من هو جو كينت الذي هزت استقالته أروقة إدارة ترمب؟
عربي ودولي

من هو جو كينت الذي هزت استقالته أروقة إدارة ترمب؟

صدى نيوز - شهدت أروقة الإدارة الأمريكية تحولا دراماتيكيا يُعد الأبرز منذ بدء العمليات العسكرية ضد إيران، إذ أعلن مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، استقالته من منصبه بشكل مفاجئ أمس الثلاثاء.

ولم تكن الاستقالة مجرد مغادرة إدارية، بل رسالة مباشرة إلى الرئيس دونالد ترمب لوقف الحرب على إيران، إذ وصف كينت الحرب الجارية بأنها "فخ" نُصب للإدارة الأمريكية.

ونشر كينت، الثلاثاء، نص استقالته عبر منصة إكس، مؤكدا أنه "لا يمكنه بضمير حي" دعم الحرب، مشيرا إلى أن إيران "لم تشكل تهديدا مباشرا" للولايات المتحدة، وأن قرار المواجهة جاء نتيجة "ضغوط إسرائيلية وجماعات ضغط أمريكية تابعة لها".

وحتى أمس الثلاثاء، كان كينت يشغل منصب مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الوكالة الأمريكية المسؤولة عن تنسيق وتحليل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإرهاب. وتعد استقالته أشد انتقاد عملي حتى الآن لجهود الحرب من داخل إدارة ترمب.

وفي ما يلي نرصد لكم أبرز ما نعرفه عن كينت وتداعيات استقالته على الساحة السياسية الأمريكية.

أولا: من جو كينت؟

جوزيف كينت (45 عاما) جندي سابق في القوات الخاصة الأمريكية، شارك في 11 مهمة قتالية، بينها عمليات خلال الحرب على العراق. وبعد خدمته العسكرية، عمل ضمن القوات شبه العسكرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، قبل أن يخوض العمل السياسي مرشحا جمهوريا لتمثيل جنوب غرب ولاية واشنطن في الكونغرس، حيث خسر في انتخابات 2022 و2024.

وأثار اسمه جدلا بسبب صلات سابقة بنشطاء من اليمين المتطرف، بما في ذلك دفعه أتعابا استشارية لأحد أعضاء جماعة "براود بويز" اليمينية المتطرفة، رغم حصوله على دعم الرئيس ترمب في حملاته الانتخابية.

كما فقد كينت زوجته الأولى، شانون كينت، وهي مهندسة تشفير في البحرية الأمريكية، في هجوم انتحاري بسوريا عام 2019، وهو ما استحضره في رسالة استقالته لتأكيد رفضه "إرسال جيل جديد إلى حرب لا تخدم مصالح الأمريكيين".

تولى كينت منصب مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب لأقل من 8 أشهر، بعد أن صادق مجلس الشيوخ على تعيينه في يوليو/تموز الماضي بأغلبية 52 صوتا مقابل 44، بدعم من أعضاء الحزب الجمهوري فقط.

ثانيا: من الشخصيات المقربة منه داخل إدارة ترمب؟

كانت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد رئيسة كينت المباشرة خلال فترة عمله في إدارة ترمب، وكانت من أوائل من احتفلوا بتصديق تعيينه في يوليو/تموز 2025، واصفة إياه بـ"الوطني"، ومشيرة إلى أن خبرته القتالية منحته "فهما عميقا وعمليا للتهديد المتطور للإرهاب".

وكان يُنظر إلى كينت، إلى جانب غابارد وجيه دي فانس نائب الرئيس، على أنهم جزء من فصيل داخل الإدارة يميل إلى التشكيك في التدخل العسكري الأمريكي في الخارج. لكن سرعان ما حدث بعض التحول في ذلك مع اندلاع الحرب على إيران.

من جهتها، نأت غابارد بنفسها عن استقالة كينت، مؤكدة دعمها لحملة ترمب في إيران، وذلك في تغريدة على منصة إكس، حيث شددت على أن الرئيس بصفته "القائد الأعلى" هو المسؤول عن تحديد إذا ما كان التهديد وشيكا أم لا.

والأسبوع الماضي، صرح ترمب للصحفيين بأن فانس كان "ربما أقل حماسا" بشأن ضرب إيران، لكنه أضاف أنهما باتا على "توافق تام في هذا الشأن". هذا يعني أن الحرب على إيران أدت إلى انقسام هذا الفصيل داخل الإدارة الأمريكية، حيث اختار فانس وغابارد الاستمرار في دعم نهج ترمب، بينما اختار كينت الاستقالة ومعارضة الحرب.

ثالثا: لماذا استقال كينت بسبب الحرب على إيران؟

أعلن كينت استقالته احتجاجا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مؤكدا أنه "لا يمكنه بضمير حي" دعمها. واعتبر أن إيران لم تشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، وأن قرار الحرب جاء نتيجة ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية التابعة لها.

وأشار في خطاب استقالته إلى أنه يؤيد أجندة السياسة الخارجية التي دافع عنها ترمب خلال حملاته الرئاسية الثلاث الأخيرة. وأوضح كينت أن الرئيس الأمريكي كان قد تعهد بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن "الحروب التي لا تنتهي"، مثل تلك التي اندلعت في العراق وأفغانستان، لكنه يعتقد أن الإدارة قد انحرفت عن هذا المسار بشنها حربا على إيران.

وكتب كينت: "حتى يونيو/حزيران 2025، كنت تدرك أن الحروب في الشرق الأوسط كانت فخا سلب أمريكا أرواح أبنائها واستنزف ثروة وازدهار أمتنا".

كما حذر من تكرار أخطاء حرب العراق، متهما ما وصفها بـ"غرفة صدى" إعلامية وسياسية بتضليل الرئيس بشأن طبيعة التهديد الإيراني، كما اتهم القادة الإسرائيليين بإقحام الولايات المتحدة في حرب العراق، حيث قال: "كانت هذه كذبة، وهو التكتيك نفسه الذي استخدمه الإسرائيليون لإقحامنا في حرب العراق الكارثية التي كلفت أمتنا أرواح الآلاف من أفضل رجالنا ونسائنا. لا يمكننا أن نكرر هذا الخطأ مرة أخرى".

واستشهد كينت بتجربته الشخصية، بما في ذلك مقتل زوجته في سوريا، لتأكيد مخاطر الانخراط في حروب لا تخدم المصالح الأمريكية.

وبصفته عسكريا مخضرما، قال كينت إنه قلق أيضا من خطر اندلاع حرب كبرى أخرى في الشرق الأوسط.

رابعا: ما أبرز ردود الفعل على استقالة كينت؟

أثارت رسالة كينت انقساما واضحا داخل الحزب الجمهوري، حيث اعتبره البعض موقفا متمسكا بالمبادئ، في حين هاجمه آخرون واتهموه بالافتقار إلى الخبرة وخيانة الرئيس.

وجاء الرد الأبرز من الرئيس ترمب، الذي انتقد كينت خلال ظهور في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، قائلا: "لطالما اعتقدت أنه رجل لطيف، لكنني لطالما اعتقدت أنه ضعيف في الشؤون الأمنية"، مضيفا: "من الجيد أنه رحل، لأنه قال إن إيران لا تشكل تهديدا".

كما رفضت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت تصريحات كينت، ووصفتها بأنها "مهينة ومثيرة للسخرية".

وفي الكونغرس، اعتبر رئيس مجلس النواب مايك جونسون أن تقييم كينت بعدم وجود تهديد إيراني وشيك هو "خطأ واضح"، وهو الموقف الذي كرره السيناتور توم كوتون، الذي شكر كينت على خدمته، لكنه شدد على عدم اتفاقه مع "تقييمه الخطأ" بشأن إيران.

في المقابل، أشاد الإعلامي الأمريكي اليميني تاكر كارلسون -في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز– بقرار كينت، معتبرا أنه "أشجع رجل" يعرفه، ومشيرا إلى أنه تخلى عن منصب يتيح له الوصول إلى أعلى مستويات المعلومات الاستخباراتية، رغم إدراكه أنه سيتعرض لهجوم من التيار المحافظ الجديد.

خامسا: لماذا اتُهم كينت بمعاداة السامية؟

لم تغب تصريحات كينت التي حمّل فيها إسرائيل جزءا من مسؤولية دفع الولايات المتحدة نحو الحرب عن أنظار منتقديه، إذ اعتبروا أنها تنطوي على إيحاءات معاداة السامية، من خلال تصوير القادة الإسرائيليين كجهة تمارس نفوذا مضللا على القرار الأمريكي.

وكان النائب الجمهوري دون بيكون في مقدمة المنتقدين، إذ كتب على منصة إكس أن "معاداة السامية شر أكرهه، ونحن -بالتأكيد- لا نريده في حكومتنا".

كما اتهم النائب الديمقراطي جوش غوتايمر كينت بتحويل إسرائيل إلى "كبش فداء" والانخراط في "مجاز معادٍ للسامية ومبتذل"، معتبرا أن اختزال الحرب على أنها "خطأ إسرائيل" يمثل "تحريفا متعصبا" وليس سلوكا قياديا.

سادسا: هل يمكن أن تؤثر استقالة كينت على سياسة ترمب تجاه إيران؟

يرى محللون أن استقالة كينت تمثل انتقادا داخليا غير مسبوق لسياسات الحرب الأمريكية، لكنها ربما لا تؤدي بمفردها إلى تغيير مباشر في الإستراتيجية العسكرية.

وقال بول كويرك، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا البريطانية، إن رحيل كينت يوضح كيف أن تصرفات ترمب "تتعارض مع نصيحة خبراء الجيش والاستخبارات والشؤون الخارجية المعنيين في الحكومة". لكنه أضاف أنه متشكك في مدى التأثير الذي سيحدثه كينت بمفرده على عملية صنع القرار لدى ترمب.

وأضاف: "بالعادة، تشكل استقالة شخصية رفيعة المستوى، إلى جانب التناقض الصريح مع مبررات الرئيس لاتخاذ قرار هام، ضربة قوية للرئيس وإدارته.. من شأن ذلك أن يدفع أعضاء الحزب نفسه في الكونغرس إلى الطعن في قرار الرئيس وسحب دعمهم أو تقييده".

وتأتي استقالة كينت وسط انتقادات شديدة بالفعل لحملة الإدارة الأمريكية على إيران، حيث أوضح كويرك أن "تصريح كينت ما هو إلا إضافة جوهرية إلى ما كان بالفعل جبلا من الأدلة على أن مبررات ترمب لمهاجمة إيران كانت واهية، وأن الحرب شُنّت بتهور ودون تخطيط. من المحتمل أن يكون لاستقالة كينت تأثير كبير على التأييد لترمب وللحرب، لكن الأمر سيكون مثل القشة التي قصمت ظهر البعير".

سابعا: كيف سينظر الناخبون إلى هذه الاستقالة؟

في حين أنه من غير المرجح أن تُغير استقالة كينت الإستراتيجية العسكرية الأمريكية، يقول المحللون إنها قد تحمل عواقب سياسية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة.

ويرى مراقبون أن انتقاد شخصية محسوبة على التيار الداعم للرئيس ترمب قد يؤثر على مستوى التأييد داخل بعض الأوساط اليمينية.

 كينت يحظى بمكانة بارزة داخل قاعدة حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" (ماغا) التابعة لترمب، وهو ما يجعل مواقفه من الحرب على إيران مؤشرا على خيبة أمل أوسع نطاقا بين أنصار ترمب.

"انتقادات كينت للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مهمة للغاية، لأنه ليس مجرد شخصية بيروقراطية عادية عينها ترمب. إنه محارب قديم خدم عدة مرات في القوات الخاصة وكان دائما من أشد المؤيدين لترمب وحركة ماغا. إن اتهام شخصية مثل هذه لإسرائيل بالتأثير على ترمب للدخول في الحرب بمعلومات كاذبة هو تصريح شديد اللهجة قد يؤثر على الدعم الذي يحظى به الرئيس في أوساط بعض الجماعات اليمينية".

وفي ما يلي نص رسالة استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت:

بعد تفكير طويل، قررت الاستقالة من منصبي مديرا للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، ابتداء من اليوم.

لا يمكنني بضمير حي أن أؤيد الحرب الجارية في إيران. لم تشكل إيران أي تهديد وشيك لأمتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب الضغوط التي مارستها إسرائيل وجماعة الضغط الأمريكية القوية التابعة لها.

أنا أؤيد القيم والسياسات الخارجية التي ركزتَ عليها في حملاتك الانتخابية في أعوام 2016 و2020 و2024، والتي قمت بتنفيذها خلال ولايتك الأولى. حتى يونيو/حزيران 2025، كنت تدرك أن الحروب في الشرق الأوسط كانت فخا سلب أمريكا أرواح أبنائنا الأعزاء واستنزف ثروة وازدهار أمتنا.

في إدارتك الأولى، أدركت أفضل من أي رئيس حديث كيف تستخدم القوة العسكرية بشكل حاسم دون أن تورطنا في حروب لا تنتهي. وقد أثبتت ذلك بقتل قاسم سليماني وهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

في بداية ولاية هذه الإدارة، شنّ مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى وأعضاء مؤثرون في وسائل الإعلام الأمريكية حملة تضليل إعلامي قوّضت تماما برنامجكم "أمريكا أولا" وزرعت مشاعر مؤيدة للحرب لتشجيع شنّ حرب على إيران. وقد استُخدمت غرفة الصدى هذه لخداعكم وجعلكم تعتقدون أن إيران تشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، وأنه في حال قمتم بضربها الآن، فسيكون الطريق مفتوحا أمامكم لتحقيق نصر سريع. كانت هذه كذبة، وهو التكتيك نفسه الذي استخدمه الإسرائيليون لإقحامنا في حرب العراق الكارثية التي كلفت أمتنا أرواح آلاف من أفضل رجالنا ونسائنا. لا يمكننا أن نكرر هذا الخطأ مرة أخرى.

بصفتي محاربا قديما شارك في 11 عملية قتالية، وزوجا حائزا على نجمة ذهبية فقد زوجته الحبيبة شانون في حرب صنعتها إسرائيل، لا يمكنني أن أؤيد إرسال الجيل القادم للقتال والموت في حرب لا تخدم مصلحة الشعب الأمريكي ولا تبرر تكلفة الأرواح الأمريكية.

أدعو إلى أن تفكروا فيما نفعله في إيران، ولمن نفعله. حان وقت اتخاذ إجراءات جريئة. يمكنكم تغيير المسار ورسم طريق جديد لأمتنا، أو يمكنكم السماح لنا بالانزلاق أكثر نحو الانحدار والفوضى. الأوراق في أيديكم.

كان شرفا لي أن أخدم في إدارتكم وأن أخدم أمتنا العظيمة.

جوزيف كينت

مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب

المصدر: الجزيرة