كتب رئيس التحرير: يتشبّثُ نتنياهو بورقة الضم كقطٍّ يُمسك قطعة لحم، من المستحيل أن يتركها وهو يعلم أن حياته السياسية معلقة ومرتبطة فيها كتوأم سيامي، فبقاؤها واستمرارها ونجاحها هو استمرار لمشوار "بيبي" على كرسي رئاسة وزراء إسرائيل، وفشلها واندثارها إعلان وفاةٍ سياسية له.

تحاول إسرائيل عصر أيام ترامب الأخيرة في سدة الحكم قبل الانتخابات القادمة، والتي يُمكن أن تُقصي "مجنون أمريكا" عن الحكم، فتل أبيب قالتها علانية إن ترامب هو أفضل رئيس أمريكي بالنسبة لها، بعد سلسلة القرارات الصهيونية بامتياز التي وقعها ترامب، ابتداء من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلى صفقة القرن، ومشروع الضم.

يمتلك نتنياهو العديد من الخيوط التي يُمكن أن يلعب عليها لاستمرار حياته السياسية، وإطالة فترة حكمه، أولها الذهاب إلى انتخابات رابعة، وهو يعلم أن حظوظه فيها ستكون أقوى بكثير من المرات الثلاث الماضية، لأسباب عديدة، من بينها مشروع الضم، وقد صرح بذلك نتنياهو علانية حين خير غانتس بين خيارين: إما الضم أو انتخابات رابعة.


غانتس الذي يدرك تماماً أن حزبه أزرق أبيض انتهى بسبب تحالفه مع نتنياهو، عاد ليتراجع عن موقفه الرافض للضم، وقال في أكثر من مُناسبة أنه لا يعارض الضم وإنما توقيته وإجراء تنسيق مع كل الأطراف مثل أمريكا وأوروبا وحتى العرب، وقال إذا كان الفلسطينيون لا يريدون التفاوض حول تنفيذ الضم فسنستمر به وحيدين، وحاول سحب البساط من تحت أقدام نتنياهو ومنعه من خيار الذهاب للانتخابات.

الخيار الثاني وهو واقع تصريحات نتنياهو وغانتس تنفيذ قرار الضم رغم ما سيواجه هذا القرار من رد رسمي وشعبي أو عربي وخاصة الأردن ومصر وبعض الدول التي بدأت في التطبيع ودون الإكتراث بالحضور والرفض الدولي الذي تَجّمع في مهرجان أريحا وأكد على مواقف دُول العالم الخجول الرافض سابقاً لهذا القرار سواء الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي وروسيا واليابان والصين والأردن.

المؤسف هنا هو ضُعف المشاركة الشعبية في المهرجان بسبب وجود فجوة كبيرة بين الشارع والقيادة والفصائل، والتي زاد من حِدتها مرسوم الوزراء وزيادة رواتبهم وترقيات وزارة الصحة التي تفتقر للمعاير وتخالف القانون دون اكتراث القيادة بغضب الشارع ومطالبه والتي حرفت الجهد والغضب بعيداً عن  قرار الضم، حيث أن من حضروا مهرجان أريحا معظمهم من الكشافة والنوادي وأفراد الأجهزة الأمنية وموظفون حكوميون حُمِلوا بالباصات ملزمين لا مخيرين، رغم أن قرار الضم يواجه رفضا شعبيا شاملا وتصاعد الفعاليات والإشتباكات مسألة وقت، على الرغم من عدم استعداد الشارع الفلسطيني لإنتفاضة جديدة، وتجنب إسرائيل لهذا الاحتمال، وعدم رغبة أمريكا به في هذا الوقت بسبب وجود جبهات أخرى أهم لأمريكا وإسرائيل إستراتيجياً كسوريا وإيران.

نتنياهو شاهد تصاعد الرفض الدولي على خطة الضم، لكنه يدرك ضُعف هذا الرفض وعدم جديته، رغم قوة تصريحات بعض الممثلين للمرجعيات الدولية  لفظياً مثل تصريحات ممثل الأمم المتحدة الذي قال: أنتم لستم مستأجِرون لبيوتكم وأرضِكم .. هذا وطنكم وأنتم أصحاب الأرض والبيت والباب والمفتاح، فلا تقولوا لمرة واحدة سنسلم المفتاح، وفيها أيضاً رسالة للقادة الفلسطينيين أن وجود السلطة تم بناء على قرار أممي، وتبعها اليوم توقيع 1080 عضواً برلمانياً من 25 دولة بما فيهم برلمانيين إسرائيليين إعتبروا قرار الضم مخالفا للقوانين الدولية وينسف عملية السلام وحل الدولتين وإن هذه السياسة الإسرائيلية سوف تتحدى بشكل كبير أهم المعايير الأساسية للعلاقات الدولية، ونتنياهو وإسرائيل لا يكترثون بردات فعل دُول العالم والتي مهما كانت ستظل محدودة وغير مؤثرة ومحدودة بزمن.

ملك اللعبة الآن هو نتنياهو، فهو يمتلك جميع الأوراق الرابحة، ومعه كل المفاتيح وسيتخذ القرار وِفق رؤيته، سواء الخيار الأول أو الخيار الثاني ما لم يواجَه بقوة مقابلة والتي هي غير موجودة، والضعف الفلسطيني ويزيده الانقسام بين شطري الوطن وأيضا بين فصائل منظمة التحرير نفسها، وممارسات القيادات في الضفة وغزة التي توسع الفجوات مع الشارع دون شعور حقيقي بالخطر المحدق، ليبقى قرار الضم ومفاتيحه بيد نتنياهو وحزبه.