صدى نيوز - خلف الأبواب الموصدة تجري صفقات تهريب الأدوية التي لا تخضع للمراقبة ولا الفحص النوعي، كشفت التسريبات أن أبناء الزعماء في الميليشيات المسلحة يتقاسمون أرباح الأدوية المغشوشة، والدولة العراقية تدرك ذلك، لكنها تتصادم مع الملثمين من الذين يهددون الضباط في المنافذ الحدودية والجمارك.
وكانت عمليات تهريب الأدوية في العراق، التي تقوم بها جهات سياسية تحت حماية جماعات مسلحة، قد أطاحت وزير صحة سابقاً، هرب من البلاد بعد أشهر من تسلمه منصبه خوفاً من انتقام تلك الجهات، بعد كشفه جانباً من عمليات التهريب.
وبين حين وآخر تعلن الحكومة إحباط عمليات تهريب الأدوية من خارج الحدود وبخاصة من إيران التي تواجه عقوبات شديدة من الولايات المتحدة، فيما تبدو الأدوية التي تُضبط، أقل بكثير من التي تتسرب إلى داخل البلاد.
أكبر عمليات التهريب
شهد عام 2020 أكبر عمليات ضبط تهريب أدوية إلى العراق، حيث أعلنت السلطات في محافظة البصرة ضبط نحو 50 طناً من الأدوية غير صالحة للاستهلاك في ميناء أم قصر الأوسط، ما أدى إلى وفاة 150 شخصاً بسبب الأدوية المغشوشة في المستشفيات الحكومية في المحافظة، والتي انتقدها الأطباء بشكل صريح، وأصروا على محاسبة المهربين ومن يحميهم.
وقال مستشار جهاز الأمن الوطني العراقي قاسم الأعرجي: "بناءً على معلومات استخبارية وموافقات قضائية تمكنت مفرزة من الجهاز من ضبط حاويتين محملتين بأدوية مختلفة من دون أوراق أصولية تقدر كميتها بـ50 طناً غير صالحة للاستهلاك البشري، وذلك بسبب حرارة الأجواء، علاوة على أن الحاوية غير مبردة ومغطاة بقرطاسية وأجهزة منزلية داخل الحرم الجمركي التابع لميناء أم قصر الأوسط".
ويضيف الأعرجي "كما ضبطت القوات الأمنية أكثر من 30 طناً من الأدوية المهربة في منطقة القادسية في غرب العاصمة بغداد، وهذه العمليات من تهريب الأدوية أحياناً تدخل من منافذ رسمية، لكن من دون علم وزارة الصحة".
ويوضح في حديثه أن "ذلك يجري حين يتم إخفاء الأدوية المهربة مع مركبات أخرى، حينها تدخل الشحنة بشكل رسمي، وأن مافيات من جماعات مسلحة تابعة لأحزاب سياسية تسيطر على قطاع الأدوية الصحية في العراق، حيث شهدنا تصاعداً في حالات الوفاة بسبب تعاطي أدوية فاسدة، وعندما يتم فتح التحقيقات تتدخل أطراف حزبية في داخل البرلمان لتغلق هذه القضايا الخطيرة، وتبرّئ المهربين والشركات المتورطة".
من جانب آخر أفادت الاستخبارات العسكرية بإحباط إحدى أبرز عمليات تهريب للأدوية من الحدود السورية إلى العراق عبر محافظة نينوى.
وبخصوص ذلك يصرّح ضابط برتبة عميد في الاستخبارات، ويقول: "ضمن جهود الاستخبارات لتعظيم واردات الدولة وإحباط عمليات التهريب والإضرار بالاقتصاد العراقي، وبمعلومات استخبارية ومتابعة دقيقة، تمكنت مفارز قسم الاستخبارات العسكرية في قيادة عمليات نينوى واستخبارات الفوج الثاني من لواء المغاوير من إحباط أكبر عملية تهريب للأدوية بين منطقة ربيعة ومحافظة الحسكة على الحدود السورية العراقية".
ويتابع العميد: "الأدوية كانت تُنقل من خلال 19 شاحنة، تحمل 40 طناً من الأدوية المهربة بطريقة غير قانونية عبر سلوك طرق منفذ ربيعة للتهرب من الرسم الجمركي، وقد بلغ إجمالي تكلفة الأدوية 500 مليون دولار. لذلك يجب على السلطات أن تتعامل بطريقة جريئة وتحاسب الميليشيات التي تسيطر على المنافذ الحدوية، لأن هناك جنوداً تابعين لنظام بشار الأسد يشرفون على عمليات تهريب الأدوية من إيران، ونحو سوريا وصولاً إلى الأراضي العراقية، عبر أيادي فصائل مسلحة تمثل الجناح العسكري لأحزاب سياسية في العراق".
إيران متورطة في تهريب الأدوية
كشف مراقبون عن أن عمليات تهريب الأدوية الإيرانية إلى العراق تقوم بها جهات سياسية تحت حماية الميليشيات المسلحة، التي تساعد طهران على التخفيف من أثر العقوبات الأمريكية.
وقد أعلنت السلطات مرات عديدة عن حملات كبيرة لضبط الأدوية المهربة، وصل حجمها إلى نحو 100 طن، حيث ضبطت 25 شاحنة أدوية من إيران في محافظة ديالى، سلكت منافذ غير رسمية.
من جانبه، يكشف مسؤول محلي في مجلس محافظة ديالى، بالقول: "هناك مناطق فارغة بين الحدود العراقية والإيرانية شرق ديالى، لا تتواجد فيها قوات أمنية، وغالباً ما تُستغل للتهريب".
ويتابع المسؤول: "يبلغ طول الشريط الحدودي بين العراق وإيران أكثر من 1400 كيلومتر، وهي أطول سلسلة حدود تربط العراق مع جيرانه، فيما تلعب الخلافات السياسية في البلاد دوراً في عدم ضبط الحدود، ما يساعد على رواج تجارة التهريب، لذلك نجد تسابق الأحزاب السياسية لنيل رضا إيران وكسب تأييدها، لأن ذلك يدّرُ على الشخصيات العراقية أموالاً طائلة ويضمن لهم الحماية الأمنية".
كما يضيف المسؤول وهو عضو في مجلس محافظة ديالى "منذ دخول تنظيم داعش إلى العراق، صيف 2014، وما تلتها من تغيّرات سياسية وأمنية، جرى ترك فراغ كبير خصوصاً بعد انسحاب القوات الكردية "البيشمركة" إلى داخل كردستان، في أكتوبر/تشرين الأول 2017، وزاد الأمر من تجارة تهريب الأدوية".
ويستمر في حديثه "يسيطر على مناطق شرق ديالى المحاذية لإيران عدد من الفصائل المسلحة، أبرزها تنتمي إلى حركة عصائب أهل الحق ومنظمة بدر وسرايا السلام، التي انتشرت بعد انسحاب البيشمركة، حيث تأخذ هذه الفصائل المسلحة أوامرها من جنرالات تابعة للحرس الثوري الإيراني، حيث تساعد هذه الفصائل المسلحة طهران في تجاوز تبعات العقوبات الأمريكية مقابل مشاركتها في أرباح تهريب الأدوية".
إسرائيل تبيع الأدوية في العراق
بحسب أحد تجار الأدوية، فإن "كبار التجار المهربين يشترون كميات كبيرة من الأدوية من رومانيا، ويدخلونها إلى ميناء سدود عبر المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، ثم تصل إلى خليج العقبة في الأردن نحو ميناء البصرة في الأراضي العراقية، حيث تصل حجم صادرات الأدوية المهربة لما يقارب الـ700 مليون دولار شهرياً.
ويضيف التاجر العراقي أن شركة "تيفا" الإسرائيلة عرضت على بعض التجار في السوق المحلي عن طريق وساطات سياسية رفيعة المستوى، واستخدمت شركات خليجية كغطاء للتهرب من الملاحقات القانونية، ولكن الصفقات التجارية تجري ويتم تهريب الأدوية إلى العراق تحت إشراف زعماء في الفصائل المسلحة على حدود القائم في محافظة الأنبار.
ورغم استمرار بيع الأدوية الإسرائيلة فإن في بعض الأحيان يتم كشف الشحنات، حيث يصرّح مدير قسم الكشف الصحي في الهيئة العامة للجمارك في العراق لـ"عربي بوست" قائلاً: "استطعنا مصادرة أدوية بشرية إسرائيلية المنشأ في مطار بغداد الدولي، نهاية شهر يوليو/تموز 2020، فقد أتلف مركز جمارك الشحن الجوي في مطار بغداد الدولي إرسالية (شحنة) أدوية بشرية تضم مواد مختبرية إسرائيلية المنشأ ممنوعة من الاستيراد ومخالفة للضوابط والتعليمات".
بعد كشف صفقات تهريب الأدوية الإسرائيلية إلى العراق، تصاعدت خطابات في البرلمان العراقي بالتنديد من التعامل التجاري مع إسرائيل، حيث اعتبروه خطوة من التطبيع. ولكن بالرغم من ذلك فقد صرّح سفير العراق في واشنطن فريد ياسين بأن "هناك أسباباً موضوعية قد تدعو إلى تطوير العلاقات مع إسرائيل".
أثارت التسريبات موجةً من الغضب عند السياسيين في الحكومة، حيث طالب عضو لجنة النزاهة النيابية عن كتلة سائرون النيابية، جواد الساعدي، بتشكيل لجنة تحقيقية عاجلة للكشف عن مصدر الجهة المستوردة للأدوية القادمة من إسرائيل.
حيث يتحدث الساعدي بالقول: "تلقينا باستغراب واستهجان شديدين نبأ ضبط أدوية من منشأ إسرائيلي في الأسواق المحلية العراقية، ونطالب بالإفصاح عن الكيفية التي تم من خلالها إدخال هذه الأدوية إلى البلاد، مشدداً بحسب تعبيره "هذه الحادثة تشير إلى تواطؤ جهات سياسية عراقية بملف تهريب الدواء الإسرائيلي إلى العراق، وعلى هيئة النزاهة إجراء تحقيق عاجل، لأن هذه القضية حساسة للغاية، وتحمل بين طياتها خبايا وأسراراً يجب أن يعرفها الرأي العام".
ويتهم "وزارة الصحة بتعمدها إهمال الشركة العامة للصناعات الدوائية الحكومية التي تغطي في أحسن الأحوال نحو 5% من الاحتياج الكلي للأدوية، لبلد قوام سكانه 40 مليون شخص"، مبيناً "تضم الشركة العامة للصناعات الدوائية 5 مصانع، هي أدوية سامراء والمحاليل الوريدية في نينوى والغازات الطبية في بغداد والمحاقن في بابل وأدوية نينوى، ولكن أغلبها خارج الخدمة، وتعاني نقصاً كبيراً في الكادر الصحي والرقابي النزيه، وكل ذلك كي يتم فتح المجال لاستيراد وتهريب الأدوية وجني الأموال لصالح زعامات سياسية حزبية في البلاد".
ورداً على سؤال عن المستشفيات المبنية بعد 2003، يؤكد عضو لجنة النزاهة بحسب تصريحه "الحكومة صرفت أموالاً لبناء 15 إلى 20 مستشفى كبيراً يتسع لـ400 إلى 600 سرير في العراق، لكن لم تدخل منها للخدمة سوى أقل من 3 إلى 4 مستشفيات فقط، سواء بسبب سوء الإدارة أو الأزمة المالية أو تلكؤ الشركات، في حين كان يفترض إكمالها قبل 5 سنوات، والعراق بحاجة لأضعاف هذا العدد".
ويذكر أن "المبلغ الكلي المخصص لوزارة الصحة هو أقل من 5% من الموازنة، وهذا قليل"، مبيناً أن "هناك فساداً في بعض مفاصل وزارة الصحة، يقارب 30 إلى 40% من بعض الحالات".
المصدر: عربي بوست