الإعلام وإعادة إنتاج الرجل الأمريكي كمرجعية كونية
في خضم التداخل الحاد بين مسارات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبرز نمط إعلامي يستحق التفكيك، لا بوصفه مجرد اختيار تحريري، بل كجزء من بنية أوسع لإنتاج المعنى السياسي وإعادة تشكيل الوعي. الحضور المكثف لتصريحات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، وتصريحات رجال البيت الأبيض عموماً، خصوصًا على منصات مثل الجزيرة، لا يمكن قراءته كاستجابة بريئة لما يُسمى “القيمة الإخبارية”، بل كمظهر واضح لآليات إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية ضمن الفضاء الإعلامي المعولم. هذا النمط لا يكتفي بنقل الخطاب السياسي الأمريكي، بل يقوم بتكثيفه، تفريغه من سياقه أحيانًا، وإعادة تقديمه كحدث كوني، حتى حين يكون في جوهره خطابًا إنشائيًا أو تكراريًا لا يحمل تحولات نوعية أو بديهياً في معظم الأحيان.
ما يحدث فعليًا هو انتقال من منطق التغطية إلى منطق تشييد المركزية الخطابية (Discursive Centralization)، حيث يُعاد تثبيت فاعل سياسي واحد بوصفه مرجعية تفسيرية دائمة للنظام الدولي. هذا التثبيت يعمل بشكل أكبر على مستوى المتلقي، ويرتد أيضًا على ذات الفاعل، ليُنتج حالة من الاستبطان الهيمني (Internalized Hegemony)، بحيث تتحول القناعة بالقدرة على التحكم والتوجيه إلى جزء من البنية الإدراكية للخطاب نفسه. في هذا السياق، يخرج ترامب من كونه مجرد رئيس دولة، إلى كونه مثيلًا مكثفًا لمنظومة أوسع يمكن توصيفها بـ الذات الإمبراطورية البيضاء، التي ترى في نفسها فاعلًا كونيًا يمتلك حق التدخل، وإعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه المسارات السياسية والعسكرية خارج حدودها السيادية.
هذه القناعة طبعاً لا تنشأ من فراغ، لكنها أيضًا لا تُختزل في القوة المادية أو الاقتصادية للولايات المتحدة. صحيح أن ما بعد الحرب العالمية الثانية أسّس لبنية دولية منحت واشنطن موقعًا متقدمًا، لكن استمرار هذا الشعور بالتفوق يتغذى اليوم بشكل أساسي على الاقتصاد السياسي للإعلام، حيث تتحول التغطية المكثفة والمتكررة إلى أداة لإنتاج واقع إدراكي يُضخّم من مركزية هذا الفاعل. بالمقابل مثلاً، وجود قوى مثل الصين وروسيا، رغم امتلاكها أدوات قوة صلبة، لم يُترجم إلى نفس النمط من الحضور الخطابي المتضخم، ما يؤكد أن المسألة لا تتعلق فقط بميزان القوى، بل بآليات تمثيله وإعادة تدويره إعلاميًا.
ضمن هذا الإطار، يصبح من المألوف أن يتحدث دونالد ترامب بلغة تتجاوز حدود الدبلوماسية إلى ما يشبه خطاب الأمر العابر للسيادة (Trans-sovereign Command Discourse)، سواء في تعامله مع حلفاء ضمن حلف الناتو، أو في محاولاته استدعاء قوى دولية وإقليمية للتدخل في مسارات عسكرية محددة، أو في تقديم نفسه كمنسق فعلي لاستخدام القوة على مستوى النظام الدولي ككل، كإرسال سفنهم الحربية لمضيق هرمز أو توجيه أسحلة أوروبا الجوية لسماء إيران أو حتى حين أعلن رغبته بشراء جرين لاند سابقاً، أو حين هاجم الرئيس الإسباني لرفضه رفع الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الاسباني وما لحقه من تهديدات بعقاب اسبانيا جمركياً لعدم التزامها بأوامر ترامب عسكرياً. هذا الخطاب، حين يُعاد بثه وتكثيفه، لا يُقرأ بوصفه ادعاءً أو مبالغة، بل يُعاد تأطيره كحقيقة محتملة، ما يعزز من وهم القدرة على تحريك البنى العسكرية العالمية بما يتوافق مع إرادة فاعل واحد.
الأخطر في هذا السياق هو ما يمكن تسميته بـالتأليه السياسي الناعم (Soft Political Deification)، حيث يتحول الفاعل السياسي إلى مرجعية شبه مطلقة، لا بسبب مضمون ما يقول، بل بسبب كثافة حضوره. هنا، تتلاشى الحدود بين ما هو فعلي وما هو مُتخيَّل، ويصبح تأثير التصريح ناتجًا عن تكراره لا عن مضمونه. أي جملة، مهما بدت بديهية أو فارغة، تُعاد صياغتها ضمن إطار درامي يضخم من دلالتها، ويمنحها وزنًا يتجاوز حقيقتها. بهذا المعنى، يصبح الخطاب السياسي مادة خام لعملية تضخيم مستمرة.
غير أن هذا البناء الهيمني ليس صلبًا كما يبدو. التجارب التي قوبل فيها هذا الخطاب بالتجاهل أو بالسخرية تكشف هشاشته البنيوية. حين طلب ترامب شراء جرينلاند، لم تتعامل الدينمارك مع الطرح كأمر واقع، بل كتصريح يمكن تفكيكه ورفضه دون الانخراط في تضخيمه، وقد رفضت فعلاً بشكل صريح وحازم وقالت "جرينلاند ليست للبيع ونحن لسنا للبيع"، بل وتم الاستهزاء به علناً والسخرية من ترامب شخصياً، هذا الشكل من المقاومة الخطابية، القائم على نزع الشرعية الرمزية عن التصريح بدلًا من التفاعل معه ضمن شروطه، أدى إلى تفريغه من أثره، وإخراجه من دائرة التداول الجاد.
في المقابل، حين يُستقبل نفس الخطاب في سياقات أخرى بوصفه حدثًا استثنائيًا، وتُمنح له مساحة مفرطة من الانتباه، يتم إدخاله ضمن دورة إنتاج الهيمنة من جديد. هنا، لا تكون القوة في التصريح ذاته، بل في الاستثمار الإعلامي في تداوله، وفي الاستعداد الجمعي لتلقيه كإشارة حاسمة. بهذا الشكل، تتحول المتابعة المستمرة إلى نوع من الانخراط غير المباشر في إعادة إنتاج نفس البنية التي يُفترض نقدها، ما يتشكل في النهاية هو نظام معقد من إدارة الانتباه (Attention Governance)، حيث لا تُفرض الهيمنة فقط عبر الأدوات العسكرية أو الاقتصادية، بل عبر التحكم بما يجب أن نراه، وكم مرة نراه، وكيف نُعيد تفسيره. في هذا النظام، يصبح تجاهل التصريح في حد ذاته فعلًا سياسيًا، لأنه يخرج عن منطق التضخيم، ويعيد الأمور إلى حجمها الفعلي. أما الاستمرار في استهلاك هذا الخطاب بوصفه مركز العالم، فهو ما يمنحه القدرة على الظهور كقوة لا يمكن تجاوزها، وتطرح الرجل الأمريكي الأبيض كملك على العالم وصاحب القرار الأكبر.
تشظي الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة
المجزرة تُحضَّر
حين يؤذّن الأقصى…صلاةُ الصدى وذاكرة الحجر، ووحشة المآذن حين يغيب المحبون قسراً
هل تُنتج حرب غزة الدولة الفلسطينية؟
هل تنجح إيران في كسر المشروع الصهيو أميركي؟
الاقتصاد الإسرائيلي... هل يتحول إلى عائق في الحرب الحالية؟
من حرب إيران إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. هل يمتلك الفلسطينيون القدرة على التقاط اللحظة؟






