
المصلحة الوطنية العليا ، عبارة كثير ما يتشدق بها الساسة وتتردد على السنتهم في جميع المحطات والمناسبات ، وكل يتخذها ذريعة يُمرر من خلالها ما يراه مناسبا ، وغالبا ما تخضع لاعتبارات حزبية او فصائلية او ذاتية ، والتي قد تختلف في افكارها ومكوناتها و تأثيراتها الخارجية؟ ولاجل تحقيقها - او على وجه التحديد لفرض كل تيار مفهومه الخاص، يكمن التساؤل : هل جميع السبل مشروعة ، بمعنى هل الغاية تُبرر الوسيلة ؟
تعلمنا في علم السياسة ان مفهوم المصلحة الوطنية العليا عبارة عن مجموعة من الأهداف والغايات الأساسية التي تسعى الدولة – ان كانت مستقلة ، او شعب يرزح تحت الاحتلال - تحقيقها للحماية وضمان البقاء والصمود وألامن والسيادة ، وتُعد المُوجه الرئيسي للسياسات العامة والقرارات الاستراتيجية في كافة المحافل ، وتتدرج المصالح الوطنية من حيث الأولوية إلى عدة مستويات ، أبرزها : المصالح الحيوية ، حيث تتصدر الأولويات وتشمل حماية السيادة والدفاع عن الارض ضد أي تهديد خارجي او اغتصاب ، والحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية من حيث اللغة والتاريخ والقيم المجتمعية والدينية والفكرية .
جميع ما ذكر يلعب دوراً محورياً في توجيه دفة الامور ، ويتجلى ذلك في صياغة السياسة الخارجية التي تُعد البوصلة في تحديد طبيعة التحالفات والمعاهدات والمواقف الدبلوماسية والميدانية التي تُتخذ تجاه القضايا العالمية ، كما انها تشكل الاساس في التوجه الداخلي من حيث صياغة القوانين والسياسات العامة والخطط التنموية والاقتصادية ، وقد تتغير تفاصيل المصلحة الوطنية العليا وتتطور بناءً على مُعطيات المرحلة ، والظروف السياسية والاقتصادية ، والتحولات المحلية والاقليمية والدولية ، الا انه وبالرغم من ذلك واختلاف التوجهات ، من المفترض أن تُمثل المصلحة الوطنية العليا نقطة التقاء وإجماع وطني تتجاوز المصالح الحزبية أو الفئوية الضيقة وحتى الذاتية .
في الحالة الفلسطينية طالما تتذرع القيادة الفلسطينية بالمصلحة الوطنية العليا في خطوة لتبرير قراراتها المختلفة ، مستندة إلى اهمية حماية الكيانية الفلسطينية المتمثلة بالسلطة الوطنية ومن قبلها منظمة التحرير الفلسطينية ، تفاديا لصدام مدمر مع الاحتلال - على حد وصف الساسة - وتأمين الدعم الدولي ، وإدارة الواقع المُعقد ، معتبرة أن هذه الخطوات ضرورة وطنية لتجنيب الشعب المزيد من الويلات وتعزيز الصمود بما يتوفر من ادوات ، على أمل تحقيق الاستقلال ، ومن هنا ياتي تمسك القيادة بالالتزامات والاتفاقيات الدولية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومسارات التفاوض ، وتعتبرها الطريق الأقل كُلفة لحماية المشروع الوطني من الابتلاع الكامل ، وضمان الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية المنشودة .
ووفق هذه الفلسفة السياسية للقيادة الفلسطينية واجهزتها الامنية والمدنية ، يجري تسويق القرارات تحت ذريعة المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني ، وخاصة تلك المُتعلقة بالتنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال ، أو إدارة المؤسسات على أنها ضرورة تكتيكية للحفاظ على استمرارية الخدمات الحياتية للمواطنين ، ومنع الانهيار الاقتصادي ، وتجنب الفوضى ، مستندة الى قرارات الشرعية الدولية ، كمرجعية لسياساتها ، بحجة أن كسب الرأي العام العالمي يخدم تلك المصلحة في المحافل الدبلوماسية والاقليمية والدولية ، وغالبا ما تيتم اتخاذ القرارات بشكل احادي الجانب ، أومن خلال مراسيم رئاسية تحت غطاء " حالة الطوارئ " وضرورة تحصين الجبهة الداخلية من التشرذم في ظل الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، دون اي اعتبار او التفات للمزاج الشعبي الغاضب والرافض لسياسات القيادة ، الامر الذي تسبب بأزمة ثقة واتساع الهوة بين القاعدة والهرم ، وحتى دون اي ردة فعل مساوي بالحجم والمقدار للانتهاكات المستمرة لسلطات الاحتلال وسياساتها المتنكرة للاتفاقيات والتفاهمات المُشتركة ، وادواتها من قطعان المستوطنين والتي توفر لهم المعلومات والاحداثيات والدعم الفني والعسكري ، ليعيثوا خرابا وتدميرا للمقدرات الفلسطينية المدنية .
وياتي هنا التساؤل : أين المصلحة الوطنية العليا في ظل تصاعد الانتهاكات الاسرائيلية ؟ كثيرون من قادة الفكر والسياسة من ابناء الشعب العربي الفلسطيني يرون ان هناك فراغ قيادي واضح ، والقيادة الحالية تعيش ازمة غير مسبوقة ، من ناحية الادارة والشرعية وغير قادرة على ادارة الازمة الفلسطينية ، وحتى انها غير مهتمة لابسط القضايا الداخلية التي لو جرى ازالة العقبات من امامها ، فمن شانها ان تُعزز من الصمود والمواجهة ، وفي مقدمتها ترتيب البيت الداخلي وانهاء الانقسام ، ووصل الامر الى اتهام من يُطالب بالتغيير ، بالخروج عن الصف الوطني وخدمة اجندات خارجية تستهدف "المصلحة الوطنية العليا" !! بالرغم من تأكيد غالبية المُطالبين بالتغيير على تمسكهم ومكانة واهمية ووحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية ، وضرورة مشاركة الكل الفلسطيني في الاصلاح وتجديد الشرعية التي دكتها الشيخوخة والعجز والفشل في الادارة والمواجهة ، ووقف الاستفراد بالقرار الوطني ، وهو ما أثر على شعبيتها الاخذة بالتآكل وادى الى فقدان الثقة .
لعل مفهوم المصلحة الوطنية العليا لابناء الشعب العربي الفلسطيني ، في الحالة الفلسطينية الراهنة بكل مُعطياتها الحالية ، وفي ظل النفق المُظلم الذي دخلته القيادة الحالية ، وأصطحبت شعبها معها ، ربما يتلاقى قليلا ويتعارض بشكل اكبر عما يُدرس في علم السياسة لمفهوم المصلحة الوطنية العليا !!
فالمصلحة الوطنية العليا للشعب العربي الفلسطيني - ان توفرت ارادة حقيقية ونوايا صادقة للخروج من النفق المُظلم ، وايصال الشعب الى بر الامان – تتطلب وقبل اي شيء : تجاوز الخلافات وتغليب الهَم الوطني على الهَم الفئوي او الذاتي ، والعمل المُشترك جنبا الى جنب وصولا الى رؤية وطنية موحدة ، تقود الى برنامج وطني واحد وموحد ، انطلاقا من نقاط مشتركة ومتوافق عليها بين كافة الاطياف الفلسطينية ، وتجاوز نقاط الخلاف ، ما من شأن ذلك ان يجسر الهوة بين الشارع والقيادة ، حتى لو أدى الامر الى خوض الانتخابات القادمة بقائمة وطنية واحدة تشترك فيها كل الوان الطيف الفلسطيني .
المشهد الفلسطيني في غاية التعقيد والخطورة ، وهو ما يتطلب عملا وطنيا مُشتركا مُوحدا مُجردا من الهموم الذاتية او الفئوية والتخلي عن المواقف المُسبقة ، والتسامي عن الجراح ، ومن دون شك سيؤدي ذلك الى ولادة قيادة وطنية تحمل الراية وتاخذ على عاتقها مواصلة المشوار ، وتقود المسيرة من دون تاثيرات داخلية او خارجية نحو الحرية والاستقلال .