الحرب على إيران ... إعادة تشكيل الإقليم أم تغيير النظام؟
مقالات

الحرب على إيران ... إعادة تشكيل الإقليم أم تغيير النظام؟

لم يشكّل الهجوم الأميركي الإسرائيلي الحالي على إيران مفاجأة في سياق التقديرات السياسية، إذ سبقت لحظة التنفيذ مؤشرات واضحة ومتراكمة. تصاعد الخطاب الإعلامي المنذر بالحرب، وحشد قوات أميركية بأعداد غير مسبوقة في الشرق الأوسط، وكثافة التنسيق العلني بين واشنطن وتل أبيب، كلها معطيات رسمت ملامح سيناريو جرى الإعداد له تدريجيًا.

حتى طبيعة الرد الإيراني السريع، الذي جاء خلال نحو ساعة ونصف إلى ساعتين، تعكس أن طهران تعاملت مع هذا الاحتمال بوصفه خيارًا مطروحًا وأدرجته ضمن خططها المسبقة للتعامل مع سيناريو الحرب القادمة.

في مستهلّ المشهد، تتقاطع الوقائع مع سوابق تاريخية واضحة إذ يعيد ما جرى إنتاج نمط اختبرته المنطقة من قبل. فهو يستحضر في بنيته ودلالاته اللقاء الذي جمع جيمس بيكر بنظيره العراقي طارق عزيز قبيل حرب الخليج الثانية، ذلك اللقاء الأخير الذي سبق اندلاع الحرب. حيث بلغ التوتر ذروته وسعت الأطراف إلى إدارة الأزمة عبر قناة دبلوماسية محدودة، ثم حسمت الحرب المسار بعد تعثر الجهود السياسية.

عند تناول هذه الحرب، التي تتعدد تسمياتها ولم يتحدد مآلها بعد، يظهر اختلاف جوهري بينها وبين المواجهة السابقة في بنيتها السياسية والعسكرية. في الجولة الماضية، تقدمت إسرائيل الواجهة العملياتية بينما أدارت الولايات المتحدة المشهد من موقع الداعم والموجّه. أما في المواجهة الراهنة، فقد أعلنت واشنطن أنها تقود الهجوم بصورة مباشرة.

هذا التحول يتجاوز البعد الشكلي. إعلان دونالد ترامب يعكس رفعًا واضحًا في سقف الأهداف، ويدل على أن الإدارة الأميركية اختارت الانخراط المباشر بدل الاكتفاء بالإسناد أو إدارة الإيقاع من الخلف. في الحرب السابقة، اتخذ الاستهداف طابعًا تكتيكيًا هدفه إعادة ضبط معادلة الردع ضمن حدود محسوبة. في الجولة الحالية، يرتبط الهجوم بأهداف ذات طابع حاسم، تتصل بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية والإستراتيجية برمتها.

تمثّل الإعلان الصريح عن هدف إسقاط النظام في السمة الأكثر وضوحًا في هذه الحرب، إذ رفع المواجهة إلى مستوى يتجاوز منطق الردع المتبادل أو إدارة اشتباك مضبوط بقواعد تقليدية. تدفع هذه الحرب النظام إلى مواجهة معادلة شديدة التعقيد، لأنها تنقل الضغط من حدود الاشتباك العسكري إلى عمق البنية السياسية. كما تدفع هذه الحرب القيادة الإيرانية إلى اختبار مزدوج اختبار قدرتها على إدارة الرد الميداني، واختبار قدرتها على الحفاظ على التماسك الداخلي في ظل تهديد معلن يستهدف بقاءها السياسي.

كذلك، اتسمت الحرب الراهنة بخصائص إضافية واضحة، إذ بدأت العمليات بهجوم أميركي إسرائيلي مشترك منذ اللحظة الأولى. كما نُفّذ القصف من خارج إيران بعيدًا عن العمليات الرمادية أو الضربات المنسوبة إلى جهات غير معلنة من داخل إيران، التي طبعت مراحل سابقة من المواجهة.

بالنسبة إلى إسرائيل، تمثل هذه الحرب فرصة ومخاطرة في الوقت ذاته. تمنحها الشراكة العملياتية الكاملة مع الولايات المتحدة غطاءً عسكريًا واسعًا، وتسهم في ترميم صورة الردع التي تضررت بوضوح منذ أحداث 7 أكتوبر. هذا الانخراط المشترك يعيد تثبيت موقعها ضمن المعادلة الإقليمية، بوصفها شريكًا مباشرًا في بلورة شكل الشرق الأوسط الجديد.

في المقابل، يجعلها هذا التموضع في صدارة بنك الأهداف الإيراني، سواء من خلال ضربات مباشرة أو عبر دفع المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى. يعكس اندماج القرار العسكري مع واشنطن مستوى عالٍ من التبعية والارتباط الإستراتيجي بالولايات المتحدة، ويظهر أن إسرائيل تعمل داخل إطار عملياتي وسياسي أوسع تقوده الإدارة الأميركية. يعزز هذا الموقع ثقلها في الحسابات الأميركية؛ لكنه يقلّص في الوقت ذاته قدرتها على المناورة المستقلة ويربط خياراتها بإيقاع القرار الصادر من واشنطن.

فيما تبدو الولايات المتحدة في موقع متابعة دقيقة لمسار التطورات من دون استعجال حسم نهائي. يمنحها هذا النهج قدرًا كبيرًا من المرونة ويتيح لها إعادة ضبط سقف الأهداف أو أدوات الضغط تبعًا لما تفرضه الوقائع الميدانية وتبدلات ميزان القوة.

أما الدول العربية، فتواجه معادلة شديدة الحساسية. استهداف القواعد الأميركية في المنطقة يعني أن أراضيها قد تتحول إلى ساحات مواجهة حتى من دون إعلان انخراط مباشر في الحرب. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن استخدام بعض القواعد جرى من دون إعلان صريح عن موافقات رسمية، وهو ما يفتح نقاشًا حول حدود السيادة الفعلية.

في الواقع، تدرك هذه الأنظمة أن أي تغيير جذري في موقع إيران الإقليمي سيعيد رسم ميزان القوة وقد يمنح إسرائيل مساحة نفوذ أوسع في الإقليم، وهو تطور تنظر إليه بعض العواصم بقلق إستراتيجي. في هذا السياق، كثّفت إيران استهداف القواعد العسكرية في دول عربية ضمن محاولة لخلق ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة، عبر نقل كلفة الحرب إلى بيئة حلفائها الإقليميين ودفعهم إلى التأثير في مسار القرار الأميركي.

إقليميًا، تراقب قوى مثل باكستان وتركيا والصين مسار التطورات بقلق واضح. أي تغير في موقع إيران سينعكس مباشرة على توازنات القوة في الخليج وبحر العرب وآسيا الوسطى، بحكم ترابط ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية ومشاريع الربط التجاري.

إذا أدت الحرب إلى إضعاف النظام الإيراني، فإن ذلك سيعيد توزيع مراكز النفوذ في الإقليم، وقد يفتح الباب أمام تنافس على ملء فراغ في مناطق ذات حساسية جيوسياسية مرتفعة. أما إذا صمد النظام رغم الضربات فسيسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، تقوم على إظهار القدرة على تحمل الضغوط والاستمرار في الفعل الإقليمي. في كلا الاحتمالين، تدخل المنطقة مرحلة سيولة إستراتيجية تتسم بإعادة اصطفاف القوى، واختبار توازنات جديدة لم تستقر بعد.

بشكل عام، ترتبط الحرب الحالية بسياق أوسع يتصل بمرحلة ما بعد أحداث السابع من أكتوبر. تلك اللحظة أعادت صياغة أولويات الأمن في إسرائيل، ودفعت الولايات المتحدة إلى مراجعة مقاربتها الإستراتيجية في الشرق الأوسط، ما يجري الآن يتجاوز حدود الضربات التكتيكية أو عمليات الرد المحدود ويتصل بمحاولة إعادة تعريف قواعد الاشتباك وحدود القوة المستخدمة في الإقليم.

يبقى المسار المقبل مفتوحًا على عدة احتمالات. قد تتجه الأطراف إلى تسوية تفرض على إيران تنازلات جوهرية مقابل وقف التصعيد. وقد يتواصل الاستنزاف إلى أن تتشكل تصدعات داخلية تمس تماسك النظام، وتؤثر في قدرته على إدارة المواجهة. كما قد يتوسع الصراع ليشمل ساحات إضافية إذا رأت قوى إقليمية أن مصالحها الحيوية تواجه تهديدًا مباشرًا.

في الختام، يمكن القول إن الحرب لم تكن مفاجئة في سياقها التراكمي، لكن نتائجها لن تبقى محصورة في ميدان واحد، نحن أمام لحظة تعيد صياغة العلاقة الأميركية – الإسرائيلية، وتختبر قدرة إيران على الصمود في ظل حرب تسعى لإسقاط بنية نظامها، وتضع الدول العربية أمام أسئلة مباشرة جوهرية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.