
ليست الانتخابات الفلسطينية المقبلة، التي تقرر إجراؤها بموجب المراسيم الرئاسية الصادرة لتنظيمها في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، مجرد استحقاق دستوري مؤجل طال انتظاره، وليست مجرد محطة لإعادة تشكيل المجلس التشريعي بعد سنوات طويلة من الفراغ المؤسسي، وإنما تبدو، في جوهرها السياسي، لحظة تأسيسية لإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني الرسمي بأكمله.... فمن يقرأ النصوص المنظمة للعملية الانتخابية، ويضعها في سياق التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقدين الأخيرين، يدرك أن المسألة تتجاوز انتخاب برلمان جديد إلى محاولة إعادة إنتاج الشرعية السياسية الفلسطينية وفق معادلات جديدة، يكون المجلس التشريعي فيها بوابة لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، ومن ثم إعادة بناء المرجعية العليا للنظام السياسي الفلسطيني. ومن هذه الزاوية تحديدا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن أسماء الفائزين والخاسرين ليس .. من سيفوز في الانتخابات؟ بل .. أي نظام سياسي يراد إنتاجه من خلال هذه الانتخابات؟ وهل نحن أمام عملية إحياء للمؤسسات الوطنية، أم أمام عملية هندسة جديدة للنظام الرسمي الفلسطيني؟
هذا السؤال يكتسب مشروعيته من طبيعة المرحلة التي تعيشها القضية الفلسطينية. فمنذ سنوات طويلة، لم يعد الانقسام الفلسطيني مجرد خلاف بين حركتي فتح وحماس، بل تحول إلى انقسام في مفهوم الشرعية ذاتها، وفي تعريف المؤسسة الوطنية، وفي وظيفة السلطة الفلسطينية، وفي موقع منظمة التحرير الفلسطينية داخل المشروع الوطني. ومع مرور الزمن، تراجعت المؤسسات الجامعة، وتعطلت آليات التمثيل، وأصبحت السلطة الفلسطينية هي المؤسسة الأكثر حضورا في الحياة اليومية للفلسطينيين، بينما انكمش دور منظمة التحرير، التي يفترض أنها الإطار الجامع لكل الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه. لذلك فإن الربط بين انتخاب المجلس التشريعي وإعادة تشكيل المجلس الوطني لا يمكن النظر إليه بوصفه تفصيلا إجرائيا، وإنما باعتباره إعادة رسم للخريطة المؤسسية الفلسطينية، بكل ما تحمله من آثار سياسية ووطنية...
ومن هنا تنطلق إحدى أبرز الإشكاليات التي تثيرها هذه العملية. فإذا كان المجلس الوطني هو برلمان الشعب الفلسطيني بكل تجمعاته في الداخل والشتات، فهل يمكن أن يعاد تشكيله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، انطلاقا من انتخابات تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس فقط؟ وكيف يمكن لملايين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء والمهجر أن يكونوا جزءا من عملية إعادة بناء المؤسسة التي تمثلهم جميعا، إذا كانت نقطة الانطلاق محصورة بجغرافيا السلطة الفلسطينية؟ إن هذا التساؤل لا ينتقص من أهمية الانتخابات التشريعية، لكنه يضع حدودا فاصلة بين إعادة تفعيل مؤسسات السلطة وبين إعادة تعريف المرجعية الوطنية العليا للشعب الفلسطيني...
إن الخشية هنا لا تنبع من مبدأ الانتخابات، فالانتخابات في ذاتها قيمة ديمقراطية لا خلاف عليها، وإنما من استخدامها كآلية لإعادة ترتيب النظام السياسي دون توافق وطني شامل يسبقها. فالشرعية الانتخابية، مهما كانت أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تحل محل الشرعية الوطنية التاريخية التي تأسست عليها منظمة التحرير باعتبارها إطارا جامعا لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني. ولذلك فإن أي محاولة للانتقال من شرعية إلى أخرى عبر مسار انتخابي محدود جغرافيا وسياسيا ستظل محل نقاش، ليس لأنها ترفض الديمقراطية، وإنما لأنها تتساءل عن حدودها عندما يتعلق الأمر بتمثيل شعب موزع بين الاحتلال واللجوء والشتات...
وفي قلب هذه المعادلة تقف حركة فتح، باعتبارها القوة التي أسست السلطة الفلسطينية، وتقود منظمة التحرير، وتمثل العمود الفقري للمؤسسة الرسمية. غير أن الحركة تدخل الانتخابات وهي تواجه واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا منذ انطلاقتها. فالمؤتمر العام الثامن، رغم ما حققه من تثبيت للقيادة الرسمية، لم ينجح في إنهاء الأسئلة المتعلقة بمستقبل الحركة، ولا في معالجة التباينات التنظيمية التي تراكمت عبر السنوات. بل إن المؤتمر كشف بصورة غير مباشرة حجم الفجوة بين البنية التنظيمية الرسمية وبين قطاعات واسعة من الكوادر التي تشعر بأنها أصبحت خارج دائرة التأثير... ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام فتح لا يتمثل في منافسة حماس أو القوى الأخرى، وإنما في قدرتها على منع تكرار ظاهرة المنافسة الداخلية التي عرفتها الحركة في انتخابات 1996 بصورة محدودة، ثم في انتخابات 2006 بصورة أكثر وضوحا وتأثيرا. فكل المؤشرات تدل على أن القائمة الرسمية لن تستوعب جميع الطامحين، وأن شخصيات عديدة ذات امتداد جماهيري وتنظيمي قد تجد نفسها خارج القائمة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تشكيل قوائم مستقلة تحمل هوية فتحاوية سياسية وإن لم تحمل اسم الحركة رسميا. وهذه الظاهرة، إن حدثت، لن تكون مجرد خلاف تنظيمي، وإنما تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بعلاقة الحركة بقواعدها، وبطريقة إنتاج النخب داخلها. ولعل ما يزيد هذا الاحتمال قوة أن النظام النسبي يشجع على تشكيل قوائم متعددة، إذ لم يعد الترشح خارج القائمة الرسمية يعني الخروج الكامل من المعادلة السياسية، بل قد يصبح وسيلة للحصول على تمثيل برلماني مستقل، يمكن أن يتحول لاحقا إلى ورقة تفاوض داخل النظام السياسي نفسه. ولذلك فإن المنافسة داخل الفضاء الفتحاوي قد تكون أكثر شراسة من المنافسة بين فتح وبقية القوى... وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما يسمى بتيار الإصلاح الديمقراطي بزعامة محمد دحلان، الذي سبق أن استعد لخوض انتخابات عام 2021 بقائمة مستقلة قبل إلغائها. فالتيار، رغم خروجه من الإطار التنظيمي الرسمي لفتح، لا يزال يعتبر نفسه امتدادا لجزء من تاريخ الحركة، ويملك حضورا في بعض المناطق، وخاصة في قطاع غزة وبعض المخيمات. ومن المرجح، إذا جرت الانتخابات، أن يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره بديلا إصلاحيا داخل المدرسة الوطنية نفسها، مستفيدا من أي انقسامات داخل فتح الرسمية، ومن حالة السخط لدى بعض كوادرها...
أما حركة حماس، فإنها تدخل الانتخابات من موقع مختلف تماما عما كانت عليه عام 2006. فالحركة لم تعد تنظر إلى المجلس التشريعي باعتباره مجرد مؤسسة تشريعية، وإنما باعتباره إحدى بوابات التأثير في إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله. ولذلك فإن مشاركتها، إن تمت، ستكون محكومة بحسابات تتجاوز عدد المقاعد، لتصل إلى موقعها في معادلة الشرعية الوطنية، وفي مستقبل منظمة التحرير، وفي شكل العلاقة بين المقاومة والمؤسسات السياسية... ومن المتوقع أن تحاول الحركة تقديم قائمة تجمع بين القيادات التنظيمية والشخصيات الأكاديمية والمستقلة، بما يمنحها صورة وطنية أوسع. كما ستسعى إلى استثمار أي حالة انقسام داخل منافسيها، لكنها في الوقت نفسه ستكون مطالبة بالإجابة عن أسئلة تتعلق برؤيتها لمستقبل النظام السياسي، وكيفية إدارة العلاقة بين العمل المقاوم والعمل المؤسسي، وهي أسئلة ستكون حاضرة بقوة في أي نقاش انتخابي. وفي المقابل، تبدو قوى اليسار الفلسطيني في أكثر مراحلها ضعفا. فالتراجع الذي أصابها لا يرتبط فقط بنتائج الانتخابات السابقة، وإنما يعكس أزمة بنيوية في المشروع السياسي والفكري والتنظيمي. لقد فقد اليسار، تدريجيا، موقعه كقوة ثالثة قادرة على صناعة التوازن بين التيارين الوطني والإسلامي، وأصبح حضوره الانتخابي محدودا، رغم ما يمتلكه من رصيد تاريخي ونضالي. وإذا لم ينجح في بناء رؤية جديدة تتجاوز الإرث التقليدي، فمن المرجح أن يبقى لاعباً هامشيا في المعادلة المقبلة...
وفي الفراغ الذي يتركه تراجع الأحزاب، تتقدم قوى المجتمع المدني، والشخصيات المستقلة، ورجال الأعمال، والنخب الاقتصادية. وهذه القوى قد تجد في النظام النسبي فرصة لتعزيز حضورها، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا آخر.. هل يمثل صعودها تطورا طبيعيا في الحياة الديمقراطية، أم أنه يعكس انتقال مركز الثقل من الحركة الوطنية إلى النخب الإدارية والاقتصادية، بما قد يؤدي إلى إعادة تعريف السياسة الفلسطينية وفق اعتبارات تختلف عن تلك التي حكمتها خلال العقود الماضية؟
كما لا يمكن التقليل من دور العشائر والعائلات الكبرى والامتدادات الجهوية. فرغم كل مظاهر الحداثة السياسية، لا تزال البنى الاجتماعية التقليدية تمتلك قدرة على التأثير في سلوك الناخبين، خاصة في المحافظات والبلدات والمخيمات. وقد تتحول هذه القوى إلى عنصر حاسم في ترجيح كفة بعض القوائم، بما يعكس استمرار التداخل بين الاجتماعي والسياسي في الحالة الفلسطينية.
أما القدس، فإنها ستظل معيارا لشرعية العملية الانتخابية أكثر من كونها مجرد دائرة انتخابية. فإجراء الانتخابات فيها يعني تكريسا للحق السياسي الفلسطيني، بينما تعطيلها أو تقييدها يعيد إنتاج الإشكاليات التي برزت عام 2021. ولذلك فإن مصير الانتخابات سيظل مرتبطا إلى حد كبير بالطريقة التي سيعالج بها ملف القدس، باعتباره قضية سيادية ووطنية قبل أن يكون قضية إجرائية.
غير أن البعد الأكثر أهمية يبقى مرتبطا بالمجلس الوطني الفلسطيني. فهنا تكمن جوهر الإشكالية. إذ إن إعادة تشكيل المجلس الوطني عبر المسار الذي ترسمه المراسيم الرئاسية تثير أسئلة عميقة حول طبيعة التمثيل الوطني، وحدود الشرعية، والعلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير. فالمجلس الوطني لم يكن في الأصل مؤسسة تخص سكان الضفة الغربية وقطاع غزة وحدهم، بل كان التعبير السياسي عن الشعب الفلسطيني أينما وجد. ومن ثم، فإن أي عملية لإعادة تشكيله ينبغي، من منظور كثير من الباحثين والسياسيين، أن تقوم على توافق وطني شامل وآليات تضمن مشاركة مختلف التجمعات الفلسطينية، لا أن تكون امتدادا لعملية انتخابية تجري ضمن حدود السلطة الفلسطينية...
إن هذا النقاش لا ينبغي أن يفهم باعتباره رفضا للديمقراطية أو للاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وإنما دفاعا عن فكرة أن الديمقراطية ذاتها تحتاج إلى إطار وطني جامع يحفظ التوازن بين شرعية الانتخاب وشرعية التمثيل التاريخي للشعب الفلسطيني بكل مكوناته. فالانتخابات يمكن أن تعيد إنتاج المؤسسات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحل الإشكالات المتعلقة بطبيعة المشروع الوطني أو بهوية المرجعية السياسية الجامعة...
وفي ضوء ذلك، تبدو الانتخابات المقبلة مفترق طرق تاريخيا. فهي قد تشكل فرصة لإحياء المؤسسات إذا جاءت ضمن توافق وطني شامل يسبقها ويحدد أهدافها وحدودها، وقد تتحول، في المقابل، إلى مدخل لإعادة هندسة النظام السياسي الرسمي وفق معادلات جديدة، إذا جرى التعامل معها باعتبارها الأداة الوحيدة لإنتاج الشرعية وإعادة تشكيل المرجعية الوطنية. وبين هذين الاحتمالين يقف الفلسطينيون أمام استحقاق لا يتعلق فقط بمن سيفوز بأغلبية المقاعد، بل بالسؤال الأكبر.. أي نظام سياسي يراد بناؤه، ولصالح أي مشروع وطني، وبأي درجة من الشراكة والتمثيل؟
إن مستقبل القضية الفلسطينية لا يتوقف على وجود انتخابات من عدمها، بل على طبيعة العقد الوطني الذي ستنتجه تلك الانتخابات. فإذا أصبحت الانتخابات وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية وإعادة الاعتبار للمؤسسات الجامعة، فإنها تمثل خطوة إلى الأمام. أما إذا تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل المرجعية الفلسطينية دون مشاركة جميع مكونات الشعب الفلسطيني، فإنها ستظل تثير أسئلة سياسية ودستورية ووطنية سترافق نتائجها لسنوات طويلة، لأن جوهر الأزمة الفلسطينية لم يكن يوما أزمة صناديق اقتراع، بل أزمة تعريف للتمثيل الوطني، ولطبيعة المشروع السياسي الجامع الذي ينبغي أن يبقى ملكا لجميع الفلسطينيين، لا نتاجا لمعادلات ظرفية أو ترتيبات مؤسسية عابرة.