أهمية الحوكمة في المؤسسات المالية البنك الإسلامي الفلسطيني نموذجا
أصبحت الحوكمة المؤسسية (Corporate Governance) في العقود الأخيرة من أهم المرتكزات التي تقوم عليها المؤسسات المالية الحديثة، لما لها من دور محوري في تعزيز الثقة، وضمان الاستدامة، وتحقيق التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة، خاصة في القطاع المصرفي الذي يُعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيرًا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وفي ظل التحديات الاقتصادية والمالية، وتزايد المتطلبات الرقابية، وتنامي وعي أصحاب المصلحة، بات الالتزام بمبادئ الحوكمة الرشيدة ضرورة استراتيجية لا خيارًا تنظيميًا فحسب.
وفي السياق الفلسطيني، تبرز أهمية الحوكمة في المؤسسات المالية بشكل خاص، نظرًاً لخصوصية البيئة الاقتصادية والسياسية، ومحدودية الموارد، وحساسية القطاع المصرفي في دعم التنمية والصمود الاقتصادي، وتعتبر تجربة البنك الإسلامي الفلسطيني في تطبيق مبادئ الحوكمة نموذجاً مهماً بوصفه أحد أبرز البنوك الإسلامية العاملة في فلسطين، والذي يجمع بين الالتزام بالمعايير المصرفية الحديثة والضوابط الشرعية.
خصوصية الحوكمة في المؤسسات المالية والمصارف الإسلامية
تكتسب الحوكمة في المؤسسات المالية أهمية مضاعفة مقارنة بغيرها من القطاعات، نظرًا لاعتماد هذه المؤسسات على أموال المودعين، ودورها في توجيه الائتمان والاستثمار، وتأثيرها المباشر على الاستقرار المالي. وفي المصارف الإسلامية، تزداد هذه الأهمية بسبب ازدواجية الرقابة، حيث تخضع هذه المصارف إلى جانب الرقابة المصرفية التقليدية لرقابة شرعية تضمن توافق العمليات مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وتشمل الحوكمة في المصارف الإسلامية أبعادًا إضافية، من أبرزها:
• وجود هيئة رقابة شرعية مستقلة.
• الالتزام بمبادئ العدالة وتقاسم المخاطر.
• تعزيز القيم الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية.
• تحقيق التوازن بين الربحية والالتزام الشرعي.
الإطار التنظيمي للحوكمة في فلسطين
يخضع القطاع المصرفي الفلسطيني لإشراف ورقابة سلطة النقد الفلسطينية، التي أصدرت مجموعة من التعليمات والأنظمة المتعلقة بالحوكمة، بما يتوافق مع المعايير الدولية، مثل مبادئ بازل للحوكمة المصرفية، ومعايير الإفصاح والشفافية. وتشمل هذه التعليمات متطلبات تتعلق بتشكيل مجالس الإدارة، واستقلالية أعضائها، وتشكيل اللجان المنبثقة عنها (كلجنة التدقيق، ولجنة المخاطر، ولجنة الحوكمة)، إضافة إلى تعزيز أنظمة الرقابة الداخلية وإدارة المخاطر.
وفي هذا الإطار، تُعد الحوكمة أداة أساسية لتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي الفلسطيني، وحماية حقوق المودعين، ودعم الاستقرار المالي، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر وعدم اليقين.
البنك الإسلامي الفلسطيني: نبذة عامة
تأسس البنك الإسلامي الفلسطيني ليكون مؤسسة مصرفية إسلامية وطنية تسهم في دعم الاقتصاد الفلسطيني، وتقديم خدمات مالية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. ومنذ انطلاقته، سعى البنك إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء مؤسسة مصرفية قوية، قادرة على تحقيق النمو والاستدامة، والحفاظ على ثقة العملاء والمستثمرين.
ويتميز البنك الإسلامي الفلسطيني بانتشاره الجغرافي، وتنوع خدماته، وتركيزه على تمويل القطاعات الإنتاجية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما ينسجم مع دوره التنموي والاجتماعي.
تطبيق مبادئ الحوكمة في البنك الإسلامي الفلسطيني
أولاً: تركيبة مجلس الادارة واستقلاليته
تحرص الحوكمة المؤسسية في البنك الإسلامي الفلسطيني على بناء مجلس إدارة متوازن وفاعل، يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية والكفاءة المهنية، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية وتعليمات سلطة النقد الفلسطينية. وفي هذا الإطار، يضم مجلس الإدارة ثلاثة أعضاء مستقلين من ذوي الكفاءات المهنية والعلمية المتخصصة في المجالات المصرفية والمالية والقانونية والإدارية، الأمر الذي يعزز موضوعية القرارات، ويحد من تضارب المصالح، ويدعم الرقابة الفاعلة على الإدارة التنفيذية.
كما يشتمل مجلس الإدارة على ممثل عن صغار المساهمين، بما يرسّخ مبدأ العدالة وحماية حقوق المساهمين، ويضمن إيصال صوت هذه الفئة في عملية صنع القرار، ويعزز ثقة المستثمرين في عدالة وشفافية الحوكمة.
وتُسهم هذه التركيبة المتوازنة للمجلس في تعزيز جودة الإشراف الاستراتيجي، وتحقيق التوازن بين الخبرة، والاستقلالية، وتمثيل مختلف أصحاب المصالح، وهو ما ينعكس إيجابًا على الأداء المؤسسي واستدامته.
ثانياً: دور مجلس الإدارة
يُعد مجلس الإدارة حجر الزاوية في منظومة الحوكمة في البنك الإسلامي الفلسطيني، حيث يتولى رسم السياسات العامة، وتحديد التوجهات الاستراتيجية، والإشراف على الأداء العام للبنك. ويحرص المجلس على الالتزام بمعايير الكفاءة والخبرة والاستقلالية، بما يضمن اتخاذ قرارات متوازنة تخدم مصلحة البنك وجميع أصحاب المصلحة.
كما يضطلع المجلس بمسؤوليات تتعلق بإقرار السياسات الائتمانية، واعتماد أنظمة إدارة المخاطر، ومتابعة الأداء المالي والتشغيلي، وضمان الالتزام بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن الجهات الرقابية.
ثالثاً: اللجان المنبثقة عن مجلس الإدارة
في إطار تعزيز الحوكمة، يعتمد البنك الإسلامي الفلسطيني على لجان متخصصة منبثقة عن مجلس الإدارة تجتمع كل منها 3 مرات سنوياً على الأقل وبمجموع اجتماعات يتجاوز 30 اجتماع سنوياً، ومن أبرز هذه اللجان :
• لجنة التمويل: وتُعد من أهم لجان مجلس الإدارة، حيث تختص بوضع السياسات العامة للتمويل، واعتماد الأطر الشرعية والائتمانية لمنتجات التمويل الإسلامي، ومتابعة جودة محفظة التمويل، بما يضمن تحقيق التوازن بين النمو، وإدارة المخاطر، والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية.
• لجنة الاستثمار: وهي من اللجان المحورية، وتُعنى برسم السياسات الاستثمارية للبنك، ودراسة واعتماد الفرص الاستثمارية، ومتابعة أداء الاستثمارات، بما ينسجم مع استراتيجية البنك، ومستويات المخاطر المقبولة، ومتطلبات الاستدامة.
• لجنة التدقيق: التي تشرف على نزاهة التقارير المالية، وفعالية أنظمة الرقابة الداخلية، والالتزام بالمعايير المحاسبية، إضافة إلى التنسيق مع المدققين الداخليين والخارجيين.
• لجنة المخاطر: المعنية بوضع ومتابعة سياسات إدارة المخاطر بمختلف أنواعها (الائتمانية، التشغيلية، السوقية، والامتثال) ، بما يضمن الحفاظ على سلامة المركز المالي للبنك، وينبثق عنها لجنة المخاطر التنفيذية واستمرارية الأعمال المشكلة من الإدارة التنفيذية العليا للبنك.
• لجنة الحوكمة: التي تُعنى بتطوير وتطبيق سياسات الحوكمة المؤسسية، وتعزيز الشفافية، وضمان الالتزام بأفضل الممارسات. وينبثق عن هذه اللجنة لجنة الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، والتي يرأسها عضو من مجلس الإدارة وتضم في عضويتها ممثلين عن الإدارة التنفيذية، بما يعكس التكامل بين التوجيه الاستراتيجي والتنفيذ العملي لمبادئ الاستدامة.
• لجنة الحوافز والمكافآت: المختصة بوضع سياسات عادلة وشفافة للحوافز والمكافآت، بما يحقق التوازن بين تحفيز الأداء وربط المكافآت بالأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل، ويحد من السلوكيات عالية المخاطر.
• لجنة المسؤولية المجتمعية: التي تشرف على برامج البنك في مجال المسؤولية الاجتماعية، ودعم التنمية المجتمعية، وتعزيز الشمول المالي، بما ينسجم مع القيم الإسلامية والدور التنموي للبنك والأهداف العالمية للتنمية المستدامة.
• لجنة التحول الرقمي: التي تُعنى بوضع الاستراتيجيات الرقمية، وتطوير الخدمات المصرفية الإلكترونية، وتعزيز الابتكار والأمن السيبراني، بما يواكب التحولات التكنولوجية في القطاع المصرفي.
رابعاً: هيئة الرقابة الشرعية ودورها في الحوكمة
تُعد هيئة الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي الفلسطيني عنصرًا أساسيًا في منظومة الحوكمة، حيث تضمن توافق جميع المنتجات والخدمات المصرفية مع أحكام الشريعة الإسلامية. وتعمل الهيئة باستقلالية تامة، وتقدم تقاريرها إلى مجلس الإدارة والجمعية العمومية، مما يعزز الشفافية والثقة لدى المتعاملين مع البنك.
ويمثل التكامل بين الحوكمة المؤسسية والحوكمة الشرعية أحد أبرز نقاط القوة في تجربة البنك الإسلامي الفلسطيني.
خامساً: الإدارة التنفيذية والمساءلة
تلتزم الإدارة التنفيذية في البنك الإسلامي الفلسطيني بتنفيذ السياسات والاستراتيجيات التي يقرها مجلس الإدارة، وتعمل ضمن إطار واضح من الصلاحيات والمسؤوليات. وتخضع الإدارة لمبدأ المساءلة، من خلال أنظمة رقابة داخلية فعالة، وتقييم دوري للأداء، بما يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية دون الإخلال بمبادئ الحوكمة.
أثر الحوكمة على الأداء والاستدامة
أسهم الالتزام بمبادئ الحوكمة في البنك الإسلامي الفلسطيني في تحقيق مجموعة من النتائج الإيجابية، من أبرزها:
• تعزيز ثقة المودعين والعملاء.
• تحسين جودة القرارات الإدارية والائتمانية.
• الحد من المخاطر وتعزيز القدرة على التعامل مع الأزمات.
• دعم النمو المستدام وتحقيق التوازن بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية.
• إتاحة فرص متكافئة للتوظيف تعتمد على الكفاءة والمهنية.
• تعزيز سمعة البنك محليًا وإقليميًا.
التحديات وآفاق التطوير
على الرغم من التقدم الملحوظ في تطبيق الحوكمة، يواجه البنك الإسلامي الفلسطيني، كغيره من المؤسسات المالية الفلسطينية، عددًا من التحديات، مثل:
• تعقيدات البيئة الاقتصادية والسياسية.
• محدودية السوق والموارد.
•الحاجة المستمرة لتطوير الكفاءات البشرية.
• مواكبة التطورات المتسارعة في التشريعات والمعايير الدولية.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات تعزيز ثقافة الحوكمة على جميع المستويات، والاستثمار في بناء القدرات، وتحديث الأنظمة والسياسات، بما يضمن استدامة الأداء المؤسسي.
خاتمة
تُعد الحوكمة المؤسسية ركيزة أساسية لنجاح واستدامة المؤسسات المالية، ولا سيما في القطاع المصرفي الإسلامي. ويقدم البنك الإسلامي الفلسطيني نموذجًا عمليًا لأهمية تبني الحوكمة الرشيدة، من خلال بناء منظومة متكاملة تقوم على الشفافية، والمساءلة، والاستقلالية، والالتزام الشرعي.
وفي ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني، تبرز الحاجة إلى تعزيز ممارسات الحوكمة باعتبارها أداة استراتيجية لدعم الاستقرار المالي، وتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مؤسسات مالية قادرة على خدمة المجتمع والاقتصاد بكفاءة ومسؤولية، واستقطاب المستثمرين حيث أن تطبيق الحوكمة السليمة في أي مؤسسة يسهم في استقطاب المستثمرين نحوها بفعل سمعتها الجيدة وأدائها المستقر والشفافية العالية في عملها.
*دكتوراة في الاقتصاد والتمويل الإسلامي
هل ينسجم مجلس السلام مع الشرعية الفلسطينية؟
القاتل الإسرائيلي وسلطة الطاعة والامتثال
المجالس المجتمعية: حين تتحول الفكرة إلى نهجٍ وطني فاعل
المونولوج الداخلي: بين فقدان السمع والزهايمر
اقتصاد واحد على الورق… واقتصادان على الأرض
مجلس "سلام" ترامب والمصير الوطني
حين يصبح الموت وهمًا للشجاعة: قراءة في منطق القوة والضعف





