صدى نيوز - بعد أيام من زيارة مستشار رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية أمجد فريد إلى تركيا، يبدأ وزير الخارجية محيي الدين سالم اليوم الثلاثاء زيارة إلى أنقرة تستمر يومين يتوقع مراقبون تفعيل عدة اتفاقيات سابقة وإنشاء مجلس أعلى للتعاون الإستراتيجي بين البلدين.

وخلال العامين الأخيرين، زار رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان تركيا عدة مرات آخرها في يونيو/حزيران الماضي، وسبقها في أبريل/نيسان الماضي وديسمبر/كانون الأول الماضي، حيث أجرى مشاورات مع الرئيس رجب طيب أردوغان ركزت على التنسيق السياسي والتعاون الأمني والعسكري والتبادل التجاري.

ومنذ 5 أيام، يعقد فريد لقاءات مع قيادات برلمانية وسياسية تركية، أبرزهم رئيس لجنة الشؤون الدستورية في البرلمان مراد ألب أرسلان، ورئيس لجنة الدفاع الوطني في البرلمان الفريق أول خلوصي أكار، ونائب رئيس دائرة العلاقات الخارجية وعضو اللجنة المركزية في حزب العدالة والتنمية التركي أمير ياسين.

تعاون مشترك

وأوضح فريد -في منشورات على منصة إكس– أنه جدد تقدير الخرطوم للمواقف التركية الداعمة للسودان، وناقش ضرورة تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية وعدّها خطوة ضرورية لقطع مصادر تمويلها وتسليحها الخارجي، ولسدّ الطريق أمام إفلات داعميها من المساءلة.

وأضاف أنه استعرض مع القيادات التركية تدخلات بعض الدول الصغيرة في الإقليم عبر الاستثمار في حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في السودان ومنطقة القرن الأفريقي، وما يمثله ذلك من تهديد للأمن الإقليمي والدولي، وإطالة لأمد النزاعات وتقويض فرص السلام والاستقرار.

من جانبه، أعرب الجنرال خلوصي أكار عن تطلع أنقرة إلى الإسهام في استعادة السلام والاستقرار في السودان، ودعم جهود إعادة الإعمار، وأكد حرصها على الوقوف إلى جانب الشعب السوداني في هذه المرحلة المفصلية، حسب فريد.

وكشفت مصادر رسمية للجزيرة نت أن المرحلة السابقة شهدت تعاونا في مجالات التدريب والدعم اللوجستي والعون الفني والدفاعي استنادا إلى أطر اتفاقيات ومذكرات تفاهم سابقة.

وحسب المصادر التي طلبت عدم الإفصاح عن هويتها، فإن هناك تعاونا مستمرا وتبادلا لزيارات وفود عسكرية ودبلوماسية رفيعة المستوى، إلى جانب زيارات وزراء للتعاون في مجالات التعدين والزراعة. وتوقعت أن تعزز زيارة محيي الدين سالم العلاقات في المجالات كافة.

أهمية إستراتيجية

من جهتها، تعتقد أستاذة العلاقات الدولية في الجامعات التركية ميادة كمال الدين أن زيارة وزير الخارجية السوداني إلى أنقرة تكتسب أهمية إستراتيجية بالنظر إلى الأوضاع التي يمر بها السودان، كما تبعث رسالة بأن السودان ليس معزولا دبلوماسيا وأن لديه حلفاء إقليميين بحجم تركيا يدعمون خيارات شعبه ومؤسسته الشرعية.

ووفقا لحديث ميادة للجزيرة نت، فإن أنقرة تمتلك قنوات اتصال إقليمية واسعة، وتنظر الخرطوم إليها على أنها شريك موثوق وحليف قادر على لعب دور إيجابي يدعم استقرار الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية.

وتوقعت أن تشهد المباحثات بين الوزير السوداني ونظيره التركي هاكان فيدان التركيز على عدة ملفات حيوية، أبرزها:

رغم الطابع الدبلوماسي المعلن، فإن الملف الأمني والعسكري سيكون حاضرا لتعزيز قدرات الجيش السوداني في مواجهة التهديدات، نظرا للخبرات والتقنيات العسكرية التركية المتطورة.

خطط إعادة إعمار السودان والبنية التحتية المتضررة من الحرب، إذ تمتلك الشركات الاستثمارية التركية الجاهزية الفنية والخبرة للمساهمة القوية في مرحلة ما بعد الصراع.

البناء على مخرجات اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة الـ16 التي عُقدت مؤخرا لتسهيل التبادل التجاري والتعاون الزراعي وتطوير قطاع الطاقة والتعدين.

الملف الإقليمي عبر تبادل الرؤى حول التوترات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، حيث يتطابق المنظور الإستراتيجي للبلدين حول ضرورة الحفاظ على استقرار المنطقة.

كما تم الإعلان رسميا -وفق ميادة كمال الدين- عن ترتيبات لتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين الأكاديمية الدبلوماسية لوزارة الخارجية التركية والمعهد الدبلوماسي لوزارة الخارجية السودانية لرفع قدرات الكوادر الدبلوماسية وتنسيق المواقف.

اتفاقيات متعددة

أما الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر، فيرى أن تنفيذ الاتفاقات الموقعة بين السودان وتركيا منذ زيارة أردوغان للخرطوم في ديسمبر/كانون الأول 2017 -التي شهدت توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم- كفيلة بنقل علاقاتهما إلى مرحلة جديدة.

وقال للجزيرة نت إن اتفاقية التعاون العسكري الموقعة عام 2011 ركزت على مجالات التدريب والتأهيل والصيانة، وتطوير تقنية الصناعات العسكرية الدفاعية، حيث أسهم خبراء أتراك في تطوير الصناعات السودانية واستمر التعاون بعد اندلاع الحرب، مما منح الجيش السوداني تفوقا نوعيا في القدرات العسكرية.

كما تحدث الخبير الأمني عن اتفاقية سابقة لتأسيس مجلس للتعاون الإستراتيجي رفيع المستوى، وأخرى تتعلق بأمن البحر الأحمر والدفاع المشترك، وإنشاء مرسى لصيانة وتأهيل السفن المدنية والعسكرية بالبحر الأحمر، والتعاون بشأن الشرطة لتعزيز الجوانب الأمنية، لكن الخرطوم كانت -وفقا له- "مترددة، لذا لم تترجَم كثير من هذه الاتفاقيات، مما يتطلب إرادة سياسية من السودان وحسم خياراته".

خصوصية تاريخية

ويرى مراقبون أن العلاقات السودانية التركية تتميز بخصوصية تاريخية وتتسم آفاق التعاون بالاتساع والنمو، غير أن وصولها إلى مرحلة التحالف الإستراتيجي الكامل يحكمه تحول متوازن وحذر مع مراعاة التعقيدات الإقليمية.

وحسب خبراء، فإن رغبة السودان في إعادة بناء مؤسساته ودعم أمنه القومي، تقابلها رغبة تركيا في توسيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في أفريقيا والبحر الأحمر، مما يزيد من تقارب الدولتين.

في المقابل، ثمة تعقيدات وكوابح تجعل التحالف المباشر يخضع إلى توازن إقليمي، حيث تتبع أنقرة -وفق محللين- في السنوات الأخيرة سياسة "تصفير المشاكل" وتحسين العلاقات مع القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة وأي تحالف عسكري علني أو مباشر في السودان قد يثير حساسية هذه القوى، وهو ما تحرص تركيا على تجنبه.

وتميل السياسة الخارجية التركية في القارة الأفريقية -حسب المصادر نفسها- إلى نموذج "الشراكة الشاملة والعميقة" بالاعتماد على الدعم التقني والعسكري والاقتصادي بدلا من توقيع معاهدات دفاع مشترك ملزمة ومكلفة سياسيا.

وكذلك يسعى السودان للحفاظ على علاقات متوازنة مع قوى إقليمية ودولية متعددة دون الارتهان لمحور واحد، غير أن العلاقة بين الخرطوم وأنقرة -وفق مراقبين- تتجه نحو شراكة إستراتيجية وثيقة تحقق مصالح الطرفين دون التسبب في استقطاب إقليمي.

المصدر: الجزيرة