
إستفاق الشعب العربي الفلسطيني صبيحة الجمعة الماضية على مجزرة جديدة في بلدة تل بمحافظة نابلس ، راح ضحيتها ستة شهداء عُزل من ابناء عائلة واحدة ، برصاص مشترك من جنود الاحتلال ومستوطنين متطرفين حاولوا اقتحام البلدة وحرق بيوت واراضي زراعية فيها .
وفي سابقة نوعية ، تكاد تكون فريدة من نوعها في عصر فلسطيني ملأت سماءه غيوم ملبدة ، تصدى المواطنون بصدورهم العارية وتمكن احد المواطنين من تجريد مستوطن - لم يكن ليتردد ثانية في القتل لولا لم يفقد سلاحه – من السلاح ، مُطلقا الرصاص بالهواء لتفريق تلك القطعان ، وما كاد ذلك المستوطن ان يُباغت المواطن المُدافع عن نفسه واهله وارضه بالقتل الا ان سارع ذلك المواطن في اطلاق النار على المستوطن واراده قتيلا ، وما هي الا لحظات حتى تلقى صدره العاري ، الرصاص بغزارة من قطعان المستوطنين والجنود حتى فاضت روحه الى بارئها ، ومعه خمسة اخرين من اقاربه وابناء عموميته ، وهو ما اثار الهلع في صفوف الاوساط الامنية والسياسية الاسرائيلية ، وحتى الاوساط الرسمية الفلسطينية دكها شكل من اشكال الاحراج ، وحُشرت بالزاوية جراء جسارة وشجاعة اهالي تل ، ليرتفع بذلك عدد الشهداء جراء ممارسات قطعان المستوطنين منذ بداية العام الحالي الى 21 شهيدا .
جريمة تل ، لم تكن الاولى ضمن جرائم قطعان المستوطنين بحق العُزل من الابرياء من ابناء الضفة الغربية ، وبكل تأكيد لن تكون الاخيرة ، فقد سبقها جرائم عدة وانتهاكات سافرة قُدرت حسب احصائيات وبيانات هيئة الجدار والاستيطان الفلسطينية بنحو 3,488 اعتداءً منظم وممنهج تضمن حرق منازل ومركبات واراضي زراعية واقتلاع اشجار خاصة الزيتون ، وذلك خلال النصف الأول من العام الجاري ، وسط دعم وغطاء من قوات الاحتلال ، وغياب المحاسبة القانونية واغلاق النسبة الأكبر من ملفات التحقيق ضد المُعتدين دون لوائح إتهام ، مما يعزز سياسة الإفلات من العقاب ، ويرافق هذه الاعتداءات حملات عسكرية اسرائيلية واعتقالات بالجملة .
جرائم قطعان المستوطنين وقوات الاحتلال الاسرائيلي ، ليست بالغريبة ، فمخططات الحكومة الاسرائيلية مُعلنة في اكثر من مناسبة ، وواضحة الاهداف وعلى رأسها التضييق على المواطنين واقتلاعهم من اراضيهم ودفعهم الى الهجرة القسرية والسيطرة على الأرض من ناحية ، وتوسيع رقعة الاستيطان عبر خطوات حكومية اسرائيلية رسمية لشرعنة بؤر استيطانية جديدة وبناء المزيد منها على حساب أراضي الضفة من ناحية اخرى ، وبالتالي ابتلاع اكبر كم ممكن من الاراضي وقطع الطريق على اي مسار تفاوضي – ما زال الكثير من اولي امرنا يراهنون عليه – حول حل الدولتين .
ولكن الغريب والمُذهل والعجيب في الامر ، ردة فعل عدد من الناطقين الرسميين في الجانب الفلسطيني ، والذين دعوا المواطنين الى مزيد من الثبات والصمود ، دون ان يقدموا اي من المقومات ، ومضوا الى اكثر من ذلك ، في ادانة ضمنية ، خاصة لحادثة بلدة تل ، تحت شعار "سحب الذرائع" من سلطات الاحتلال التي تساند قطعان المستوطنين في اعتداءاتهم ، في ممارسة المزيد من القمع ، ما يُفسر على انه دعوة من القيادة للناس لفتح صدروهم عارية وتلقي الرصاص دون مقاومة او دفاع عن النفس ، لتفويت الفرصة على المُحتلين في تمرير مخططاتهم العدوانية الاستيطانية !! وتاتي هذه التصريحات الخالية من المسؤولية ، وسط غضب شعبي عارم على موقف القيادة الفلسطينية الصامت ، والذي يكتفي باجراء الاتصالات ودعوة المجتمع الدولي الى تحمل المسؤولية ، في اعفاء ضمني لمسؤولياتها تجاه حماية ابناء شعبها .
صحيح ان القيادة الفلسطينية انتهجت منذ زمن مضى سياسة الاعتدال السياسي والامني في آن واحد ، والقائمة على تجنب منح الاحتلال إلاسرائيلي ذرائع ومبررات علنية لتنفيذ عمليات عسكرية عقابية واسعة ، أو مصادرة الأراضي ، أو التوسع الاستيطاني ، مجنبة الضفة الغربية ذات المصير الذي يعيشه قطاع غزة ، مرتكزة على فرضية أن الالتزام بالاتفاقيات الأمنية ( التنسيق الامني ) والسياسية الدولية والشرعية الدولية ( اتفاقيات اوسلو وتوابعها ) ، يساهم في حماية المجتمع الفلسطيني وتحصينه ضد الإجراءات العقابية ، والذي لم يعد يُجدي نفعا بعد تنصل سلطات الاحتلال من تعهداتها ومواصلة سياساتها القمعية الاستيطانية ، ومضاعفة عملياتها العسكرية في المدن والقرى والمخيمات في الضفة الغربية دون ذرائع كجزء من سياستها في الاسراع بحسم الصراع التي باتت واضحة ومكشوفة بانها عبارة عن مصالح استراتيجية ديموغرافية وجغرافية بحتة .
ومن ضمن سياسة الاعتدال الفلسطيني ، والتي تؤكد على ضرورة سحب الذرائع من الاحتلال الاسرائيلي بتنفيذ عمليات قمعية ، قطع الطريق امام اي مقاومة مسلحة ، ومصادرة ما اسموه "السلاح غير الشرعي" ، والدعوة الى مقاومة شعبية سلمية ، وهو ما اكد عليه الرئيس محمود عباس في مناسبات عديدة ، باعتبارها الأسلوب الأمثل لمواصلة النضال والدفاع عن الوجود والهوية الفلسطينية في مواجهة ممارسات واعتداءات جنود الاحتلال الإسرائيلي وقطعان المستوطنين !! ولكن دون ان يقدم الرئيس وحاشيته من القيادة اي استراتيجية او مفهوم او آليات للمقاومة الشعبية السلمية !!
ويبقى السؤال : هل ما قام به اهالي تل ، وعلى راسهم الشيخ الاعزل فاروق رمضان رحمه الله ، يندرج ضمن المقاومة الشعبية السلمية التي دعا اليها الرئيس عباس مرارا وتكرارا ، ام يندرج تحت بند " الارهاب " ، ام " تهور " فيه ذرائع كبيرة لسلطات الاحتلال لتنفيذ اعمالها القمعية ؟ مع التنويه ان الشيخ فاروق لم يحمل السلاح في حياته ولا ينتمي لاي فصيل سياسي او مسلح ، ولكن فطرته الإنسانية ، ورفضه المذلة والمهانة ، هي من دفعته الى مواجهة قطعان المستوطنين أثناء اقتحامهم لأرضه ، ومواجهتهم وهو أعزل وغنم سلاحا من المُعتدي ودافع عن نفسه واهله وارضه وعرضه .
ايضا ، الى متى ستبقى القيادة الفلسطينية صامدة في سياسة سحب الذرائع ؟ والاستخفاف بعقول الناس ، والتعويل على الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026 لإحداث تغيير سياسي في الدولة العبرية ، رغم إدراكها أن أحزاب المعارضة تتقاطع مع اليمين في أولويات الأمن وترفض تقديم تنازلات جذرية ، والبدائل الإسرائيلية المطروحة تنتمي في معظمها للمؤسسة الأمنية أو اليمين ، ولا تختلف جوهرياً في التعامل العسكري والأمني مع القضية الفلسطينية ، واسقاط سلطات الاحتلال الاسرائيلي بسياساتها ، لسياسة الاعتدال الفلسطيني وسحب الذرائع واذرعها المختلفة وفي المقدمة " التنسيق الامني " وللوهم الذي ما زالت تعيش عليه القيادة الفلسطينية !! وهل سيحتمل الشعب سقوط المزيد من الشهداء حتى لا يجري تقديم الذرائع للاحتلال ؟