صيرورة «الحشاشين»
مقالات

صيرورة «الحشاشين»

تصدر مسلسل "الحشاشين" قائمة أكثر المسلسلات العربية إثارة للجدل في شهر رمضان، وعلى عدة مستويات: دينية - طائفية، سياسية - سلطوية، وليس انتهاء بجوانبه الفنية. تدور الأحداث في إطار تاريخي، في القرن الحادي عشر، حول زعيم الحشاشين (حسن الصباح) الذي اتخذ من قلعة ألموت الجبلية في إيران بالقرب من بحر قزوين معقلاً ومن اغتيال معارضيها منهجاً، وقيادته للفرقة التي اشتهرت بتنفيذ عمليات اغتيالات دموية لشخصيات مرموقة في تلك المرحلة.
والحشاشون هم فرقة نزارية باطنية من فرق الطائفة الشيعية الإسماعيلية. ودخلت الفرقة في عداوات ومعارك مع الخلافتين العباسية والفاطمية، ومع السلاجقة والأيوبيين والصليبيين وغيرهم. واستمرت من القرن الحادي عشر للميلاد حتى القرن الثالث عشر قبل أن تنتهي على يد المغول في بلاد فارس، ومن ثم على يد المماليك في بلاد الشام.
بعيداً عن الحالة الجدلية لهذا المسلسل من جميع النواحي والتفاصيل، وكأي عمل فني نتفق نختلف لكن المهم ـــ من وجهة نظري ـــ هو مقدار فتح نقاش وخلق أفكار جديدة تأخذنا إلى عوالم جديدة تؤدي إلى مراكمة التحليلات وتنشيط العقل للبحث والاستقصاء وكسر "التابوهات" والأصنام والوصول إلى فضاءات لم نصلها.
هذا المسلسل جعلني أعود إلى مواد متنوعة مرئية ومقروءة ومسموعة متعددة حول هذه المجموعة، الطائفة، وأستزيد معرفة، لكن ما جعلني أكتب هذا المقال هو خروجي بفرضية أقول بها، إن الحشاشين ــــ وبعيداً عن السياق وما وصلت به الإنسانية حتى هذه اللحظة ـــ أخذوا أشكالا مختلفة مستحدثة متطورة من حيث الأهداف والوسائل والأدوات والسياقات وكافة المجالات وليس فقط الدينية على الصعيد العالمي.
بمعنى آخر، إذا ما أسقطنا "الحشاشين" على واقعنا العالمي والإقليمي والإسلامي والعربي ـــ والقُطري كل حسب رؤيته ـــ  فإننا سنجد المفاهيم والشخصيات وحتى التطرف الفكري والفعلي التنفيذي هو ذاته، فمن قال، إن حسن الصباح ليس موجودا؟ ومن قال، إن الاغتيالات انتهت؟ ومن قال، إن قلعة ألموت اندثرت ولم تتكاثر؟ وعلى الرغم من جدلية التسمية إلا أنه حتى "الحشيش"، المُستخرج من نبات القنب الهندي؛ مازال يفصل متعاطيه عن لحظته الآنية وواقعه المُعاش، كذلك "الحشاش" المتعاطي يكون في حالة من التوهم لحياة النعيم دون فقدان الوعي كما يظن!!
وفي حالتنا الفلسطينية وبالسياقات الجغرافية، سنجد "الحشاشين" متواجدين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة وأيضاً بالداخل يشتبكون في صراعات ومناكفات تصل لحد الدموية، والتكفير، والسرقة، والحرق، والتخوين، وبالسياق الفصائلي والحزبي، "الحشاشين" متواجدون، وبالسياق المؤسساتي متواجدون حتى داخل العائلة الممتدة، والقبيلة ستجدهم.
ربما اندثرت فرقة الحشاشين من التاريخ، لكن فرضيتي تصبح على أرض الواقع كلما قرأت عن هذه الفرقة رغم الاختلاف الزمني والأسباب والأهداف لنشأتها، إلا أنني أستطيع القول وبحزم مطلق، إن الحشاشين في صيرورة متنوعة وأساليب فكرية وأيديولوجية من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية وعقائدهم المتجددة المتغيرة لضمان تحقيق هدف واحد نفي الآخر بأي ثمن؛ ضمن شعارهم "لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح".

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.