الأربعاء 21 إبريل 2021 - الساعة: 08:48
آخر الأخبار
الكويت.. مدير أمن توجه لفحص حادث سير ففوجئ بوفاة والدته SadaNews ألفا ضابط إسرائيلي متقاعد لواشنطن: لا تعودوا للاتفاق الإيراني SadaNews لماذا تستيقظ وأنت تشعر بالألم في منتصف الليل؟ SadaNews تجنب شراء الأطعمة التي تحمل هذه العبارات على الملصق SadaNews رسائل واتساب وتسريبات جديدة تكشف المستور في قضية الأمير حمزة! SadaNews الدولار يسجل أدنى سعر له منذ شهرين SadaNews "البحوث الفلكية المصرية": عيد الفطر في 13 أيار SadaNews الأردن: 64 وفاة و2699 إصابة جديدة بفيروس كورونا SadaNews بسبب الإضراب- إرباك في برامج تطعيم الأطفال.. هل باتوا في دائرة الخطر؟! SadaNews مستشار الرئيس: تأجيل الانتخابات وارد جداً SadaNews غزة: قرارات جديدة لمكافحة جائحة كورونا SadaNews سيناتور أمريكي يدعو لتقييد مساعدات بلاده لإسرائيل SadaNews إسرائيل: حزب الله يحاول تحدينا بطرق جديدة SadaNews الأردن: نسعى لتثبيت المقدسيين على أرضهم SadaNews موقع عبري: الجيش الإسرائيلي يستعد لإلغاء الانتخابات الفلسطينية SadaNews الطقس: أجواء لطيفة معتدلة اليوم وأيام حارة جدا قريبا SadaNews أسعار صرف العملات لهذا اليوم SadaNews إسرائيل "تعزز العلاقات" باتصال مع البحرين ولقاء مع الإمارات SadaNews الأعلى على الإطلاق.. ديون إسرائيل ترتفع إلى 302 مليار دولار SadaNews فلسطين.. ثلثا المنشآت الاقتصادية أغلقت مؤقتا جراء كورونا

حيرة الولد بهاء

حيرة الولد بهاء

كبر بهاء 11 سنة. عندما كان له من العمر ست سنوات، كنتُ في أيلول 2001 ضيفاً على بيت والده. عمر بهاء الآن 18 سنة.
***
عذبني بهاء بن مالك بن حنيحن، الحلحولي الصغير. وسنُ النوم في عينيه، وفي يده كباية الحليب، أخذنا، والده مالك: طبيب التشريح الشرعي، و»عمّو» (أنا) و»عمّو» خالد درويش صديق أبيه. أخذنا ابن السادسة من جلال المشهد بين آخر بيوت حلحول، وتلة بلدة بيت أمّر، ومن طقس قهوة الصباح أخذنا.
وسنُ الصباح يطير من عيني بهاء، ربما كما كانت تطير طيور الرخ الأسطورية، أو طيور الديناصور: تتدحرج بأقدامها على سفح. بيده كأس الحليب وعلى ظهره حقيبة تلميذ الصف الأول.. ولا يمنحنا ابن السادسة ابتسامة ملائكية لابن الرابعة. لماذا؟ هل نام على «كابوس» بعبع المجنزرة قدام البيت؟
مع سن دخول المدرسة، يبدأ سن تسقيط أسنان الحليب. عيون الأطفال صريحة.. وخجل ابتسامتهم فطري، كأن سقوط السن الأولى «كارثة» أو «فضيحة».
كارثة الطفل بهاء أن فك الحرف، على سبورة الصف الأول، ودفتر أول، وقلم أول، تهون أمام هذا «الطلسم»: لماذا الجنود اليهود - وبين بيت أبيه وبيت عمه المسافر «شبك» من نباتات الورود ثلاثة أمتار - يضحكون له.
في آخر الليل، قال لنا طبيب التشريح، الذي عرفناه طالب طب في فارنا، أن طفله البكر يعاني عوارض انفصام في الشخصية: في المدرسة صورة محمد الدرّة، وفي البيت يلقون عليه تحية الصباح.
ببساطة، جاء الجنود، قبل أن يكتمل أسبوع أول في صف بهاء الأول، واحتلوا بيت عمه، لأن موقعه «إستراتيجي» دون أن يأبهوا إلى أن هذه الجيرة ستجعل بهاء وأخته الأكبر منه بعامين، يعانيان خللاً طفولياً في لبناته «الإستراتيجية» الأولى: الجار-العدو، علم فلسطين في باحة المدرسة، وعلم إسرائيل على سارية طويلة يلقي بظلاله على حديقة من عشب أخضر وورود جميلة.. يذهب، كل يوم، إلى الحرية ويعود إلى نير الاحتلال؟!
بين آخر بيت في حلحول (منطقة «جيم») وتلة بلدة «بيت أمّر» واد عريض، تحتله كل صباح «غطيطة» بيضاء إلهية النقاء، ثم تصير رغوة حلاقة الصباح على وجه «أبو بهاء» مثلاً.
حلحول أعلى من الخليل؛ وبيت د. مالك هو الأعلى في حلحول. لهذا احتل الجنود البيت.
آخر الليل، حضّرت نفسي لـ «محاضرة» ألقيها على الطفل بهاء، شرط أن يمنحني، أولاً، ابتسامة أسنان الحليب:
اسمع يا ولد: عندما سقط سنّك رماه أبوك في الوادي. شوف الغيمة قدامك.. تحتها شجرة أسنان صغيرة. ضحك بهاء وبانت سنه الساقطة.
اسمع يا ولد: الناس ناس. الناس الصغار، مثلك في الصف، يتعاركون على قلم رصاص. الناس الكبار يتعاركون على احتلال بيت عمك. بيت زائد بيت تصير بلداً. بلد زائد بلد تصير بلاداً. فلسطين بلادنا ولّا بلاد اليهود..؟
جسر من الكلمات لا يصنع جسراً بين الواقع والخيال، مثل غمامة بيضاء بين تلة آخر بيت في حلحول، وأول بيوت بلدة «بيت أمّر». جسر من الكلمات لا يصنع جسراً بين صورة محمد الدرة في الصف، وصورة الجنود الجيران.
اسمع يا ولد: إذا قال لك أولاد المدرسة: إنك «ولد جبان» فلا تصدق. إذا عيّروك أن «أبوك عميل» لأنه يرد تحية الصباح من الجنود، عنك وعنه، بمثلها.. فلا تصدق.
آنذاك، فقط، طار أثر النوم من عيني الولد بهاء، وحلقت الحيرة بجناحين ثقيلين من على صفحة وجهه الملائكي.. وتبرع لنا بآخر قطرات الحليب في فنجان القهوة الثالث.
اسمع يا ولد: القهوة تختلط بالحليب، والناس يختلطون بالناس، لكن الحرية لا تختلط بالاحتلال.
***
عذبني بهاء بن مالك الحلحولي الصغير أكثر مما عذبتني الرحلة الشاقة من أبو ديس إلى حلحول. النقش على حجر أهون من جعل الاحتلال قصة من قصص الأطفال.
هؤلاء الجنود - الجيران يذكرون - مثل بهاء - يومهم الدراسي الأول، سنهم الأولى التي سقطت.. لكن موقعاً إستراتيجيا مؤقتاً وعابراً سيترك أثره الإستراتيجي على نفسية الطفل بهاء. هذه تجربة لم يمروا بها.
مع من يلعب بهاء الطابة في فناء الدار؟ مع أخيه الرضيع؟ مع أخته الأكبر التي تحب «نط الحبلة» وليس الركض وراء الكرة. الكرة التي طارت، مثل حجر، إلى فناء بيت العم الغائب حيث الجنود، فهرب الولد إلى المطبخ حيث أمه.
.. وقبل أن يعود الأب الطبيب ويستعيد الكرة، كانت قد عادت إلى فناء الدار. أعادها الجنود، مسببين للولد بهاء حيرة جديدة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.