في 15 يناير (كانون الثاني) من عام 2017 بدأ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما متعالياً كما يليق برجل دولة وهو يسلم الرئاسة لخلفه الرئيس ترمب، الرجل الذي يعرف الجميع أنه يمقته وحوّله إلى هدف للسخرية في برامج «التوك شو». في اللقاء الشهير مع الصحافيين أذله أمام الحشود لمجرد جرأة ترمب على التفكير أنه سيصبح يوماً رئيساً مثله.
لكننا في الواقع لم نكن نرى إلا السطح. قبل هذا التاريخ بنحو أسبوعين، تحديداً في 5 يناير عقد اجتماع بقيادة أوباما، وحضره نائبه بايدن، وسوزان رايس مستشارته للأمن القومي، وجيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية، وكان هدفه الإيقاع بمستشار ترمب للأمن القومي مايكل فلين.
في نص الإيميل السري المكتشف حديثاً يدور حديث حول علاقة غير عادية بين فلين والسفير الروسي في واشنطن، ويطالب الرئيس بالبحث أكثر في هذه العلاقة، ويسأل إذا كان عليهم وقف أي معلومات تتعلق بروسيا للفريق الذي سيحل مكانهم. لم يُشر كومي إلى أي معلومات أو دلائل، لكنه تحدث عن تواصل غير معتاد بين الرجلين.
من هذا الاجتماع تحديداً انطلقت عملياً قصة التواطؤ الروسي مع إدارة ترمب، وهي في الواقع عملية صيد ساحرات انتخابية ذكية، بدأت مبكراً لتلطيخ صورة الرئيس القادم وفريقه وتصويرهم على أنهم عملاء لروسيا وإلقاء ظلال قاتمة من الشكوك على نزاهة الإدارة الجديدة. رغبات سياسية نفذت بأدوات استخباراتية وعبر دعايات إعلامية. مؤخراً كشف عن مذكرة أعلن فيها مسؤول كبير في «إف بي آي» عن النوايا الصريحة للإطاحة بمستشار الأمن القومي الجديد. كتب فيها: «اطردوا فلين... إما بجعله يعترف أو دفعه للكذب»، هذا ما حدث بالضبط حيث غادر فلين منصبه بعد أقل من شهر من عمر دخول فريق ترمب لمكاتبه.
لقد ألقيت حينها أول رشقة من الوحل على سمعة الإدارة الجديدة. انطلقت بعدها التسريبات الاستخباراتية لوسائل الإعلام بشكل مكثف. بعدها بأسابيع قليلة عرضت قناة «سي إن إن» قصة مثيرة، ولكن لمذكرات مفبركة عن علاقة ترمب بالروس، اختلقها ضابط استخبارات بريطاني سابق اسمه كريستوفر ستيل. المذكرات تضم حزمة من الادعاءات المريبة، أحدها عن فيديو لترمب في ليلة حمراء قضاها مع عاهرات في أحد الفنادق. التسجيل، كما زعمت المذكرات، بحوزة الروس حيث يقومون بابتزاز الرئيس الأميركي وتنفيذ أجندتهم من داخل البيت الأبيض. انطلقت بعدها حملة طويلة من الاتهامات لم تنتهِ رسمياً إلا بعد تحقيق روبرت مولر الذي كشف أنه لا يوجد أي دليل على تواطؤ بين الروس وإدارة ترمب، وكل حفلات المجون مجرد خدع مدبرة لا أساس لها.حملة ذكية عنيفة وقاسية انطلقت من ذلك الاجتماع بطريقة مهذبة، استخدم فيها الجنس وتهم العمالة والخيانة. نتذكر الآن أن كل أعضاء إدارة أوباما شاركوا في هذه الحملة. جون برينان رئيس الاستخبارات الذي يرفض حتى الآن أن تخرج من فمه كلمة «الرئيس ترمب» اتهمه صراحة بارتكاب خطيئة الخيانة الوطنية بعد اللقاء الشهير مع بوتين في هلسنكي. كل كلاب الحراسة للعقيدة الأوبامية قاموا بعملهم على أكمل وجه في جعل التواطؤ الروسي مسألة مصيرية عند الشعب رغم معرفتهم أنها غير حقيقية لكنهم مخلصون لرئيسهم وأصحاب عقيدة. من جهة أخرى، هناك هدف حزبي مبرر ومفهوم، جعل خصمهم ينزف حتى يصبح فريسة منهكة في موسم الانتخابات. لم تنجح الخطة، لكن الآن نسينا كل شيء بعد جائحة «كورونا» التي أضعفت الرئيس ترمب، رغم نجاحه الاقتصادي.
كل ما سبق يوصلنا للنقطة الأهم حالياً؛ حيث نشهد هذه الأيام الظهور الحقيقي للرئيس أوباما، بعدما كان متخفياً خلف رجاله طيلة هذه السنوات. فقد اختار الوقت المناسب للدخول شخصياً في حملة بايدن للإطاحة بترمب بطريقة تكسر البروتوكول؛ حيث يفضل الرؤساء السابقون البقاء بعيداً عن الصراع الحزبي للمحافظة على قيمة الرئاسة وصورة الرئيس.
من قصة اجتماع 5 يناير للإطاحة بفلين حتى التسريبات الاستخباراتية، ومؤخراً «كورونا» ودخول الرئيس السابق شخصياً في الصراع، نرى حقيقة الصراع الفعلي بين المدرستين، وهذا هو ما يهمنا في هذه المنطقة. ترمب أسقط عملياً كل المشروعات التي أسس لها أوباما ورجاله في المنطقة، وحطم إرثهم السياسي وحدّ من مدّهم الآيديولوجي اليساري. لنتذكر أن الاتفاق النووي وسليماني جثتان هامدتان. لكن الآن أوباما وفريقه وجدوا فرصة سانحة بمساعدة لا تقدر بثمن من الخفاش الميت في ووهان للانتقام وإعادة الساعة 4 سنوات للوراء. ولهذا بدأت قصة الاجتماعات السرية في الغرف المغلقة والمذاكرات الاستخباراتية، لكن الأقنعة أزيحت الآن على مرأى العالم، وسنشهد 6 أشهر قادمة ملتهبة، فلنستعد.