مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)

الفكرة المركزية

لا يمثل اختيار التخصص الجامعي قراراً تعليمياً عابراً، بل يشكل نقطة انطلاق لمسار أكاديمي ومهني واجتماعي واقتصادي طويل الأمد. ومن هنا تبرز أهمية منصة "بوصلة: دليلك إلى التعليم العالي الفلسطيني" بوصفها أداة وطنية تنقل الطالب من التخمين والانطباع والاختيار العشوائي إلى المعرفة والمقارنة واتخاذ القرار الواعي.

مقدمة

لا يختار الطالب الفلسطيني تخصصاً جامعياً فقط، بل يختار مساراً قد يحدد مستقبله الأكاديمي والمهني والاجتماعي لسنوات طويلة. وتزداد أهمية هذا القرار في مجتمع يشكل فيه الشباب من الفئة العمرية 18–29 عاماً نحو 21% من السكان، بما يقارب 1.2 مليون شاب وشابة في منتصف عام 2025، الأمر الذي يجعل حسن توجيههم قضية وطنية تتجاوز القرار الفردي للطالب وأسرته.

وفي مرحلة الانتقال من المدرسة إلى التعليم العالي، تتداخل الميول الشخصية والقدرات الأكاديمية مع توقعات الأسرة، والصورة الاجتماعية للتخصص، وكلفة الدراسة، وفرص العمل، والخوف من البطالة، والرغبة في بناء حياة أكثر استقراراً وكرامة. 

ولهذا، فإن الحديث عن مستقبل الشباب لا يبدأ عند التخرج أو عند البحث عن وظيفة، بل يبدأ من الأسئلة الأولى التي يواجهها الطالب: ماذا أدرس؟ وهل يناسب هذا التخصص قدراتي وميولي؟ وما المهارات التي سأكتسبها؟ وهل يقودني إلى مسار مهني واقعي؟ وما فرص العمل المرتبطة به؟

في هذا السياق، أطلقت وزارة التربية والتعليم العالي، بالتنسيق والتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، منصة "بوصلة: دليلك إلى التعليم العالي الفلسطيني"، وهي منصة وطنية تفاعلية للتخصصات والبرامج المعتمدة في مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية للعام 2026، وتهدف إلى توفير معلومات موثوقة ومتكاملة تساعد طلبة الثانوية العامة وطلبة الجامعات وأسرهم والمرشدين الأكاديميين على اتخاذ قرارات تعليمية أكثر وعياً.

ولا تقتصر المنصة على عرض أسماء التخصصات، بل توفر اختبارات للميول الأكاديمية، وإمكانية استعراض البرامج المعتمدة، ومقارنة شروط القبول بين مؤسسات التعليم العالي، والاطلاع على أعداد الطلبة والخريجين، ومعدلات البطالة وفترة التعطل وفق مجال الدراسة، إلى جانب معلومات عن المنح والبعثات الدراسية وصندوق إقراض الطلبة وبرامج الدبلوم المتوسط والتعليم التقني والدراسات العليا. وبذلك تجمع المنصة بين الإرشاد التعليمي والبيانات الرسمية ومؤشرات سوق العمل في بوابة وطنية واحدة.

لماذا نحتاج إلى "بوصلة"؟
تزداد أهمية المنصة عند النظر إلى الفجوة المقلقة بين التعليم والعمل. فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب الخريجين في الضفة الغربية، من الفئة العمرية 19–29 عاماً ومن حملة الدبلوم المتوسط فأعلى، 41.3% في الربع الأول من عام 2026، مع فجوة واضحة بين الإناث، حيث بلغت النسبة 49.2%، والذكور، حيث بلغت 31.7%.

ولا تعكس هذه الأرقام أزمة توظيف مؤقتة فحسب، بل تكشف عن خلل بنيوي بين أعداد الخريجين، وطبيعة التخصصات، ونوعية المهارات، والقدرة الفعلية للاقتصاد على توليد فرص عمل مناسبة.

ولذلك لم يعد السؤال المهم هو: كم طالباً يدخل الجامعة؟ بل أصبح السؤال: كم خريجاً يجد فرصة تتناسب مع مؤهلاته؟ وإلى أي مدى ترتبط البرامج الأكاديمية باحتياجات المجتمع والاقتصاد؟ وهل يمتلك الخريج المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل المتغير؟

ومن هذه الزاوية، تؤدي «بوصلة» دوراً وقائياً وإرشادياً مهماً؛ فهي تساعد الطالب قبل الالتحاق بالجامعة، وليس بعد أن يقضي سنوات في تخصص قد لا يتناسب مع قدراته أو ميوله، أو تكون فرصه المهنية محدودة.

صحيح أن المعلومات لا تستطيع وحدها حل مشكلة البطالة أو خلق الوظائف، لكنها تقلل من الاختيار العشوائي، وتساعد على تقريب المسافة بين التعليم والعمل، وتحسن قدرة الطالب والأسرة على تقدير الفرص والمخاطر قبل اتخاذ القرار.

المعرفة قبل القرار

لا يستند اختيار التخصص دائماً إلى معلومات دقيقة وموثوقة. فكثير من الطلبة يعتمدون على الأسرة والأصدقاء، أو على تجارب فردية، أو على معلومات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم أهمية هذه المصادر وتأثيرها، فإنها لا تكفي وحدها لاتخاذ قرار تعليمي ومهني قد يمتد أثره لسنوات طويلة.

ويحتاج الطالب إلى صورة واضحة عن طبيعة التخصص، وشروط القبول، والمواد الدراسية، والمهارات التي يمكن اكتسابها، وكلفة التعليم، والمسارات المهنية بعد التخرج، ومدى ارتباط البرنامج بواقع سوق العمل.

وكلما حصل الطالب على هذه المعلومات مبكراً، ومن مصدر رسمي وموثوق، أصبح قراره أكثر نضجاً وأقل خضوعاً للضغط الاجتماعي أو الانطباعات غير الدقيقة.

وتزداد قيمة المنصة قبيل إعلان نتائج الثانوية العامة، وهي مرحلة يعيش فيها الطلبة وأولياء الأمور قدراً كبيراً من القلق والتردد. ففي هذه اللحظة، لا يحتاج الطالب إلى قائمة بأسماء التخصصات فقط، بل إلى أداة تنقله من سؤال: ما التخصص الذي تسمح لي علامتي بدخوله؟

إلى سؤال أعمق: ما التخصص الذي يناسب ميولي وقدراتي، ويمنحني مهارات قابلة للتطوير، ويرتبط بمسار مهني واقعي؟

وتساعد اختبارات الميول الأكاديمية التي توفرها "بوصلة" على فتح هذا النوع من التفكير، من خلال توجيه الطالب إلى مراجعة رغباته واهتماماته وقدراته الشخصية، بدلاً من حصر القرار في العلامة أو ضغط الأسرة أو المكانة الاجتماعية للتخصص.

الاختيار بين الميول والقدرات وفرص العمل

لا يقوم الاختيار الناجح على الرغبة وحدها، كما لا ينبغي أن يخضع بالكامل لحسابات سوق العمل. فالقرار المتوازن يجمع بين ثلاثة عناصر مترابطة:

ما يحبه الطالب، وما يستطيع النجاح فيه، وما يحتاجه المجتمع والاقتصاد.

فالميول تمنح الطالب الدافعية للاستمرار، والقدرات الأكاديمية تعزز فرص النجاح، بينما تربط معرفة سوق العمل التعليم بالحياة العملية.

ولا تكمن المشكلة في أن يختار الطالب التخصص الذي يحبه، بل في أن يختاره من دون معرفة متطلباته أو فرصه أو مدى توافقه مع قدراته. كما أن اختيار تخصص مطلوب في السوق لا يضمن النجاح، إذا لم يكن الطالب مستعداً له أو قادراً على اكتساب مهاراته.

وما تزال بعض التخصصات تُختار بسبب مكانتها الاجتماعية، أو رغبة الأسرة، أو الاعتقاد بأنها أكثر وجاهة، حتى عندما لا تكون مناسبة للطالب أو لا ترتبط بفرص مهنية حقيقية.

وهذا يستدعي تغيير ثقافة الاختيار، فالتخصص ليس لقباً اجتماعياً، بل مسار معرفي ومهني يفترض أن يتحول إلى مهارة وقدرة على العمل والإنتاج والمشاركة في المجتمع.

من الشهادة إلى المهارة 
يتغير سوق العمل بسرعة، ولم تعد الشهادة وحدها ضماناً للحصول على وظيفة. فإلى جانب المعرفة الأكاديمية، يحتاج الخريج إلى المهارات الرقمية والتحليلية، والقدرة على التواصل والعمل الجماعي، وحل المشكلات، والمرونة، والتعلم المستمر، والتكيف مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية.

ويشير تقرير "مستقبل الوظائف 2025" إلى أن 63% من أصحاب العمل يرون أن فجوة المهارات تمثل العائق الرئيسي أمام تطوير أعمالهم خلال الفترة حتى عام 2030.

وهذا يعني أن قيمة التخصص لا تتحدد باسمه أو بالشهادة التي يمنحها فقط، بل بقدرته على تزويد الطالب بمعارف ومهارات قابلة للاستخدام والتطوير.

وقد بدأت منصة «بوصلة» بالفعل في ربط الاختيار التعليمي بمؤشرات سوق العمل، من خلال عرض معدلات البطالة وفترة التعطل حسب مجال الدراسة، إلى جانب أعداد الطلبة والخريجين. وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً، لأنها تساعد الطالب على فهم واقع التخصص بعد التخرج، وليس شروط الالتحاق به فقط.

ويمكن البناء على ذلك مستقبلاً من خلال إضافة معلومات أكثر تفصيلاً عن المهارات التي يمنحها كل تخصص، والمسارات المهنية المحتملة، والوظائف المرتبطة به، والتغيرات المتوقعة في الطلب على المهارات، وفرص العمل الحر وريادة الأعمال.

فالسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الطالب ليس فقط: ما الشهادة التي سأحصل عليها؟ بل أيضاً: ما الذي سأكون قادراً على القيام به بعد التخرج؟

التعليم التقني والمهني ليس خياراً ثانوياً
لا ينبغي أن ينحصر مستقبل الشباب في المسار الجامعي التقليدي. فالتعليم والتدريب التقني والمهني يمثلان خياراً استراتيجياً، خصوصاً في ظل الحاجة إلى مهارات تطبيقية ترتبط بالعمل الحر، والمشروعات الصغيرة، والاقتصاد الرقمي، والصيانة، والطاقة، والزراعة، والتصنيع والخدمات.

وتشمل منصة «بوصلة» حالياً برامج الدبلوم المتوسط والتخصصات التقنية، إلى جانب برامج البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وهي خطوة مهمة نحو التعامل مع التعليم التقني بوصفه مساراً تعليمياً أساسياً ومتكاملاً مع التعليم الجامعي، وليس خياراً أقل قيمة.

وقد تفتح بعض المهارات التقنية والمهنية أمام الطالب طريقاً أسرع إلى العمل والإنتاج من بعض التخصصات الأكاديمية المشبعة. غير أن النظرة الاجتماعية ما تزال تمنح بعض المسارات الجامعية مكانة أعلى، حتى عندما تكون فرصها المهنية محدودة.

ولذلك يحتاج المجتمع إلى إعادة تعريف النجاح، بحيث يرتبط بالكفاءة والإنتاج والقدرة على بناء مسار مهني مستقر، لا باسم الشهادة وحده.

كما ينبغي تعزيز حضور البرامج التقنية والمهنية والرقمية على المنصة، وربطها بفرص العمل الحر والمشروعات الصغيرة والقطاعات الإنتاجية التي يمكنها استيعاب الشباب.

الأسرة والمدرسة والإرشاد المبكر

تؤدي الأسرة الفلسطينية دوراً رئيسياً في اختيار التخصص، بحكم اهتمامها بمستقبل أبنائها وتحملها جانباً كبيراً من كلفة التعليم. لكن هذا الدور ينبغي أن ينتقل من الضغط إلى المساندة، ومن فرض الرغبة إلى الحوار المبني على المعلومات.

فالأسرة تستطيع أن تساعد الطالب على فهم الخيارات، ومقارنة التخصصات، وتقدير الكلفة والفرص، لكنها لا ينبغي أن تختار نيابة عنه مساراً لا يتناسب مع ميوله وقدراته.

كما ينبغي ألا يبدأ الإرشاد المهني بعد ظهور نتائج الثانوية العامة، بل قبل ذلك بسنوات. وتظهر نتائج "بيزا 2022" أن 55% فقط من الطلبة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحدثوا مع مرشد مهني قبل بلوغ سن الخامسة عشرة، ما يؤكد أن الإرشاد المبكر ما يزال تحدياً حتى في كثير من الأنظمة التعليمية المتقدمة.

ومن هنا، ينبغي ألا تبقى "بوصلة" موقعاً يلجأ إليه الطالب في أيام التسجيل فقط، بل أن تتحول إلى أداة منتظمة يستخدمها المرشدون داخل المدارس، وتوظف في جلسات تجمع الطلبة والأسر، وتساعدهم على مناقشة الخيارات التعليمية والمهنية بواقعية.

كما يمكن تدريب المرشدين على استخدام البيانات التي توفرها المنصة، ومساعدة الطلبة على فهم الفروق بين التخصصات، وعدم تفسير معدلات البطالة أو أعداد الخريجين بطريقة مبسطة أو منفصلة عن قدرات الطالب واهتماماته.


منصة رقمية لجيل يستخدم التكنولوجيا
يمكن لمنصة «بوصلة» الاستفادة من الانتشار الواسع للتكنولوجيا بين الشباب الفلسطيني. فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن نحو 95% من الشباب في الفئة العمرية 18–29 عاماً استخدموا الإنترنت في عام 2022.

ويجعل ذلك المنصة الرقمية وسيلة عملية للوصول إلى غالبية الطلبة، شريطة أن تكون سهلة الاستخدام، ومتوافقة مع الهواتف المحمولة، وأن تعرض المعلومات بلغة واضحة ومباشرة.

ولا يكفي أن تكون المعلومات متاحة إلكترونياً، بل يجب تنظيمها بطريقة تساعد الطالب على الفهم والمقارنة. كما ينبغي مراعاة تفاوت جودة الاتصال بالإنترنت بين المناطق، والظروف الصعبة التي يواجهها الطلبة، خصوصاً في المناطق المهمشة أو المتضررة.

ومن المفيد أيضاً تطوير أدوات تسمح بحفظ نتائج اختبارات الميول، ومقارنة عدد من التخصصات والمؤسسات، والوصول السريع إلى شروط القبول والرسوم والمنح والبيانات الإحصائية.

البيانات واستطلاعات الرأي في خدمة الاختيار

تكمن القيمة الحقيقية للبيانات في قدرتها على الانتقال من الجداول والتقارير إلى أدوات تساعد الناس على اتخاذ قراراتهم.

وعندما تُستخدم بيانات التخصصات والبطالة والتشغيل وأعداد الطلبة والخريجين في توجيه الطالب، فإنها تتحول من أرقام إحصائية إلى أداة تعليمية واجتماعية وتنموية.

وتؤكد التجارب الدولية الحاجة إلى هذا النوع من الإرشاد؛ فقد أظهرت نتائج «بيزا 2022» أن 39% من الطلبة في سن الخامسة عشرة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لا يمتلكون تصوراً مهنياً واضحاً.

وهنا تتكامل البيانات الرسمية مع استطلاعات الرأي. فالإحصاءات توضح أين توجد البطالة، وما مجالات الدراسة الأكثر انتشاراً، وأين تتركز فجوات المهارات. أما استطلاعات الرأي فتكشف لماذا يختار الطالب تخصصاً معيناً، ومن يؤثر في قراره، وما مصادر معلوماته، ومدى ثقته بالإرشاد، وكيف ينظر إلى التعليم التقني والمهني والمسارات البديلة.

وبهذا المعنى، يمكن أن تتطور «بوصلة» إلى منصة ذات اتجاهين: تقدم المعلومات للشباب، وتستمع إليهم من خلال استطلاعات دورية لطلبة المدارس والجامعات والخريجين والأسر والمرشدين وأصحاب العمل.

ومن شأن هذه الاستطلاعات أن تقيس مدى استخدام المنصة، وسهولة الوصول إلى معلوماتها، وتأثيرها في قرارات الطلبة، والجوانب التي تحتاج إلى تطوير، ومدى توافق البرامج التعليمية مع توقعات الشباب واحتياجات أصحاب العمل.

من منصة معلومات إلى أداة للتنمية والاستثمار في رأس المال البشري

لا تعني مواءمة التعليم مع التنمية إخضاع التعليم بالكامل لاحتياجات السوق، أو تجاهل رغبة الطالب وطموحه وحقه في تحقيق ذاته، بل تعني تحقيق توازن بين الطموح الفردي والقدرات الشخصية وخدمة المجتمع واحتياجات التنمية.

فالتنمية لا تحتاج إلى مزيد من الشهادات وحدها، بل إلى شباب يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار والعمل والإنتاج والتكيف.

وفي الحالة الفلسطينية، لا يمكن فهم العلاقة بين التعليم وسوق العمل بمعزل عن البيئة الاقتصادية الأوسع. فوفقاً للإطار التحليلي المقترح لمفهوم "الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة"، لا يعمل الاقتصاد الفلسطيني كاقتصاد مفتوح تتحرك فيه الأموال والعمالة والاستثمارات وعناصر الإنتاج بحرية كاملة، بل يخضع لمنظومة مترابطة من القيود السياسية والمالية والتجارية والمؤسسية، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة والسيادة.

وتحد هذه القيود من قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو وتوليد فرص عمل كافية ومستدامة.
ومن هذا المنظور، لا يرتبط ارتفاع البطالة بين الشباب والخريجين بطبيعة التخصصات أو بنوعية المهارات وحدهما، بل أيضاً بضعف قدرة الاقتصاد المقيّد على استيعاب الكفاءات.

ولذلك ينبغي ألا يقتصر دور «بوصلة» على توجيه الطالب نحو التخصصات المطلوبة في سوق العمل بصورته التقليدية، بل أن يربط التوجيه التعليمي بواقع الاقتصاد الفلسطيني وقيوده وتحولاته، وأن يبرز المهارات والمسارات التي تعزز القدرة على التكيف والإنتاج، مثل ريادة الأعمال، والعمل الحر، والاقتصاد الرقمي، والبرامج التقنية والتطبيقية.

وتتضح أهمية نوعية التعليم من تقديرات البنك الدولي التي تشير إلى أن الطفل في الضفة الغربية وقطاع غزة كان يتوقع إكمال 12.2 سنة من الدراسة، لكن سنوات التعلم المعدلة وفقاً لما يكتسبه فعلياً من معرفة ومهارات لم تتجاوز نحو 8 سنوات.

ويكشف ذلك عن فجوة بين مدة البقاء في التعليم وحصيلة التعلم الفعلية.

كما يمثل اختيار التخصص استثماراً اقتصادياً طويل الأجل تتشارك في تكلفته الأسرة والطالب والمجتمع، بما يشمله من رسوم جامعية ومواصلات ووقت وجهد وموارد عامة وخاصة. وعندما يكون الاختيار غير مناسب لقدرات الطالب أو بعيداً عن احتياجات الاقتصاد، قد يتحول هذا الاستثمار إلى عبء يرفع احتمالات التعثر والبطالة والعمل في مجالات لا ترتبط بالمؤهل.
وتظهر البيانات وجود تركز واضح في بعض المجالات؛ فقد شكل الحاصلون على مؤهل في مجال الأعمال والإدارة 27.9% من الأفراد في الضفة الغربية، من الفئة العمرية 20–29 عاماً والحاصلين على دبلوم متوسط أو بكالوريوس.

ولا تعني هذه النسبة أن هذا المجال غير مهم، بل تؤكد ضرورة مراقبة حجم الالتحاق بالتخصصات مقارنة بقدرة الاقتصاد على استيعاب الخريجين، ونوعية المهارات التي تمنحها البرامج.

ومن هنا، لا تقتصر أهمية «بوصلة» على مساعدة الطالب في اختيار تخصص مناسب، بل تمتد إلى تحسين الاستثمار في رأس المال البشري الفلسطيني.

فربط التخصصات بالمهارات والمسارات المهنية واحتياجات قطاعات الصحة والتعليم والتكنولوجيا والزراعة والطاقة والخدمات وريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي، يساعد على رفع الإنتاجية، وتقليص فجوة المهارات، وتعزيز فرص التشغيل والعمل الحر.

وبذلك، يمكن للمنصة أن تنتقل من دليل للتسجيل إلى أداة للتوجيه التعليمي والتخطيط التنموي، مع إدراك أن تطوير التخصصات والمهارات يجب أن يترافق مع سياسات تخفف القيود التي تحد من حركة الاقتصاد وقدرته على توليد الفرص.

توصيات لتعظيم أثر المنصة
بعد إطلاق منصة "بوصلة"، يصبح التحدي الأساسي ضمان استمراريتها وتوسيع استخدامها وقياس أثرها. ويمكن التركيز على التوصيات الأكثر أهمية التالية:
1.    تحديث البيانات بصورة دورية حول التخصصات، وشروط القبول، والرسوم، والمنح، مع إظهار تاريخ آخر تحديث بوضوح. 
2.    ربط التخصصات بسوق العمل من خلال عرض معدلات البطالة وفترة التعطل، والمهارات المطلوبة، والمسارات المهنية والوظائف المحتملة لكل تخصص. 
3.    تطوير أدوات المقارنة بين التخصصات والمؤسسات وفقاً لشروط القبول، والرسوم، والمنح، والموقع الجغرافي، وفرص العمل المتوقعة. 
4.    دمج المنصة في الإرشاد المدرسي وتدريب المرشدين التربويين على استخدامها، مع تنظيم جلسات تعريفية للطلبة وأولياء الأمور. 
5.    تعزيز التعليم التقني والمهني والرقمي وربطه بالعمل الحر، وريادة الأعمال، والمشروعات الصغيرة، واحتياجات القطاعات الإنتاجية. 
6.    قياس أثر المنصة بصورة دورية من خلال استطلاعات الطلبة والخريجين والأسر والمرشدين وأصحاب العمل، والاستفادة من النتائج في تطوير خدماتها.


الخلاصة

يبدأ مستقبل الشباب الفلسطيني من قرار اختيار التخصص، لكنه لا ينتهي عنده. فالاختيار هو الخطوة الأولى في مسار يحتاج إلى معلومة موثوقة، وإرشاد مبكر، ومهارة قابلة للتطوير، وبيئة اقتصادية قادرة على تحويل المعرفة إلى فرصة.

ومع إطلاق منصة «بوصلة» رسمياً، انتقلت الفكرة من مستوى الحاجة والمقترح إلى مستوى الأداة الوطنية المتاحة أمام الطلبة والأسر والمرشدين. ولم يعد التحدي يتمثل في وجود المنصة فقط، بل في ضمان استخدامها على نطاق واسع، وتحديث بياناتها باستمرار، وتطوير خدماتها، وقياس أثرها الفعلي في اختيارات الطلبة ومساراتهم التعليمية والمهنية.
وتمثل "بوصلة" فرصة وطنية للانتقال من الاختيار القائم على التخمين والانطباع إلى القرار المبني على المعرفة والمقارنة. وقيمتها الحقيقية لا تكمن في مساعدة الطالب على العثور على مقعد جامعي فقط، بل في مساعدته على اكتشاف اتجاه يتوافق مع قدراته وطموحه، ويمنحه أدوات العمل والإنتاج والمشاركة في المجتمع.

وعندما تتكامل المنصة مع الإرشاد المدرسي، والبيانات الرسمية، واستطلاعات الرأي، ومتابعة الخريجين، يمكن أن تصبح جزءاً من سياسة وطنية أوسع لبناء رأس المال البشري، وتعزيز قدرة الشباب الفلسطيني على صناعة مستقبلهم بوعي وثقة، والمساهمة في اقتصاد أكثر إنتاجية ومجتمع أكثر قدرة على الصمود.