
بين فاروق رمضان شهيد تل وحمدان النجار شهيد بورين جارة تل 38 سنة والحادث يتكرر. في ظهيرة يوم شتوي مشمس في مطلع سنة 88 كان حمدان النجار يرعى اغنامه في تلال بورين وكان حارس المستوطنة يزعجه حيث يهبط اليه عندما يراه يؤدي صلاة الظهر ويقف يسب الله والنبي وابدى حمدان تذمره من الحارس مرارا لم يكن حمدان راعيا بل درس المساحة وكان مؤذنا متطوعا في المسجد وعاطلا عن العمل وحدث ان اعتقل الاحتلال شقيقه الاصغر الذي يرعى اغنام والده الزجال الشعبي المشهور.
عندما زرت منزله المهدوم بعد الحادث كان والده متلفعا بعبائته ورافقني نحو ركام المنزل المنسوف حيث بسط كلب اسود ذراعية ووضع راسه بينهما على الارض وقال والد حمدان مخاطبا الكلب راح صاحبك حمدان واضاف انه على هذه الحال منذ الحادث لا ياكل ولا يتحرك ( مات بعد زيارتي بايأم.) كان الكلب الشاهد الوحيد عما جرى بين حمدان وحارس المستوطنة حزينا لا يتحرك وعيناه عليهما قذى من دموع ،عدنا الى ما تبقى من البيت وهي سقيفة قريبة وكان معطف حمدان معلقا على الجدار فقل اخوه الاخر هذه بقايا دماء حمدان اقترب وشم الرائحة كانت رائحة غريبة لا يمكن وصفها نفاذة ومريحة لم اعرفها من قبل ، وقال انها رائحة المسك .
لا احد يعلم ما جرى بين حمدان في ظهيرة ذلك اليوم الا الكلب الحزين وطبقا لما كان يقوله حمدان عن الحارس المزعج فلا بد انه كان يصلي وجاء الحارس كالعادة يسب ويشتم وما ان فرغ من الصلاة امسك حجرا وضرب الحارس عن قرب واستولى على سلاحه وقتله وهبط نحو الطريق العام فمرت دورية عسكرية ربما جذبها صوت اطلاق النار ففتح النار عليها فقتل جنديين وضابط اواستشهد برصاص قوات خفت الى المكان.
بقي معطفه ودمه والمسك من حمدان . ويشاء القدر ان يستشهد بعد فترة قليلة في قرية عصيرة القبلية القريبة من بورين شاب آخر فتوجهت اليها حيث كنت اجمع قصص الشهداء وانشرها في القبس الكويتية واحتفظ ببعض الغرائب التي صادفتها وجمعتها لاحقا في كتاب اصدرته في عمان في مطلع الشهر الثامن سنة 90 .
في منزل شهيد عصيرة القبلية حيث خانتني الذاكرة عن اسمه اثناء كتابة هذا المقال وجدت دفتر يوميات للشهيد كانت آخر عبارة كما قرأتها تقول يجب تكثيف الهجمات على المستوطنين لانهم يتوسعون ويقتلون فصلينا العشاء وزدناه بالشفع والوتر وجهزنا المولوتوف وتوكلنا على الله لمهاجمة دوريات الاحتلال .
تصفحت الصفحات المتبقية من الدفتر وتناولت سيجارة منفعلا وبحثت عن ولاعتي فقال احدهم امامك في الصحن على الطاولة ولاعة كان هناك في الصحن الزجاجي ولاعة وسبحة واشياء اخرى فقال احد الحضور انها ولاعة الشهيد امسكتها واشعلت السيجارة ولاحظت عليها لونا بنيا قاتما فقال احدهم كانت في جيبه عندما استشهد وهذا دمه .
شممت الولاعة اكثر من مرة وانتفضت الرائحة نفسها لدم الشهيد حمدان ربما هي المسك رغم اني لا اعرف المسك .فابتسم الحضور وقال احدهم اصبت انك شديد الملاحظة .