رحيل الأعز من رفاق العمر
مقالات

رحيل الأعز من رفاق العمر

رحل ابن العم ورفيق الطفولة والمدرسة في القرية والثانوية في عمان والعمل في الكويت، الكاتب والصحافي سمير البرغوثي، حيث استقر في قطر التي احتضنته بعد الكويت.

عشنا الطفولة والفتوة معا في القرية، وكان أطولنا لذا كان حارس مرمى فريق المدرسة. وبعد عدوان حزيران انتقلنا في آخر الصيف إلى عمان خشية من عدم فتح المدارس بعد الاحتلال، وسكنا معا في غرفة في طلعة المصدار مع أخي الجامعي وابن عم آخر. كانت سنة دراسة للنجاح، هو يمم وجهه إلى الكويت ليعمل موظفا حيث ساعده زوج أخته الكويتي هناك، وأنا ذهبت إلى إيطاليا. وأرسل لي كرت معايدة من الكويت إلى إيطاليا عليه صورة فدائي سنة 69، وسبب لي الكرت مشكلة عند عودتي على الجسر بعد سنوات حيث عثر عليه مفتش الجمرك الإسرائيلي واحتجزوني لساعات للتحقيق عن الكرت. ولاحقا صار الكرت ورسم الفدائي عليه تهمة دائمة لي وسببا لتأخيري على الجسر، فلو وصلت أول المسافرين كان يتم تأخيري حتى إغلاق الجسر في الذهاب أو الإياب حتى سنة 96، فكان عذاب الجسر يخيفك عند العودة.

بعد سنين توجهت إلى الكويت حيث الكثير من الأقارب، وكان سمير أحدهم، وسكنا معا كعزاب مع آخرين في شقة لفترة، وحتى بعد زواجنا سكنا في البناية نفسها لفترة. كان يعمل مدققا ليليا في جريدة الوطن حديثة الصدور سنة 75، وبعد تعثر حصولي على فرصة عمل في الصحف الكويتية اكتفيت بالعمل في مكتب إعلان ومطبوعات نهارا. وناولته ذات يوم قصيدة لي لينشرها في الجريدة، فأعطاها لقسم التحرير ونشرت وأحدثت صدى كبيرا، ما جعل مدير التحرير يستدعيني ويعطيني الفرصة التي انتظرت طويلا.

كان الراحل بعد تخرجه من جامعة بيروت العربية بالانتساب في اللغة العربية يعمل مدققا ليليا، وبعد عملي في الجريدة نفسها تدرجت بسرعة في المناصب واستعنت به تحريريا، فكان مبدعا وانتقل إلى التحرير إضافة إلى عمله في إحدى الوزارات. وبعد غزو الكويت كان بوسعه العودة لكنه فضل الالتحاق بصحيفة الوطن القطرية حيث استقر هناك واشتهر ككاتب وصحفي ومؤلف.

أمضى سنواته الأخيرة يعاني من مرض رئوي والدم رغم تركه التدخين منذ فترة طويلة. وأمضى سنواته الأخيرة في أعمال الخير، وزار غزة بعد بدء الحرب مرتين في مهمات خيرية، واستقبل أطفال غزة وأبرزهم الطفل الذي روى كيف قام الاحتلال بقتل أفراد عائلته ووالدته الحامل أمام عينيه، وكان يأخذه إلى الحدائق ليلعب ويفتح لي الكاميرا لأرى الطفل الناجي من الإبادة.

وأشهد أنه أثناء حديثي معه قبل سنتين أو أقل أبلغته عن إبادة عشيرة كاملة في مبنى في غزة، فقال: وهل بقي أحد منهم؟ فقلت: سأَسأل حيث بقي خمسة منهم على قيد الحياة. فرد في اليوم التالي أنه نجح في تدبير عشرين ألف دينار لهم، وأن رجل أعمال تعهد بإعادة بناء البناية بعد الحرب. وبالفعل تم إرسال المال للناجين عبر طرق دبلوماسية.

كرس كل وقته لغزة في سنينه الأخيرة كفاعل خير وناقل له. رحمه الله، كان نقيا لا يعرف الحقد والكراهية، وربما هو الوحيد الذي لم أختلف معه قط في طفولتنا وشبابنا وعملنا وسكنانا واقترابنا وابتعادنا. رحمه الله، ترك آثارا وذكرى حسنة في قلب كل من عرفه.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.