها مباشرة. نسّقت سكرتارية اللجان الشعبية في لجنة المتابعة الدعوات، وتحوّلت الوقفات من ردود فعل محلية، إلى فعل جماعي منظّم على مستوى البلاد. والدليل الأوضح على ذلك أنّ الوقفات خرجت، كلها تقريبًا، تحت الشعار نفسه: "سخنين لست وحدك".
وخلال يوم واحد فقط، أعلنت أكثر من خمس وثلاثين بلدة انضمامها للإضراب، أو تنظيمها وقفات احتجاجية على مداخل القرى، وهو ما عجّل باتخاذ قرار لجنة المتابعة بالإضراب العام، من خيمة الاحتجاج في سخنين مساء الأربعاء، ليصبح الإضراب المحلي إضرابًا عامًّا.
كان التجاوب واسعًا في معظم القرى والمدن العربية، مع استثناء بلدة واحدة هي كفر قاسم، حيث لم تتجاوب اللجنة الشعبية هناك، ولا المجلس المحلي مع طلب الإضراب، وهو تفصيل لم يُنقص من الصورة العامة للالتزام بالإضراب، لكنّه بحاجة إلى مراجعة ومُساءلة.
يُظهر هذا التسلسل في تطور الاحتجاج أنّ ما جرى لم يكن بلا قيادة. صحيح أنّ الشرارة لم تصدر عن هيئة قيادية قُطرية، لكنّ التنظيم لم يكن عشوائيًّا. كان هناك نوع واضح من القيادة للحدث، تتمثّل أساسًا في اللجان الشعبية، التي تُقاد، أصلًا، في الغالب من كوادر الأحزاب الفاعلة في الحقل المحلي. أي أنّ القيادة كانت موجودة في الميدان، لا في المستوى القُطري.
الشرارة سبقت الخطة، وهذه هي النقطة المركزية. فعل أبي إبراهيم لم يكن بحاجة إلى مقارنة تقلّل من قيمته، أو تضعه في ثنائية مصطنعة مع القيادة. على العكس، ما جرى يثبت أنّ الفعل الفردي الصادق يمكن أن يفتح لحظة سياسية كبرى، إذا وجد بنية تنظيمية محلية جاهزة تلتقطه، وتحوّله إلى مسار جماعي.
من المهم التأكيد أنّ القيادة في مجتمعنا ليست محصورة في رؤساء الأحزاب، ولا أعضاء الكنيست. شعبنا مليء بالقيادات المحلية في اللجان الشعبية، ولجان أولياء الأمور، والسلطات المحلية، والشبكات الاجتماعية، ورجال الإصلاح، ومؤسسات المجتمع المدني، وغيرها.
هذه القيادات هي التي فرضت الإضراب، وصاغت الشعارات، واستخرجت التراخيص، ونسّقت المسار اللوجستي والأمني، وفتحت قنوات الاتصال بين البلدات. وهذا يقودني إلى أنّ الاستثمار الحقيقي المطلوب ليس فقط في الهياكل القُطرية، بل في تعزيز اللجان الشعبية، والقيادات الحزبية الميدانية، وتمكينها تنظيميًّا، وسياسيًّا؛ لتأخذ مكانها الطبيعي بين الناس كرافعة نضالية دائمة، لا كأداة طوارئ فقط.
مع هذا، فإنّ نجاح المستوى المحلي، والميداني في التقاط اللحظة لا يُخفي المفارقة الأساسية، فكلّما كان الأداء المحلي أكثر نجاعة، ظهر ضعف الأطر القُطرية، فما نجح فيه الميدان خلال ساعات، عجزت البنية القُطرية عن ترجمته إلى مسار إستراتيجي واضح خلال أيام.
ما كان غائبًا، فعليًّا، بعد هذا الحراك، هو خطة جاهزة على المستوى القُطري. الشرارة سبقت الخطة فعلًا، ولم يكن لدى أي إطار قُطري سيناريو مُعدٌّ سلفًا للتعامل مع انفجار شعبي بهذا الحجم، وحين خرجت الأمور إلى الفضاء القُطري، وجدنا أنفسنا نرتجل علنًا، بدل أن نتحرك وفق مسار تصعيديّ مُعدّ مسبقًا.
كنت حاضرًا في اجتماع لجنة المتابعة، الذي شارك به عشرات الشباب في مبنى بلدية سخنين بعد التظاهرة. كان الاجتماع مفتوحًا، والناس دخلت متعبة، وخائفة، ومشحونة بإحساس بأنّ الزمن ينفد. لم يكن هذا اجتماعًا تنظيميًّا عاديًّا، بل تفريغًا جماعيًّا لغضب، وخوف مكبوتين منذ سنوات.
تحدثت القيادات عن تطوير الاحتجاج بخطوات إستراتيجية طويلة النفَس، لكنّ المزاج العام كان مختصرًا في سؤال واحد تكرّر بصيغ مختلفة: "ماذا نفعل غدًا؟".
تجسّدت في الاجتماع فجوة الزمن بوضوح أمام الجميع؛ تكلمت القيادات بلغة المراحل والتخطيط، وتكلم الناس بلغة الرصاص، والجنازات، والخوف على الأبناء. ما ظهر لم يكن فجوة ثقة فقط، بل غياب خطة تصعيدية جاهزة لهذه اللحظة بالذات. كان واضحًا أنّ القيادات نفسها اضطرت إلى الارتجال تحت ضغط اللحظة، بدل التحرك وفق سيناريو مُعدّ مسبقًا.
صيحات الغضب التي انطلقت نحو: “نحن لا نثق بكم”، و“كلكم أصحاب مصالح” لم تكن إهانة، بل تعبيرًا فجًّا عن أزمة ثقة عميقة بين جيل يشعر بأنّه مستهدف وجوديًّا، و بنية قيادية لا تملك أدوات بحجم الخطر، ولم تبدع في بناء أدوات جديدة.
ثمّ جاء التحوّل المفاجئ في نهاية الاجتماع، إذ انقلب اتجاه النقاش إلى مطلب جامع خرج من القاعة نفسها، هو: إعادة بناء الوحدة السياسية؛ عبر إقامة قائمة عربية مشتركة. وفي اعتقادي الشخصي، ما جرى لم يكن محض مطلب انتخابي تقني، ولا مناورة سياسية ظرفية، بل كان تعبيرًا نفسيًّا–سياسيًّا عن شعور جماعي بالخطر الوجودي.
هؤلاء الشباب لا يطالبون بالمشتركة لأنّهم أصبحوا، فجأةً، حالمين بوحدة رومانسية، ولا لأنّهم حسبوا نسبة الحسم، وعدد المقاعد إلخ...، بل لأنّهم يشعرون بأنّ المجرمين، والدولة، كلًّا بطريقته، يستهدفون وحدة مجتمعهم، ووجودهم. الجريمة تفكك [المجتمع] من تحت، والدولة تفككه من فوق؛ عبر الإهمال، والتواطؤ، والعنصرية المؤسسية.
في هذا السياق، لم تعد “المشتركة” في وعيهم برنامجًا سياسيًّا، بل رمزًا دفاعيًّا عن البقاء الجماعي. ولهذا، حين وُقّعت ورقة الالتزام تحت ضغط الجمهور، وتعالت صيحات "إنجاز"، و"الله أكبر"؛ لم يكن الاحتفال سببه الورقة نفسها، بل الإحساس، أخيرًا، بأنّ هناك ردًّا سياسيًّا بحجم الخطر، ولو كان رمزيًّا.
الشباب أنفسهم، الذين كانوا قبل دقائق يهاجمون القيادات بغضب، صفقوا لهم بعد إعلان الالتزام، ليس لأنّهم وثقوا بهم فجأة، بل لأنّهم كانوا بحاجة نفسيّة إلى لحظة وحدة تعيد إليهم شعور السيطرة على المصير.
غير أنّ السؤال الصعب بقي معلّقًا: هل حلّ هذا التحوّل مشكلة سؤال "ماذا نفعل غدًا"؟ أم أنّه نفّس عن الغضب بدل أن يحوّله إلى مسار تصعيدي فعلي؟
تشير الوقائع إلى الاحتمال الثاني، رغم استمرار الوقفات يومَي الجمعة والسبت، فإنّ الزخم القُطري لم يتحوّل إلى موجة متصاعدة. في المقابل، مدّدت سخنين وحدها الإضراب إلى خمسة أيام، وهذا الفارق، بالذات، بيّن قدرة سخنين على مواصلة التصعيد وحدها، وعجز الأطر القُطرية عن تحويل الزخم إلى مسار موحد، أو اقتراح برنامج عمل سريع. ويُعدّ هذا دليلًا إضافيًّا على أنّ المشكلة لم تكن في غياب الغضب، أو في ضعف الاستعداد الشعبي، بل في غياب القدرة على التقاط اللحظة، وتعميمها قبل أن تبدأ بالتآكل.
الدرس الحقيقي من لحظة سخنين ليس أخلاقيًّا، بل تنظيميٌّ بالأساس، وببنية لا تتيح تطوير أدوات العمل، إذ إنّ جُلّ اهتمامها في بقائها مكونًّا جامعًا، ولهذا هي تنسّق، وتتّخذ مواقف وسطًا بين الجميع في الغالب. نحن بحاجة إلى تغيير بنية لجنة المتابعة، وبناء دستورها، وإدخال مكوّنات شعبية جديدة، وإيجاد مفتاح حقيقي للتمثيل الشعبي داخلها، وتحويلها من هيئة تنسيقية إلى هيئة تشبه الحكومة، أو لجنة تنفيذية تعتمد على أغلبية في المجلس العام، فيها ائتلاف وفيها معارضة. لجنة تنفيذية لديها طاقم تخطيط دائم، وبرنامج تصعيد جاهز للطوارئ، وأدوات تنفيذ ميداني، ومسار ضغط مؤسسي وإعلامي متكامل، وفي الوقت نفسه، لديها مجلس عام يشمل ائتلافًا ومعارضة يحاسبها على تقصيرها.
البنية الحالية للجنة المتابعة، بالإضافة إلى كونها تشاورية، خالية من المحاسبة الذاتية. نعم، تحتوي المتابعة أطيافًا، وأحزابًا مختلفة سياسيًّا، وشعبيًّا، واعتمادُ الإجماع والتنسيق، كأداة للعمل، سينتج دائما قرارات وسطية، لا تلائم نبض الشارع، ولا تطرف الأحداث التي تعصف به، وهذا سيضعفها، ويضرّ بشرعيتها في وقت أصبحت حياة الناس ووجودهم على المحك، بين فاشية آخذة بالاتساع، وإجرام منفلت.
بدون هذا التحول البنيوي سنبقى نكرر نفس السيناريو: شرارة عظيمة، وتظاهرة ضخمة، وغضب صادق، ثمّ فراغ تنظيمي بعد الذروة. سؤال الناس في سخنين لم يكن سؤالًا تقنيًا: "ماذا نفعل غدًا؟"، بل كان اتّهامًا، واعتراضًا سياسيًّا مبطنًا لبنيتنا التنظيمية كلها؛ إمّا أن نأخذه على محمل الجد الآن، ونطوّر أدواتنا إستراتيجيًّا، ونحوّل لجنة المتابعة من هيئة تنسيق، إلى هيئة تنفيذ لا تعتمد الإجماع بل الأغلبية، مع سلطات لرئيس الهيئة، وإمّا أن ننتظر الشرارة القادمة، ونكرر الخطأ نفسه مرة أخرى.
حديث الرئيس السيسي مجددا عن تهجير الفلسطينيين يثير القلق
معبر رفح: تفاهمات أميركية كاذبة وشروط إسرائيلية لإدامة الحصار وتجويع غزة
"مجلس السلام" الأميركي… إسرائيل لم تخرج من غزة بل تغيّر دورها
الأزمة في علاج الأزمة
من نانجين إلى فلسطين: صمت العالم أمام الجرائم الإنسانية المتكررة
الحرب القادمة على إيران
نتنياهووغرينلاد وتابعه ترامب





