في كل الحروب، لا تتوقف المعارك عند حدود الميدان، بل تمتد إلى السياسة، وإلى سؤال الشرعية، وإلى العلاقة بين القيادة والشعب. وما إن تهدأ أصوات القصف حتى يبدأ سؤال أكثر صعوبة: كيف سيحكم الناس على من قاد المرحلة؟ وهل ستبقى الشرعية التي أنتجتها ظروف الصراع كما هي، أم أن حجم الخسائر سيعيد تشكيل الوعي والخيارات؟

في هذا السياق، أثارت التصريحات التي تحدثت عن الثقة بإمكانية الفوز في أي انتخابات فلسطينية مقبلة نقاشًا واسعًا. وليس لأن الانتخابات بحد ذاتها أمر مستغرب، بل لأن الحديث يأتي بعد حرب تركت آثارًا غير مسبوقة على قطاع غزة؛ عشرات الآلاف من الضحايا، ودمار واسع، ونزوح جماعي، وانهيار في الخدمات الأساسية، وأزمة إنسانية ما زالت تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية.

السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها، كما أنها لا تُقاس بالخسائر وحدها. ففي التجارب العالمية، لم يكن الناخب دائمًا يعاقب من خاض الحرب، كما أنه لم يكن يمنحه الثقة تلقائيًا. سلوك الناخب يتشكل من مزيج معقد من العوامل: تقييم الأداء، والإحساس بالأمن، والقدرة على إدارة الأزمات، والبدائل السياسية المتاحة، والظروف الاقتصادية، والهوية الوطنية، وحتى المشاعر المتراكمة بعد انتهاء الصراع.

في الحالة الفلسطينية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالانتخابات، إن أُجريت، لن تكون مجرد منافسة بين برامج انتخابية، بل ستكون استفتاءً على مرحلة كاملة. سيحمل كل مواطن تجربته الشخصية إلى صندوق الاقتراع؛ من فقد ابنه، ومن هُدم منزله، ومن عاش النزوح، ومن صمد، ومن يرى أن المقاومة حققت إنجازًا، ومن يعتقد أن الكلفة كانت أكبر من قدرة المجتمع على الاحتمال.

لهذا، فإن الرهان على نتيجة محسومة قبل أن يتحدث الناس عبر صناديق الاقتراع يبدو رهانًا سابقًا لأوانه. فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تتحرك وفق معادلات بسيطة، بل تعيد مراجعة كثير من قناعاتها، وقد تفاجئ الجميع بخيارات لم تكن متوقعة.

ومن زاوية أخرى، فإن أي حديث عن انتخابات يفترض أولًا توافر شروطها الأساسية: بيئة سياسية مستقرة، وضمانات للنزاهة، وحرية العمل السياسي، وقضاء مستقل، وقبول جميع الأطراف بنتائجها. فبدون هذه الشروط، تتحول الانتخابات إلى إجراء شكلي لا يعكس الإرادة الشعبية الحقيقية.

إن قوة أي حركة سياسية لا تُقاس بقدرتها على إعلان الثقة بنفسها، بل بقدرتها على الإصغاء للناس، والاعتراف بالأخطاء إن وجدت، وتقديم رؤية واقعية للمستقبل، وتحمل المسؤولية أمام الجمهور. فالشعوب لا تبحث فقط عمن يقودها في الحرب، بل أيضًا عمن يستطيع أن يقودها نحو التعافي وإعادة البناء واستعادة الحياة.

في النهاية، تبقى الكلمة الأخيرة للشعب الفلسطيني وحده. فلا التحليلات، ولا التصريحات، ولا استطلاعات الرأي تستطيع أن تحل محل الإرادة الشعبية الحرة. فالديمقراطية، عندما تتوافر شروطها، لا تمنح أحدًا حقًا دائمًا في الحكم، ولا تسلب أحدًا حق المنافسة، وإنما تجعل المواطن هو صاحب القرار، وهو وحده من يقرر من يستحق ثقته بعد كل ما جرى.

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قدر كبير من التواضع السياسي، وإلى خطاب يعترف بآلام الناس قبل أن يطلب أصواتهم. فالأوطان التي خرجت من الحروب لا تُبنى باليقين السياسي، وإنما بالمراجعة، والمساءلة، واحترام إرادة المواطنين، أيًا كانت نتائجها