قانون إعدام الأسرى: نهاية منطق التبادل وبداية مرحلة أكثر قسوة
مقالات

قانون إعدام الأسرى: نهاية منطق التبادل وبداية مرحلة أكثر قسوة

إقرار قانون يسمح بإعدام الأسرى ليس مجرد خطوة تشريعية عابرة بل هو تحوّل خطير يمسّ جوهر القيم التي بُني عليها القانون الدولي الإنساني فهذه القوانين التي وُضعت بعد تجارب إنسانية قاسية لم تكن تهدف إلى تنظيم القتل بل إلى الحدّ من وحشية الحروب وحماية الإنسان حتى في أكثر الظروف قسوة.

الأسرى وفق اتفاقيات جنيف ليسوا طرفا في ساحة المعركة بعد وقوعهم في الأسر بل هم أشخاص فاقدو الحرية يتمتعون بحقوق واضحة في مقدمتها الحق في الحياة والحماية من أي شكل من أشكال الإعدام التعسفي أو الانتقام وعليه فإن تشريع إعدامهم ينسف هذه المبادئ من أساسها ويحوّل الأسير من إنسان محمي إلى أداة في معادلة الانتقام والردع والعقاب.

لا يمكن النظر إلى هذا القانون بمعزل عن السياق الأوسع حيث تتزايد التقارير الحقوقية التي توثق انتهاكات مستمرة بحق الأسرى سواء أثناء الاعتقال أو خلال الاحتجاز وفي ظل هذا الواقع فإن إضفاء طابع “قانوني” على عقوبة الإعدام يثير مخاوف جدية من توسيع دائرة الانتهاكات بدل الحدّ منها.

إضافة إلى ذلك يحمل هذا القانون تداعيات استراتيجية شديدة الخطورة لا تقتصر على طرف واحد بل تمتد لتطال إسرائيل أيضا فالتجربة التاريخية في هذا الصراع وغيره تؤكد أن ملف الأسرى شكّل دائما إحدى أهم أدوات التهدئة وفتح قنوات التفاوض عبر صفقات التبادل وعليه فإن إقرار إعدام الأسرى لا يعني فقط استهداف الأسرى الفلسطينيين بل ينعكس عمليا كحكم بالإعدام أيضا على أي أسرى إسرائيليين محتملين في المستقبل إذ إنه ينسف أساس فكرة التبادل من جذورها ويغلق الباب أمام أي تسويات إنسانية.

ولا يمكن تجاهل البعد التاريخي في هذا السياق حيث تُظهر التجارب في نزاعات متعددة أن سياسات الإعدام لم تؤدِ إلى إضعاف إرادة الشعوب أو إنهاء أشكال المقاومة بل ساهمت في تعميقها وتوسيعها. فقد شهد التاريخ بما في ذلك فترة الانتداب البريطاني في فلسطين حالات تم فيها تنفيذ أحكام إعدام بحق مناضلين إلا أن ذلك لم يُنهِ الحراك الوطني بل ساهم في تحويل هؤلاء إلى رموز وطنية خالدة.

وما زالت ذكرى إعدام الشهداء الثلاثة محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي في ما يُعرف بـ”الثلاثاء الحمراء” حاضرة في الوعي الجمعي باعتبارها لحظة فارقة عززت من حضور الفكرة الوطنية ورسّخت قيم التضحية في الذاكرة الشعبية بدل أن تُضعفها وهو ما يعكس أن مثل هذه السياسات قد تؤدي على عكس أهدافها إلى تعميق جذور الصراع بدل احتوائه.

في ظل غياب أفق للتبادل يصبح الأسير بلا قيمة تفاوضية ما يزيد من مخاطر التصعيد ويقلل من فرص الحفاظ على حياته وبدل أن يشكّل الأسر وسيلة للضغط نحو الحلول يتحول إلى عامل يدفع نحو مزيد من القسوة والتعقيد في النزاع وبهذا المعنى فإن هذا القانون لا يهدد طرفا بعينه بل يلغي القانون الدولي و يعمّق دائرة الخطر ويجعل الجميع أكثر عرضة لنتائج كارثية حيث تتحول حياة الأسرى إلى رهينة لسياسات مغلقة لا تترك مجالا لأي حلول عقلانية أو إنسانية.

أما على المستوى الدولي فإن هذا التطور يطرح تساؤلات عميقة حول مصداقية النظام العالمي: كيف يمكن الدفاع عن منظومة قانونية تدّعي العالمية بينما يُترك تطبيقها رهينة للاعتبارات السياسية؟ ولماذا تُفرض شروط صارمة على أطراف معينة تحت عنوان احترام القانون الدولي في حين يتم التغاضي عن انتهاكات واضحة عندما تصدر عن إسرائيل؟

إن ازدواجية المعايير لا تضعف فقط الثقة بالمؤسسات الدولية بل تفرغ القانون نفسه من معناه فالعدالة التي لا تُطبّق على الجميع تتحول إلى أداة سياسية والقانون الذي يُستخدم بانتقائية يفقد شرعيته الأخلاقية.

في النهاية لا يتعلق الأمر فقط برفض قانون بعينه بل بالدفاع عن مبدأ أساسي: أن كرامة الإنسان لا تسقط في زمن الحرب وأن حماية الأسرى ليست خيارا سياسيا بل التزام قانوني وأخلاقي وأي محاولة لتقويض هذا المبدأ لا تهدد طرفا واحدا فقط بل تضرب الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي بأكمله.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.