كانوا دائما يكتبون شهادة الوفاة قبل ان ينتهي العمر... كانوا ينظرون الى تلك البقعة القديمة من العالم، الى وجوه اهلها التي حفرتها السنوات، الى الطرق التي حفظت اصوات العابرين والراحلين، الى البيوت التي وقفت طويلا في وجه الريح، ثم يقولون بثقة من يظن انه امتلك مفاتيح التاريخ .. لقد انتهت الحكاية، لقد تعب القوم، لقد ذبلت الشجرة، لقد اصبح ابناء التراب يبحثون عن يومهم فقط، ولم يعد في صدورهم متسع للحلم...  لكنهم لم يفهموا طبيعة تلك الارض. لم يفهموا ان هناك اماكن لا تسكنها الجغرافيا وحدها، بل تسكنها الذاكرة. لم يدركوا ان بعض الشعوب قد تثقلها الجراح لكنها لا تفقد قدرتها على النهوض، وان بعض الجبال قد تصمت طويلا لا لانها ماتت، بل لانها تجمع في صخورها قوة العاصفة القادمة... 

في هذه البلاد التي تشبه كتابا قديما كلما حاولوا تمزيقه عادت صفحاته للالتئام، كان هناك سر لم يستطع احد تفسيره. كلما قالوا ان اهلها انتهوا، ظهر جيل جديد يحمل من الحكاية ما يكفي لفتح باب اخر. كلما ظنوا ان التعب انتصر، خرج من بين الازقة والحارات صوت يقول .. لم تنته القصة بعد...  فابن التراب هناك لم يكن مجرد ساكن في مكان تحاصره الاسلاك والحدود والقيود، بل كان امتدادا لشيء اقدم من كل الجدران... كان يحمل في ذاكرته رائحة الحقول، وصوت الاجراس القديمة، وخطوات الاجداد الذين عبروا الطرق ذاتها قبل ان تتحول الى ساحات اختبار للارادة. كان يعرف ان الارض ليست حجرا فقط، وان البيت ليس سقفا وجدرانا فقط، بل هو معنى يختبئ في الروح...

وعندما ظنوا في نهاية القرن الماضي ان الصمت الطويل قد تحول الى استسلام، خرجت الارض من سباتها. لم تخرج بترسانة ولا بجيوش، بل خرجت من قلوب الناس العاديين. خرجت من المخيمات والقرى والمدن، من ايدي الصغار والكبار، من النساء اللواتي حفظن الحكاية، ومن الشيوخ الذين ظلوا يرددون اسماء الامكنة كي لا تضيع من الذاكرة... وكان الصوت الاعلى والابهى .. ان لا صوت يعلو فوق صوت الحق وان لاصوت يعلو فوق صوت الشعب وان لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة ..  فكانت الانتفاضة الكبرى الاولى لحظة انكسرت فيها الصورة التي حاولوا رسمها طويلا. اكتشف العالم ان القوة ليست دائما في الحديد، وان الجدران مهما ارتفعت لا تستطيع ان تمنع فكرة من العبور. كان الحجر الصغير اكبر من حجمه، ليس لانه اقوى من السلاح، بل لانه حمل معنى اكبر من المواجهة نفسها. حمل اعلان ابن البلاد انه ما زال هنا، وما زال يرى، وما زال يرفض ان يتحول الى رقم في سجل طويل من النسيان...

ثم جاءت السنوات التي حملت معها املا كبيرا وخيبات كبيرة. تغيرت الوجوه، وتغيرت الحسابات، ودخلت الحكاية مرحلة جديدة. ظهر نظام رسمي يحمل اسم القضية، ورفع رايات التمثيل والادارة، وظن كثيرون ان الطريق نحو الخلاص قد بدأ. لكن الايام كشفت ان النظام الذي  جاء  ليكون جسرا نحو الحرية تحول  تدريجيا الى عبء جديد على اكتاف الناس...
لم يعد ابن التراب يواجه ثقلا واحدا فقط، بل وجد نفسه بين مطرقتين .. مطرقة واقع مفروض من الخارج، وسندان واقع داخلي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم. اصبح عليه ان يحمل هموم الاحتلال وهموم الحياة اليومية، وان يواجه القيود القادمة من وراء الحدود، والاثقال التي تراكمت داخل البيت نفسه.

فبدلا من ان تكون المؤسسة الرسمية صوتا للشارع، بدأ كثيرون يرونها بعيدة عن نبض الشارع. بدلا من ان تحمي الذاكرة الجماعية وتبني على تاريخ النضال الطويل، بدت احيانا وكأنها تحاول اعادة تعريف التاريخ بما يناسب مصالحها. اصبح صوت الجماهير القديمة، صوت المخيمات والقرى والازقة، صوت الذين صنعوا اللحظات الكبرى، يبدو وكأنه ضجيج مزعج في حسابات السياسة...

وهنا بدأت مأساة جديدة. لم تعد المعركة فقط بين من يحاولون محو الحكاية من الخارج، بل ظهرت ايضا محاولات لترويضها من الداخل. اصبح بعض من حملوا اسم القضية يخشون من قوة الشارع اكثر مما يخشون من قوة خصومهم. اصبح الفعل الشعبي الذي كان يوما مصدر الشرعية ينظر اليه باعتباره مشكلة يجب ضبطها، لا طاقة يجب احتضانها...  فابن البلاد الذي حمل الحجر في زمن مضى، وحمل صوته في ساحات المدن، وحمل صورة القدس في قلبه، وجد نفسه امام واقع يريد منه ان يكون متفرجا على تاريخه. يريدون منه ان يتذكر الماضي كصورة معلقة على الجدار، لا كروح حية تتحرك في الحاضر... 

ثم جاءت القدس، المدينة التي لم تكن يوما مجرد مدينة. كانت دائما قلب الحكاية النابض. كانت المكان الذي تختصر فيه كل الاسئلة .. سؤال الذاكرة، وسؤال الهوية، وسؤال البقاء. في كل مرة ظنوا ان المدينة هدأت، كانت تخرج من صمتها لتذكر الجميع بان المدن التي تسكنها الروح لا تنام بسهولة...  ومن ابوابها القديمة، ومن ازقتها التي تحفظ خطى الاجيال، خرجت موجات جديدة من الغضب والاحتجاج. خرج شباب لم يحملوا ذاكرة الانتفاضة الاولى كاملة، لكنهم ورثوا معناها. شباب ولدوا في زمن مختلف، عاشوا عالما مليئا بالشاشات والسرعة، لكنهم اكتشفوا ان بعض الاسئلة لا تتغير مهما تغير الزمن .... وفي كل محطة كان السؤال يعود ... هل انتهى ابناء هذه الارض؟ هل اصبحوا عاجزين عن الفعل؟ هل نجح التعب في قتل الرغبة في المقاومة ..؟؟ وكان الجواب يأتي دائما من المكان ذاته .. من الشارع، من الوجوه الجديدة، من الذين لم يكونوا في حسابات السياسيين ولا في توقعات المحللين. ففي الانتفاضة الثانية، عندما انفجرت مرحلة جديدة من الصراع، ظهر مرة اخرى ان الحكاية لم تمت. كانت الظروف اكثر قسوة، وكانت الاثمان اكثر ارتفاعا، لكن الرسالة بقيت واحدة .. ان من يحاول اخضاع الذاكرة يكتشف في النهاية انه يواجه شيئا لا يمكن اعتقاله...

ومع مرور السنوات، ظهرت اشكال جديدة من الصمود. لم تعد المقاومة مرتبطة بصورة واحدة. اصبحت في البقاء، وفي التمسك بالمكان، وفي حفظ اللغة، وفي رفض ان يصبح الغياب امرا طبيعيا. اصبحت في ام فلسطينية تعلم ابناءها اسماء القرى القديمة، وفي شاب مقدسي يصرعلى ان تكون مدينته حاضرة في يومه، وفي فنان يحول الجدار الى لوحة، وفي كاتب يحاول ان يحفظ ما يريدون له ان يضيع...

لكن اخطر ما واجهته الحكاية لم يكن فقط قوة الخصم، بل ايضا محاولات اشغال الناس عن السؤال الاساسي. فقد امتلأت حياة الناس بقضايا يومية تستهلك طاقتهم، ازمات متلاحقة، صراعات داخلية، انقسامات، ومشكلات تجعل المواطن يغرق في البحث عن الخلاص الفردي بينما تضيع القضايا الكبرى وسط الضجيج...

اصبح البعض مشغولا بالصراع على التفاصيل الصغيرة، بينما تتراجع الاسئلة الكبيرة الى الخلف. اصبحت المعارك الجانبية كثيرة، حتى كاد المشهد يفقد بوصلته. وفي وسط هذا الضجيج، حاول البعض اقناع الناس بان زمن الحكايات الكبرى انتهى، وان عليهم فقط ان يتكيفوا مع الواقع... لكن التاريخ علمنا ان الشعوب التي تحمل قضية عميقة قد تمر بفترات من الضعف، وقد تدخل في متاهات داخلية، وقد تتعب من طول الطريق، لكنها لا تفقد بالضرورة قدرتها على استعادة صوتها...  فذلك الصوت لم يكن يوما ملكا لسلطة او مؤسسة او فرد. كان صوت الارض نفسها. صوت الحقول القديمة، وصوت الحجارة التي حفظت الاقدام، وصوت المدن التي رفضت ان تتحول الى متاحف. كان صوت ابن التراب حين يقول ان وجوده ليس منحة من احد، وان ذاكرته ليست ملفا يمكن اغلاقه في خزائن السياسة... 

ولهذا بقيت المفاجأة تتكرر. كلما اعلنوا نهاية الحكاية، ظهرت بداية جديدة. كلما ظنوا ان الجيل الجديد فقد العلاقة بالماضي، اكتشفوا انه يعيد اكتشافه بطريقته الخاصة. كلما اعتقدوا ان الشجرة جفت، خرجت منها اغصان جديدة... فليست الحكاية حكاية قوم لا يسقطون، بل حكاية قوم يعرفون كيف ينهضون. قد ينكسرون تحت ثقل الايام، وقد يختلفون، وقد يضيع بعضهم في طرق جانبية، لكن هناك شيئا عميقا يبقى حيا في الداخل....

وهذا هو السر الذي لم يفهمه الذين ظلوا يكتبون النهاية مرة بعد مرة، ان بعض الحكايات لا تنتهي لانها لم تبدأ من ورق، بل بدأت من جذور عميقة في الارض والذاكرة. ان بعض الشعوب قد يغطيها الغبار، وقد تثقلها السنوات، وقد تمر عليها لحظات يبدو فيها الصمت اطول من الاحتمال، لكنها لا تختفي، لان ما يسكن الروح لا تستطيع قوة ان تقتلع جذوره... 

ففي هذه البلاد، لم تكن النهايات سوى ابواب خفية لبدايات جديدة، ولم تكن السقطات سوى لحظات تستجمع فيها الارض انفاسها قبل ان تعود الى الوقوف. كان كل انحناء امام ثقل الايام يخفي في داخله قوة النهوض، وكان كل صمت طويل يحمل بين طياته صوتا عميقا لم يحن موعد ظهوره بعد...  هناك، حيث تحفظ الحجارة اسماء العابرين، وحيث تعرف الشوارع وقع اقدام الذين مروا بها، لا يموت الصوت، بل يغير شكله فقط. قد يتحول من هتاف الى همس، ومن همس الى ذاكرة، ومن ذاكرة الى جيل جديد يفتح الباب من حيث ظن الجميع انه اغلق الى الابد. ولهذا بقيت الحكاية عصية على الختام. فكلما ظنوا ان الستار اسدل، ارتفع من خلفه مشهد جديد. وكلما اعتقدوا ان الجذور يبست، اخرجت الارض من اعماقها غصنا اخضر يعلن ان الحياة لم تغادر. وكلما حاولوا دفن الصوت تحت طبقات النسيان، عاد اكثر وضوحا، لان بعض الاصوات لا تولد من الحناجر فقط، بل تولد من تراب يعرف كيف يتكلم... فليست البلاد حكاية شعب ينتظر لحظة الخلاص، بل حكاية شعب يصنع من الانتظار معنى، ومن الالم ذاكرة، ومن الانكسار طريقا نحو النهوض. انها حكاية الذين كلما كتب الاخرون نهايتهم، اكتشفوا انهم كانوا يكتبون بداية فصل جديد من كتاب لم يعرفوا يوما كيف يغلقونه... لان هناك ارضا اذا نامت لا تموت، واذا صمتت لا تستسلم، واذا انحنت لا تنكسر... بل تجمع في صمتها قوة العاصفة القادمة.