
ثمة لحظات لا يعود فيها الخبر خبرا، ولا الرقم رقما، ولا الصورة صورة، بل يتحول كل شيء الى مرآة كبيرة تقف امام وجه الامة وتقول لها .. انظري الى نفسك جيدا. اكثر من الفين وثلاثمئة مستوطن يعبرون الى باحات الاقصى، فيما يقف اصحاب المكان خلف ابواب الحديد، ويمنع المصلون من الوصول الى موضع السجود، وتنتشر البنادق في المكان الذي كان يفترض ان تحرسه حرمة الصلاة لا ان تحرس اقتحامها. وفي الجهة الاخرى، امة كاملة تراقب المشهد من خلف شاشات بعيدة، تغضب، تستنكر، تندد، ثم تطفئ الشاشة وتعود الى يومها، كأن القدس لم تكن ذات يوم القبلة الاولى، وكأن المسجد الذي تتجه اليه القلوب في صلاتها قد صار مجرد عنوان في خبر عاجل...
ما الذي حدث لنا ..؟ وكيف بلغنا هذه المسافة الهائلة بين ما نؤمن به وما نفعله ..؟ كيف صار المقدس محاصرا، فيما نحن نملك من الكلمات ما يكفي لبناء مدن من الخطب، لكننا لا نملك من الارادة ما يكفي لفتح باب ..؟ كيف صار الاقصى وحيدا الى هذا الحد، حتى يبدو احيانا ان الجدار الذي يحيط به ارحم من الجدار الذي ارتفع في داخلنا ..؟ جدار من الخوف، وجدار من الاعتياد، وجدار من المصالح، وجدار من الصمت، حتى كأننا جميعا قد وقفنا في صف واحد، لا لنحمي المكان، بل لنشهد على عجزنا ونحن نرتدي ثياب الحكمة ونسميه واقعية.
في القدس، كان المشهد يقول شيئا اكبر من الاقتحام نفسه. كان يقول ان هناك من يريد ان يغير معنى المكان، وان هناك من يريد ان يعيد كتابة الذاكرة على حجارة قديمة، وان هناك من يظن ان كثرة الاقدام قادرة على تغيير هوية الارض. لكن الاوطان لا تغير اسماءها كلما مر عليها غريب، والمقدسات لا تفقد قدسيتها حين تكثر البنادق حولها، والارض لا تنسى اصحابها لمجرد انهم منعوا من الدخول اليها. الحجر يعرف من بناه، والباب يعرف من فتحه، والهواء الذي يمر في ساحات المسجد يعرف اسماء الذين سجدوا هناك منذ قرون، حتى لو حاولت القوة ان تضع فوق الذاكرة طبقات من الحديد. وتبقى قباب المكان، مهما تكاثفت حولها سحب القهر، شاهدة على ان السماء لا تنسى مواضع السجود، وان الحجر الذي حمل الدعاء لا يفقد ذاكرته...
ومع ذلك، يبقى السؤال الاكثر مرارة .. اين نحن ..؟؟ اين الذين كان ينبغي ان يكونوا هنا.. ؟ اين الامة التي تتسع جغرافيا حتى تكاد تلامس اطراف العالم، ثم تضيق ارادتها حتى لا تتسع لصرخة واحدة؟ اين العواصم التي تتزين بالمرايا، فيما القدس تنظر الى نفسها في زجاج مكسور؟ اين الذين يتحدثون عن التاريخ، وهم يتركون التاريخ نفسه يمر امام اعينهم ويكتب في دفاتره ان هذا اليوم مر ايضا دون ان يتحرك احد ..؟
لقد صار العجز عندنا عادة. وهذه هي الكارثة التي تتجاوز كل احتلال. فالاحتلال يقتحم الارض، لكن العجز يقتحم الروح. الاحتلال يغلق الابواب، لكن العجز يغلق النوافذ. الاحتلال يمنع الناس من الصلاة، لكن العجز يمنع القلوب من الغضب. الاحتلال يفرض الحواجز في الطرق، لكن العجز يبني حواجز في الضمائر. وما اخطر ان يصبح الظلم مشهدا مألوفا، لان الظلم حين يصبح مألوفا يفقد قدرته على اثارة السؤال، وحين يفقد السؤال قدرته على ازعاجنا يصبح الصمت شريكا في الجريمة، حتى لو ظل اللسان يردد عبارات الاستنكار.
ولعل فلسطين نفسها قد اصبحت شاهدا على هذا التحول. شعب يقف وحده في العاصفة، فيما العالم العربي والاسلامي يقف في مكان بعيد، يرفع يده من خلف الزجاج، ثم يخفضها. شعب يحمل مفتاح بيته كما يحمل المؤمن سرا لا يريد ان يضيعه، ويحتفظ بصورة المكان في قلبه كما يحتفظ الغريق بقطعة خشب في بحر لا نهاية له. كل شيء في فلسطين يقول ان الذاكرة اطول من الاحتلال، وان الصبر قد يكون اكثر صلابة من الجدران، وان من يملك الارض بالقوة لا يملك بالضرورة معناها.
في كل مرة يقتحمون البيت العتيق ، يحاولون ان يجعلوا من القوة لغة وحيدة، ومن البندقية شاهدا على الحق، ومن العدد دليلا على الملكية. لكن هناك اشياء لا تقاس بالعدد. لا احد يحصي عدد الدعوات التي صعدت من ذلك المكان. لا احد يعرف كم دمعة سقطت على عتباته. لا احد يستطيع ان يحصي عدد القلوب التي حملت صورته وهي بعيدة. ولا احد يستطيع ان يضع رقما لذاكرة شعب، او ان يحاصر دعاء في قلب طفل، او ان يمنع روحا من ان تعبر الاسوار. ولا احد يستطيع ان يطوي في دفتر الغياب صورة البيت العتيق، ذلك البيت الذي يظل في الوجدان شاهدا على ان للمقدس ذاكرة لا تنحني امام كثرة العابرين... ومع ذلك، فان الحقيقة الاكثر ايلاما ليست في انهم اقتحموا، بل في اننا اعتدنا ان يقتحموا. ان تتحول الاخبار الى مواسم، والدماء الى ارقام، والاقصى الى صورة تتكرر حتى تفقد قدرتها على الصدمة. ان نستيقظ صباحا فنجد ان المسجد قد انتهك، فنحزن قليلا، ثم نشرب قهوتنا. ان نسمع ان المصلين منعوا من الدخول، فنكتب بضعة اسطر، ثم نمضي الى اعمالنا. ان نعرف ان هناك من يطرد من المكان الذي ولد فيه، ثم نغلق الهاتف ونقول ...ماذا نستطيع ان نفعل .. ؟ وهنا، ربما تكمن المأساة كلها في كلمة واحدة .. ماذا نستطيع ..؟ لقد صارت هذه الكلمة قبرا واسعا دفنا فيه ارادتنا. ماذا نستطيع امام القوة؟ ماذا نستطيع امام العالم؟ ماذا نستطيع امام التاريخ؟ ماذا نستطيع امام هذا الخراب المتسع؟ وهكذا، شيئا فشيئا، تعلمنا ان نرى المستحيل قبل ان نرى الممكن، وان نحصي حجم عجزنا قبل ان نبحث عن مساحة فعلنا. نسينا ان الامم لا تبدأ دائما من القوة، بل قد تبدأ من رفض الاستسلام لفكرة الضعف. وان الطريق الطويل قد يبدأ بخطوة صغيرة، وان النور لا يحتاج الى شمس كاملة كي يظهر، فقد يكفيه شق صغير في جدار كثيف من العتمة...
ربما لهذا تبدو عبارة للبيت رب يحميه في هذه اللحظة اكثر من مجرد عبارة. تبدو كأنها صدى قديم يعود من عمق الروح، ليذكرنا بان للامور ميزانا لا تراه العيون، وان للظلم سقفا لا يستطيع تجاوزه، وان للبيت الذي اريد له ان يهدم حارسا لا ينام. لكنها في الوقت ذاته عبارة خطرة اذا فهمناها على انها دعوة الى الاستسلام. فالسماء لا تطلب من اهل الارض ان يخلوا اماكنهم، ولا من اصحاب الحق ان يتركوا ابوابهم للغزاة ثم ينتظروا المعجزة. ان الايمان الحقيقي ليس ان تجلس وانتظر، بل ان تعمل وانت تعرف انك لست وحدك. ان تزرع وانت لا ترى الثمر. ان تقف في العاصفة وانت لا تملك وعدا بسلامة فورية، لكنك تملك يقينا بان العاصفة ليست الاله الذي يقرر مصيرك... للبيت رب يحميه، نعم. ولكن للبيت ايضا اهل يجب الا ينسوا انه بيتهم. وللقدس رب يحفظها، نعم. ولكن للقدس امة يجب الا تنسى انها جزء من روحها. وربما يكون امتحاننا الحقيقي اليوم ليس في قدرتنا على تحرير الارض فحسب، بل في قدرتنا على تحرير انفسنا من ذلك الشعور الثقيل بان لا شيء يمكن فعله. فالهزيمة الكبرى ليست ان يخسر الانسان معركة، بل ان يقتنع قبل المعركة ان كل شيء خسر...
انظروا الى القدس. انها لا تزال هناك. رغم كل شيء. رغم الجنود، رغم الابواب المغلقة، رغم الاقتحامات، رغم الطقوس التي يحاولون فرضها على المكان، رغم الصمت الذي يلف العالم، لا تزال هناك. كأنها قلب عنيد يرفض ان يتوقف. كأنها شجرة قديمة ضربتها الفؤوس من كل جانب، لكنها ما زالت تمد جذورها عميقا في التراب، تعرف ان من يقطع الاغصان لا يستطيع اقتلاع الذاكرة. وفوقها تظل القباب قائمة، لا كحجارة صامتة، بل كاياد مرفوعة نحو السماء، تحفظ للمكان هيبته، وللذاكرة اسمها، وللروح نافذة لا يستطيع الحصار ان يغلقها... ولعل في هذا ما يواسينا قليلا. فالذين يملكون القوة اليوم ليسوا بالضرورة من يملكون الغد. والتاريخ لم يكن يوما كتابا يكتبه الاقوياء وحدهم. كم من امبراطوريات ظنت ان اسمها سيبقى الى الابد، ثم لم يبق منها سوى حجر مكسور في متحف بعيد. وكم من شعوب ظن العالم انها انتهت، ثم عادت من تحت الرماد كما يعود الفجر من اخر الليل. فليس كل ما يبدو ثابتا باقيا، وليس كل ما يبدو ضعيفا زائلا...
لكن علينا ان نعترف ايضا بان السماء لا تعفي الامة من عارها. لا يمكن ان نختبئ خلف القدر كي نبرر تقاعسنا. لا يمكن ان نقول للبيت رب يحميه ثم نترك البيت وحيدا ونمضي. لا يمكن ان نرفع ايدينا الى السماء ونغلق ايدينا عن واجب الارض. فالايمان الذي لا يوقظ المسؤولية يتحول الى مخدر، والرجاء الذي لا يصنع فعلا يتحول الى انتظار عقيم...
ربما لهذا تحتاج هذه المرحلة الى شيء ابعد من الغضب. تحتاج الى صحوة. الى ان نستعيد المعنى الذي فقدناه وسط ضجيج الايام. ان نعرف ان القدس ليست قضية موسم، وان الاقصى ليس صورة، وان فلسطين ليست خبرا. ان نفهم ان ما يجري هناك ليس بعيدا عنا، لان الامم التي تسمح بانتهاك مقدساتها في مكان قد تجد نفسها ذات يوم تبحث عن مقدساتها في مكان اخر. وان من يعتاد رؤية الظلم دون ان يتحرك، قد يستيقظ يوما ليكتشف ان الظلم قد تعلم الطريق الى بابه...
وفي النهاية، ربما لا نملك اليوم جوابا شافيا عن سؤال العجز. وربما لا نعرف متى تتغير الموازين، ولا من اين يأتي الفرج، ولا كيف يمكن للضعيف ان يواجه هذا الجبل الهائل من القوة. لكننا نملك شيئا واحدا لا يجوز ان نفقده .. الايمان بان الليل ليس نهاية الحكاية. نملك ان نرفض ان يصبح الظلم عاديا. نملك ان نحفظ القدس في وعينا من ان تتحول الى ذكرى. نملك ان نربي ابناءنا على ان المقدسات لا تحمى بالكلمات وحدها، وان الحق لا يسقط لمجرد ان اصحابه تأخروا في استعادته. نملك ان نبقى واقفين، حتى لو كنا نرتجف... فالقدس لا تحتاج الى امة كاملة كي تظل مقدسة، لكنها تحتاج الى قلوب كاملة كي تظل حية فينا. والاقصى لا يحتاج الى خطب جديدة بقدر ما يحتاج الى ضمير لم يمت. وفلسطين لا تحتاج الى من يرثيها كل صباح، بل الى من يؤمن ان قضيتها ليست قدرا منسيا على هامش التاريخ. والقبلة الاولى لا تحتاج الى ان نكرر اسمها في الخطب، بل الى ان تبقى حاضرة في ضميرنا حين تضيق السبل، وحين تتكاثر الحواجز، وحين يصبح الطريق الى البيت العتيق ابعد من مجرد طريق في الجغرافيا...
وربما، في اشد لحظات انكسارنا، حين يبدو ان كل الابواب قد اغلقت، وان كل الطرق قد ضاقت، وان البيت ترك وحيدا وسط العاصفة، يبقى في اعماق الروح ذلك اليقين الهادئ الذي لا يراه اصحاب القوة .. ان للبيت ربا. وان للارض ذاكرة. وان للحق اجلا. وان للظلام نهاية، مهما طال الليل... فاذا كان للبيت رب يحميه، فليكن لنا من الايمان ما يمنعنا من خذلانه، ومن الوعي ما يمنعنا من نسيانه، ومن الشجاعة ما يجعلنا اهلا للحظة التي يفتح فيها الباب. لان المعجزة، حين تأتي، لا تبحث عن الذين ناموا طويلا، بل عن الذين ظلوا مستيقظين في قلب العاصفة، يحرسون ما تبقى من النور، ويقولون للعالم كله، بصوت قد يكون خافتا لكنه لا يموت .. هذا البيت لنا في الذاكرة، وهذه الارض لنا في القلب، وهذا المقدس لن يصبح غريبا ما دمنا نحن نرفض ان نصبح غرباء عن انفسنا...