قضية العصر الحديث: سوق العمل، شهادات أم مهارات؟
مقالات

قضية العصر الحديث: سوق العمل، شهادات أم مهارات؟

 

في ظل تسارع وتيرة التطور التكنولوجي وثورة الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة Industry 4.0 وتطور الاقتصاد المعرفي الذي نشهده حالياً، تتزايد الأصداء في الشارع العام مما يجعل هذا الموضوع مثيراً للجدل، فالتعليم الأكاديمي كان وما زال يُعد بمثابة الشريان الرئيسي الذي لا غنى لنا عنه في بناء المجتمع وتوعيته ليرقى أعلى مستويات العلم والمعرفة والحضارة ويعد مطلباً وشرطاً أساسياً في التوظيف. فمن منا يستطيع أن يمارس مهنة الطب والمحاماة والهندسة والتعليم دون الشهادات الجامعية؟
فالمؤهلات العلمية لا يمكن الاستغناء عنها ولن يتم النظر في السيرة الذاتية دون وجودها إلا في حالات نادرة ووظائف معينة لا تتطلب تلك الشهادات، ومع التركيز الكلي على الشهادات الجامعية وتَجاهُل التركيز على أهمية المهارات الذي أسهم في إحداث خلل تسبب بوجود ما يسمى بفجوة المهارات، وظَلَمَ سوق العمل الذي بدلاً من أن يتوفر له قوى عاملة تمتلك مهارات عملية تتناسب مع احتياجاته، وفرَّ له فائضاً من أصحاب الشهادات الجامعية لا تتوفر فيهم متطلبات واحتياجات سوق العمل في ظل تسارع وتيرة التطور العلمي والتكنولوجي، فالشهادات الجامعية هي وثيقة تشهد بأن الشخص قد تلقى التعليم لدى جامعة معينة واجتاز مقررات تخصص معين بنجاح ولا تعتبر مؤشراً ودليلاً على امتلاك المهارات العملية والكفاءات التي يحتاجها سوق العمل وليست دليلاً على النجاح الوظيفي والاحترافية في بيئة العمل، وهذه حقيقة يدعمها الواقع الذي يشير إلى وجود فجوة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، وفي استطلاع رأي حديث أجرته شركة Deloitte أظهرت النتائج أن المهارات المكتسبة من التعليم العالي تساهم فقط بثلث متطلبات الأهداف التنظيمية، ووفقاً لإحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2022 فإن أعلى معدلات البطالة تتركز في صفوف حملة الشهادات الجامعية أكثر من غيرهم، وأن الفترة التي يحتاجها الخريج للحصول على أول فرصة عمل تتراوح ما بين 13- 20 شهراً، كما أشار الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن عدد خريجي مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية قد بلغ46,225 خريج وخريجة للعام الدراسي 2020/2021 في حين أن السوق المحلي يستوعب 3000 فرصة عمل للأفراد الخريجين سنوياً. فما هي أسباب عدم قدرة الجامعات على مجاراة التطور العلمي والتكنولوجي؟ وكيف يمكن معالجتها؟ وهل التعليم الأكاديمي هو الطريق الوحيد للحصول على وظيفة؟ وهل يسهم التعليم والتدريب المهني والتقني في تقليل معدلات البطالة؟ وهل تعتبر المهارات أهم من الشهادات في تلبية احتياجات سوق العمل مستقبلاً؟
من هنا تأتي أهمية تسليط الضوء على هذا الموضوع والوقوف على أوضاع التعليم العالي في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة وثورة الذكاء الاصطناعي، فإذا أمعنا النظر إلى مسيرة التعليم العالي في فلسطين نجد أنها ما زالت متأخرة عن مثيلاتها في الدول العربية والأجنبية بالرغم من التطور الهائل الذي شهدته مؤسسات التعليم العالي والنقلة النوعية للتعليم الفلسطيني والبرامج التعليمية الجديدة التي أدخلتها الجامعات الفلسطينية خاصة بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 واستلام السلطة الوطنية مهامها، فإنها ما زالت تواجه الكثير من العقبات والتحديات التي تَحُد من قدرتها على مجاراة التطور العلمي والتكنولوجي في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت بتغيير معالم الوظائف تدريجياً والحاجة إلى مهارات جديدة لم تكن موجودة سابقاً، ووفقاً للدراسة التي أجراها المفكر والباحث غازي الصوراني عضو مجلس أمناء جامعة الأقصى في العام 2022 بعنوان "أزمة التعليم العالي في الجامعات الفلسطينية" فإن ذلك يعود إلى أسباب تتعلق بالسياسة وغياب الموازنات المطلوبة لتشجيع البحث العلمي وتدني مستوى الانفاق الحكومي على قطاع التعليم العالي وقصور أو فشل الجامعات الفلسطينية في إعداد المناهج وإنشاء الكليات العلمية المتخصصة لتحقيق وبلورة ما يسمى "اقتصاد المعرفة" وغيرها.
 ومع بداية أزمة كورونا منذ عام 2020 والحرب على قطاع غزة منذ السابع من اكتوبر للعام 2023 بدأ قطاع التعليم الأكاديمي بالتراجع تدريجياً خاصة عند انتقاله من التعليم الوجاهي إلى التعليم الالكتروني في ظل تدني مستوى الإمكانيات الفنية والبنية التحتية وضعف مهارات الطلبة في التعامل مع وسائل التعليم الالكترونية، وعدم التزام جميع الطلبة بحضور المحاضرات واقتصارهم فقط على اجتياز المقررات بنجاح، وعدم مقدرة الأسر الفلسطينية على توفير أجهزة كافية خاصة الأسر التي يوجد فيها عدد كبير من الطلبة الذين يتلقون التعليم الكترونيا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تدمير البنية التحتية وشبكات الاتصال أثناء عمليات الاقتحام التي يقوم بها الاحتلال الاسرائيلي.
من هنا تأتي أهمية رصد مخصصات مالية كافية ضمن الموازنة العامة المخصصة للتعليم العالي والبحث العلمي وضرورة قيام الجامعات بإعادة النظر في المنظومة التعليمية وأهمية إجراء الأبحاث والدراسات المسحية وتحليل الطلب والعرض في قطاع التعليم العالي وتحديد الاحتياجات الفعلية من البرامج والتخصصات والمهن التي تلبي احتياجات سوق العمل، وإعادة النظر في سياسات القبول في الجامعات وربطها باحتياجات سوق العمل، فمقياس أداء الجامعات هو بقدر مساهمتها في دعم الاقتصاد الفلسطيني من خلال إجراء الأبحاث والابتكارات وتعزيز التقنيات والمعارف والمهارات والقدرات التحليلية والإبداعية التي تتناسب مع احتياجات سوق العمل. فهل تحظى هذه الخطوة بأهمية ؟
واستجابة للتطورات الاجتماعية والاقتصادية الحالية وفي محاولة للحد من ظاهرة البطالة وتطوير برامج التدريب المهني والتقني وتحفيز الشباب بالتوجه إلى التخصصات المهنية التي تمكنهم من إيجاد وظائف في سوق العمل أو إنشاء مشاريع خاصة، تأتي مسؤولية المؤسسات التعليمية والجهات ذات الاختصاص بأهمية التوعية بالتدريب المهني والتقني خاصة لطلبة المدارس وتوجيههم نحو المسار الصحيح وواقع سوق العمل لسد احتياجاته من الفنيين والمهنيين والتقنيين من خلال التحاقهم بتلك البرامج، فالتعليم الأكاديمي ليس الطريق الوحيد والآمن للحصول على وظيفة. ففي الآونة الأخيرة اتجهت العديد من جهات التوظيف إلى التركيز على أهمية حصول الباحث عن وظيفة على الشهادات المهنية التي تُكسِب حاملها المعرفة الأكاديمية والاطلاع العملي والتطبيقي وتمنحه المهارة والكفاءة التي يحتاجها سوق العمل إلى جانب الشهادة الجامعية في وظائف وتخصصات معينة.
إن امتلاك مجموعة من المهارات العملية يعد استثماراً بحد ذاته يمكن أن يكون له تأثيراً أكبر في تحقيق النجاح المهني والتميز في سوق العمل، وفي دراسة أجرتها مؤسسة ايمزي بيرننغ جلاس Emsi Burning Glass الرائدة في تحليل بيانات السوق والعمل تبين أن الشركات خفَّضت نسبة الشهادات الجامعية المطلوبة في 46% في الوظائف التي تحتاج إلى مهارات متوسطة و31% في الوظائف التي تحتاج إلى مهارات عالية وشملت هذه الوظائف تكنولوجيا المعلومات والمناصب الإدارية، ولعل القرار الذي أصدرته الشركات العالمية الكبرى مثل ,Google Facebook, Amazon, IBM Apple, الذي أصبح يعتمد في التوظيف على المهارات أكثر من الشهادات الجامعية في حال كان الشخص لديه المهارة الكافية في التعامل مع المنصات والقدرة على الابتكار في هذا المجال والقرار الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه الحكومة الفيدرالية الأمريكية إلى تعديل سياسات التوظيف لإعطاء مهارات المتقدمين أولوية عن الشهادة الجامعية مؤشراً مهماً على أن الأفضلية في التوظيف أصبحت لأصحاب المهارات وليست لأصحاب الشهادات. ويذكر أيضا أن شركة برايس ووتر هاوس كوبرز PwC أصبحت توظف خريجي الثانوية العامة في مجال المحاسبة والتحليل المالي وتقييم المخاطر شريطة حصولهم على دورات تدريبية وإثبات كفاءتهم بعد أن كانت تلك الوظائف تقتصر على خريجي كليات التجارة وإدارة الأعمال، وفي دراسة نشرتها هارفرد بزنس ريفيو Harvard Business Review حول أيهما أهم للأداء الوظيفي الشهادة أم المهارة، أظهرت النتائج أن 18.3% فضلوا الشهادة على المهارة في حين أفاد 81.7% منهم أن المهارة أهم من الشهادة.
في الختام، إن الاعتماد فقط على الشهادات الجامعية في عملية التوظيف لن يكون مجدياً لجميع أطراف العمل في ظل التطورات المتسارعة، وهذا لا يعني التقليل من أهميتها وما تمنحه من سمعة ومكانة اجتماعية للشخص خاصة أنها ما تزال شرطاً في الحصول على وظيفة لدى غالبية جهات التوظيف التي لن يكون فيها الثبات سهلاً للأشخاص الذين لا يمتلكون المهارات، فالمهارات هي التي تساهم بقوة ليس فقط في دخول سوق العمل بل والتنقل بين مهنة وأخرى، فعدم مواءمة المهارات العملية مع احتياجات سوق العمل يمثل تحدياً متزايداُ في سوق العمل مع ما يرافق ذلك من عواقب عديدة على العمال والمنشآت ومستقبل العمل، فالتعليم المهني والتقني الذي يعتقد الكثير منا أنه أقل شأناً من التعليم الأكاديمي هو المفتاح لدخول سوق العمل في ظل ارتفاع معدلات البطالة باعتباره رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني للاستجابة للتحديات التي نواجهها في ظل الثورة الصناعية الرابعة والتطورات التكنولوجية المتسارعة. إذن ما هو مصير أصحاب الشهادات الجامعية والدراسات النظرية خاصة وأن التعليم العالي يعتمد على الجانب النظري أكثر من اعتماده على الجانب العملي؟ وهل نحن مستعدون في حال أصبحت الأولوية لأصحاب المهارات في التوظيف؟
 
 
 
 
 
 
 
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.