كتب رئيس التحرير: معظم البنوك العاملة في فلسطين تأسست أو وَفَدَت بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، للاستثمار وتحقيق الأرباح. جميع هذه البنوك مرتبطة بأنظمة وقوانين ولوائح عالمية، اقتصادية وأمنية، أصبحت تُعرف بـ"إجراءات لمحاربة الإرهاب".

البنوك الآن هي "بوز المدفع" لحرب تشنها إسرائيل -منذ اعتقالها لأول فلسطيني- على الأسرى، تعذيب داخل الزنازين، منع للزيارات، حجر للمخصصات، خصم لقيمة رواتبهم من المقاصة الفلسطينية، إجراءات على صعيد دولي تمثلت بالضغط على دول عديدة لوقف دعمها لفلسطين، بحجة أن الأموال التي تدفع للسلطة تذهب لـ"إرهابيين"، ليس هذا فحسب، بل استخدمت إسرائيل ذراعها القذرة "المستوطنون" لرفع دعاوى على السلطة في محاكم الاحتلال، والتي حجزت قبل أيام 450 مليون شيقل كتعويضات لمستوطنين تضرروا من عمليات نفذها فلسطينيون، هذا عدا عن القضايا التي رفعت على مستوى العالم ضد بنوك فلسطينية لأن عملاءها أسرى وأسر شهداء.

الحرب التي تُشن على الأسرى ليست "ابنة اليوم"، إنها أطول عُمراً من السلطة، لكن مواجهة هذه الحرب وللأسف تتم ارتجالاً، دون تخطيط ودون استراتيجية بعيدة المدى، حيث كان على القيادة والفصائل وسلطة النقد وكل من له دخل بالموضوع أن تكون في خططه وحساباته يوماً كهذا، يومَ يُرسَل أمر عسكري إسرائيلي إلى البنوك مطالباً إياها بعدم التعامل مع الأسرى وتجميد حساباتهم.

أين الخطط والتكتيكات والاستراتيجيات؟ أين القيادة الفلسطينية والحكومة وأين الجهات الرسمية المختصة بالأسرى وأين الفصائل؟ أينَهم وقد فات قطارُ تدارك الملف أو يكاد!

قطعاً، لن تكون البنوك قادرة على مواجهة إسرائيل ومحاكمها "الصورية"، قطعاً لن تكون قادرة على مواجهة النظام الاقتصادي الذي ترأسه أمريكا، والتي تُمسك بزمامه من الألف إلى الياء، لدرجة أنه إذا أصيب ترامب بالمغص تتأثر الفائدة التي يدفعها الفلسطيني على قرضه!

هل يغامر المدراء والموظفون في البنوك بخطر الاعتقال لمدة تصل لسبع سنوات إذا خالفوا الأمر العسكري الإسرائيلي؟

على البنوك واجب التعاون مع الجهات المعنية قدر الإمكان بعيداً عن تحميلها فوق طاقتها، ومعركتنا لمواجهة هذا الأمر العسكري مع الاحتلال وليس مع البنوك، ومن المهم والاستراتيجي عدم حرف البوصلة وجلد الذات والمس بالبنوك وحرقها أو تخريب ممتلكاتها، فالبنوك ضحية ككل فلسطيني تحت الاحتلال.

المس والإضرار بالبنوك العاملة في فلسطين هو هدف إسرائيل بالأساس، فهي التي تسعى ليل نهار لتدمير أي أمل في تأسيس نظام اقتصادي فلسطيني أو بيئة تسمح لبناء دولة، المس بالبنوك يعني تدير اقتصاد البلد الذي بُنبي على لحم ودم الشهداء.

لفت انتباهي منذ يوم أمس تصريحات لمسؤولين في حركة فتح وبعض الفصائل تطالب البنوك بالتراجع عن قرار تجميد حسابات الأسرى، وكأن البنك هو من قرر ونفذ، أليست إسرائيل هي من هددت جميع البنوك بالإغلاق وإتهامها بدعم الإرهاب وحتى وصل التهديد لإعتقال موظفيها؟

لماذا يحاول البعض التخلي عن مسؤولياتهم؟ أليست البنوك خاضعة لحكم السلطة الفلسطينية؟ لماذا لا تقوم السلطة بحماية البنوك من هذه التهديدات؟ لماذا تُركت البنوك وحدها أمام قرارات الحكومة الاسرائيلية؟

المسؤولية تقع على عاتق القيادة والحكومة الفلسطينية وسلطة النقد والمؤسسات التي تُعنى بالأسرى لوضع حلول لمواجهة البلطجة الاسرائيلية من خلال منع ذلك أو خلق بدائل تضمن حياة كريمة لأبطالنا الأسرى. التصرفات الفردية وردود الأفعال الشخصية ستنعكس بشكل سلبي على الأسرى أولاً وعلى شعبنا ثانيا.

إن الخطير في القرار العسكري بحق البنوك هو أن بين طياته قرار بالعودة إلى الحكم العسكري "ع المكشوف" للضفة الغربية، من خلال تحكمه حتى بالبنك الذي يعمل في أراضي السلطة الوطنية وبالتالي لم يعد للسلطة أي وجود!

على قيادة منظمة التحرير الدفاع ليس فقط عن الأسرى وإنما عن مشروع الدولة والسيادة فمن هنا تكون البداية والباقي تفاصيل وهوامش.