اقتصاد صدى - عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) ورشة عمل لعرض ومناقشة نتائج ثلاث أوراق سياساتية، وجاهياً في مقر المعهد وعبر تقنية الزووم. وشارك في اللقاء د. سماح حمد وزيرة التنمية الاجتماعية ، ود. فراس ملحم مدير عام المعهد، ود. رابح مرار رئيس الهيئة الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني ومُعد الأوراق، والمهندسة وسام نخلة مدير عام الأبنية في وزارة التربية والتعليم العالي، ود. سامية البطمة أستاذة الاقتصاد في جامعة بيرزيت، إلى جانب نخبة من المختصين والخبراء والمهتمين، وأدار اللقاء د. سامح حلاق الذي شكر الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي على دعمه لتنفيذ هذه الأوراق. 

وفي مستهل اللقاء، رحب المدير العام لمعهد ماس بالمشاركين، وأشار إلى اهتمام الحكومة الفلسطينية بملف قطاع غزة وإعادة الإعمار، وحرصها على متابعة التحديات والاحتياجات المرتبطة بهذه المرحلة. كما أشار إلى اهتمام المعهد بهذا الملف ودوره في المساهمة في النقاشات والجهود البحثية المتعلقة بإعادة الاعمار والتعافي. 

وخلال استعراضه للأوراق، أشار الباحث مرار إلى أن الورقة الأولى تتناول "تعزيز الوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية (الصحة والتعليم) للأسر الفلسطينية في قطاع غزة بعد حرب أكتوبر 2023". وبين أن الورقة تستعرض حجم التحديات التي تواجه النظامين الصحي والتعليمي، وانعكاسات انهيار الخدمات الأساسية على الفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة. وتدعو الورقة إلى تبني مجموعة من السياسات والتدخلات العاجلة لتعزيز الوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية، ففي قطاع التعليم، تبرز الحاجة إلى تطوير برامج التعليم في حالات الطوارئ، وإنشاء مدارس مؤقتة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة والمعلمين. أما في قطاع الصحة، فتبرز أهمية إنشاء مستشفيات ميدانية، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية، وضمان توفير الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. كما تؤكد الورقة ضرورة تعزيز دور المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية في دعم جهود إعادة الإعمار، وتحسين الأمن الغذائي، وتوفير شبكات حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضررا.

فيما تناولت الورقة الثانية موضوع "تعزيز الوصول إلى خدمات البنية التحتية الحيوية (الإسكان والمأوى، والكهرباء، والمياه) للأسر الفلسطينية في غزة ما بعد حرب أكتوبر 2023". وتسلط الورقة الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه الأسر الفلسطينية نتيجة تدمير الوحدات السكنية، وأزمة النزوح المستمرة، والانهيار شبه الكامل في خدمات الطاقة والمياه، وما يترتب على ذلك من آثار إنسانية وصحية واقتصادية واسعة النطاق. وأوضح مرار أن الورقة تقدم مجموعة من السياسات والتدخلات الهادفة إلى معالجة الأزمة الإنسانية وتعزيز الوصول إلى خدمات البنية التحتية الأساسية. وتشمل هذه التدخلات تطوير برامج للإسكان الطارئ وإعادة الإعمار، وتوسيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، لتوفير الكهرباء، إضافة إلى تنفيذ برامج عاجلة لإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي وتحسين إدارة الموارد المائية. كما تؤكد الورقة أهمية التعاون بين الحكومة الفلسطينية والمجتمع الدولي والقطاع الخاص والمجتمع المحلي لضمان استجابة إنسانية فعالة ومستدامة، بما يسهم في إعادة بناء البنية التحتية، وتعزيز قدرة المجتمع الغزي على الصمود والتعافي في مرحلة ما بعد الحرب.

أما الورقة الثالثة فتناولت "تعزيز الأمن الغذائي للأسر الفلسطينية في قطاع غزة: التحديات والاستجابات في مرحلة ما بعد حرب أكتوبر 2023"، وتعتمد الورقة على مقاربة تحليلية شاملة للأمن الغذائي تستند إلى أبعاده الأربعة: توافر الغذاء، وإمكانية الوصول إليه مادياً واقتصادياً، والاستفادة منه غذائياً، واستقرار هذه الأبعاد مع مرور الوقت. وتبين الورقة أن انعدام الأمن الغذائي في غزة تحول إلى أزمة بنيوية مرتبطة بالقيود المفروضة على حركة الغذاء وسلاسل الإمداد، مما دفع الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيّف قسرية للبقاء. كما تقدم الورقة خارطة طريق للسياسات لتعزيز الأمن الغذائي في قطاع غزة، تقوم على ثلاث مراحل متكاملة: الاستجابة الإنسانية العاجلة لمنع تفاقم المجاعة، وإعادة تأهيل القطاع الزراعي وسلاسل القيمة الغذائية، وبناء منظومة غذائية أكثر قدرة على الصمود والاستدامة. وتؤكد الورقة أن تحقيق الأمن الغذائي في قطاع غزة يتطلب بالإضافة إلى التدخلات الإنسانية والتنموية، إزالة القيود المفروضة على حركة الغذاء والمدخلات الإنتاجية، وإعادة دمج الاقتصاد الغزي في محيطه الفلسطيني والإقليمي، بما يضمن وصولاً عادلاً ومستداماً إلى الغذاء ويعزز قدرة المجتمع على التعافي والصمود.

بدورها، شكرت وزيرة التنمية الاجتماعية د. سماح حمد معهد (ماس) على الاستضافة وإتاحة المجال لتقديم هذه المداخلة، مؤكدة أن أي جهود لإعادة الإعمار لا يمكن أن تبدأ بمعزل عن وقف الكارثة الإنسانية المستمرة في قطاع غزة، وضرورة معالجة الاحتياجات الإنسانية العاجلة للسكان. وأشارت إلى أهمية إعادة بناء البنية المؤسسية في قطاع غزة، وضمان استعادة الخدمات الأساسية، موضحة أن الحكومة الفلسطينية تنفذ جهوداً يومية ضمن خطط وبرامج تهدف إلى الاستجابة للتحديات القائمة.  لكن في المقابل، فإن استمرار القصف والتدمير، وعودة منهجية استهداف المنازل المتبقية، يزيد من حجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية.

وبينت الوزيرة أن أسعار المواد الغذائية في قطاع غزة وصلت إلى مستويات هي الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، ما يعكس حجم الأزمة المعيشية والضغوط الاقتصادية التي يواجهها السكان. وأكدت أن الحكومة الفلسطينية أعدت خططا تفصيلية قائمة على برامج ومشاريع مترابطة وشاملة، داعية جميع المؤسسات والمنظمات العاملة إلى توحيد الجهود والعمل ضمن منظومة واحدة، تجمع بين المسار الإغاثي والمسار التنموي، بما يضمن استجابة أكثر فاعلية واستدامة للاحتياجات المتزايدة. وفي سياق الحماية الاجتماعية، شددت الوزيرة على أهمية توفير فرص العمل كأداة للتخفيف من الضغوط الواقعة على برامج التنمية الاجتماعية.

من جانبها، أشارت المهندسة وسام نخلة إلى أن قطاع التعليم يمثل أحد أكبر القطاعات المتضررة في قطاع غزة، موضحة أن نحو 40% من الأبنية التعليمية كانت تعمل قبل الحرب بنظام الفترتين، ما يعكس حجم الحاجة المتزايدة إلى المساحات التعليمية حالياً. وأضافت أن العديد من ساحات ومرافق المدارس تم تحويلها إلى أماكن لإيواء الخيام، الأمر الذي أثر على قدرتها على تقديم خدمات التعليم. وأوضحت أن هناك حالياً نحو 750 نقطة تعليمية في قطاع غزة لتلبية جزء من الاحتياجات التعليمية المتزايدة.

بدورها أكدت د. سامية البطمة أن ما يجري في قطاع غزة يمثل حالة استثنائية لا يمكن مقارنتها بسهولة بتجارب أخرى، وأشارت إلى أن المعالجات المطروحة غالبا ما تفترض عودة تدريجية إلى وضع طبيعي، في حين أن الواقع على الأرض مختلف بسبب استمرار عمليات التدمير. وأشارت إلى استمرار انعدام الأمن الغذائي، متسائلة عن أدوات التكيّف المتاحة في ظل الظروف الراهنة. كما تطرقت إلى تحديات استصلاح الأراضي الزراعية، مشيرة إلى حجم الدمار والتعقيدات المرتبطة بتفكيك الأضرار ومعالجة تلوث التربة، مؤكدة أن العودة إلى الإنتاج الزراعي تتطلب معالجة هذه القضايا والاستفادة من تجارب دول أخرى. 

وفيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية، شددت على أهمية إبراز دور القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات، كما طرحت تساؤلات حول إمكانية استخدام تقنيات الزراعة المائية في قطاع غزة، في ظل الحاجة إلى معالجة تحديات توفر المياه، بما في ذلك تحلية مياه البحر.