صدى نيوز -نشر مركز "طاؤوب"، في نهاية حزيران/ يونيو الماضي، تقريره السنوي "صورة وضع الدولة" لعام 2026، الذي يتناول تأثيرات الحرب في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إسرائيل. ويشمل التقرير موضوعات من مجالات متعددة يعمل عليها المركز، منها الاقتصاد، وسوق العمل، والذكاء الاصطناعي، والديموغرافيا، والرفاه، والصحة، والبيئة والصحة، والتعليم، والطفولة المبكرة.

والأبرز في هذا التقرير أنه يستعرض التغيرات الحاصلة خلال الأعوام الأخيرة بصورة مفصلة ومعمقة، ولا يكتفي برصد التحولات الكلية. ومن هنا، فإنه يوفر صورة وافية للتحولات العميقة التي شهدتها الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

ونتناول، في سلسلة من التقارير، عددًا من هذه الأبواب لمتابعة التحولات في عام 2026. وفي هذا التقرير الأول، نتناول التغيرات في المصاريف والميزانيات المخصصة للجوانب الاجتماعية، التي تشمل الرفاه الاجتماعي والتعليم والصحة.

زيادة النفقات الاجتماعية... معظمها لتلبية الاحتياجات المرتبطة بالحرب

خُصص في عام 2024 نحو 400 مليار شيكل للإنفاق الحكومي على الجوانب الاجتماعية. وشهد الإنفاق الاجتماعي في تلك السنة زيادة حقيقية بلغت نحو 38 مليار شيكل مقارنة بعام 2023. وتُعد هذه الميزانية الاجتماعية الأكبر في تاريخ إسرائيل، كما تُعد الزيادة فيها من بين أكبر الزيادات المسجلة خلال عام واحد.

ويوضح تحليل مركز "طاؤوب" أن معظم الزيادة في الإنفاق الاجتماعي في عام 2024 نجمت عن الحاجة إلى التعامل مع تداعيات الحرب على المدنيين والجنود على حد سواء. وعند خصم الزيادة في النفقات المرتبطة مباشرة بالحرب، يتضح أن الزيادة في ميزانية الإنفاق الاجتماعي بلغت نحو 11 مليار شيكل فقط، وكانت أدنى من متوسط الزيادة في السنوات الخمس التي سبقت أزمة كورونا، والذي بلغ نحو 16 مليار شيكل سنويًا.

وتُظهر دراسة الإنفاق الاجتماعي للفرد، بعد استبعاد النفقات المرتبطة مباشرة بالحرب، أنه بقي مماثلًا لمستواه في السنة السابقة. أي إن غالبية الزيادة في الميزانية جاءت نتيجة احتياجات فرضتها تداعيات الحرب، ولم تكن تحولًا نحو سياسات اجتماعية جديدة لدى الحكومة.

نمو الإنفاق الاجتماعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي

كان معدل نمو الإنفاق الاجتماعي في عام 2024 أعلى من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في السنة نفسها، ولذلك ارتفع الإنفاق الاجتماعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 20%. وبتوزيع هذا الإنفاق بحسب المجالات، بلغ الإنفاق على الضمان الاجتماعي 10% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغ الإنفاق على كل من التعليم والصحة نحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

الإنفاق الاجتماعي في إسرائيل أقل من معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

بالمقارنة مع دول رفاه اجتماعي أخرى، وحتى مع دول لا تُعد من دول الرفاه المتقدمة، لا يزال الإنفاق الاجتماعي في إسرائيل، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، منخفضًا. ففي عام 2023، خصصت دول الرفاه ذات الإنفاق الاجتماعي الأعلى ما بين 25% و30% من ناتجها للقضايا الاجتماعية، باستثناء التعليم، فيما بلغ المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نحو 20.8% من الناتج.

أما في إسرائيل، فلم يتجاوز الإنفاق الاجتماعي 16.3% من الناتج. وهناك عدد قليل جدًا من دول المنظمة تخصص للقضايا الاجتماعية موارد أقل من إسرائيل. وعلاوة على ذلك، حتى في دول لا تُعد من دول الرفاه المتقدمة، مثل سلوفينيا وبولندا وتشيكيا ولاتفيا وسلوفاكيا والمجر وإستونيا، فإن نسبة الإنفاق الاجتماعي من الناتج المحلي الإجمالي أعلى منها في إسرائيل.

ارتفاع كبير في عدد ضحايا "العمليات العدائية" والتعويضات المدفوعة لهم

تُعد التعويضات المقدمة لمن تسميهم إسرائيل "ضحايا العمليات العدائية"، الذين حُددت لهم نسب عجز، إلى جانب التعويضات التي يقدمها قسم إعادة التأهيل في وزارة الأمن لمعاقي الجيش وعائلات القتلى، برامج طويلة الأمد يُتوقع أن تلازم منظومة الضمان الاجتماعي سنوات عديدة. لذلك، فإن أي تغيير في هذه البرامج على خلفية الحرب يحمل أهمية بالغة وحساسة.

وتُظهر المعطيات أن التغييرات في برنامج تعويض "ضحايا العمليات العدائية"، الذي تتولى مؤسسة التأمين الوطني مسؤوليته، بارزة للغاية، سواء من حيث عدد المستحقين أو طبيعة إصاباتهم. ففي عام 2022، بلغ عددهم 5,706 أشخاص، وبحلول بداية النصف الثاني من عام 2025 تجاوز عددهم 30 ألف شخص، وكانت معظم الحالات ناجمة عن إصابات نفسية.

كما أن هناك عشرات الآلاف من الطلبات التي لا تزال قيد البحث أمام اللجان الطبية التابعة لمؤسسة التأمين الوطني، للنظر في الاعتراف بالإصابات.

وهذا يعني زيادة كبيرة في الموارد المخصصة لبرنامج مساعدة ضحايا "العمليات العدائية"، في الوقت الراهن وفي السنوات المقبلة. وبالمجمل، ارتفع الإنفاق على هذا البرنامج من 631 مليون شيكل في عام 2022 إلى 2.9 مليار شيكل في عام 2025، أي إلى نحو 4.6 أضعاف.

زيادة كبيرة في ميزانية وزارة الرفاه والضمان الاجتماعي

ويوضح التقرير أن نصف ميزانيات الجوانب الاجتماعية تُخصص لوزارة الرفاه الاجتماعي. ويكشف فحص التغييرات في ميزانية الوزارة على مر السنوات أنه، بعد عقد من الارتفاع المعتدل، سُجل في عام 2024 ارتفاع كبير في هذه الميزانية، من نحو 5.1 مليار شيكل في عام 2010 إلى نحو 11.7 مليار شيكل في عام 2024، أي إنها ارتفعت إلى نحو 2.3 ضعف بالقيم الحقيقية.

وتركزت معظم الزيادة في الإنفاق على الخدمات خارج المنزل للأشخاص ذوي الإعاقة، إذ نتج نحو 35% من إجمالي الزيادة عن ارتفاع الإنفاق على هذه الخدمات. وكان الإنفاق على الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة داخل المجتمع مصدرًا بارزًا آخر للزيادة، إذ بلغت الزيادة فيه نحو 40%.

أما الزيادة في الإنفاق على أجور العاملات والعاملين الاجتماعيين، وعلى الخدمات الشخصية خارج المنزل، فكانت أقل من 10%. وكانت الزيادة في الإنفاق على الخدمات المخصصة لكبار السن هي الأصغر بين جميع الزيادات.

النقص في العاملات والعاملين الاجتماعيين

إلى جانب ارتفاع الميزانيات، لوحظت في السنوات الأخيرة صعوبة كبيرة في شغل وظائف العاملات والعاملين الاجتماعيين في السلطات المحلية. وحتى آذار/ مارس 2026، كان نحو 18% من هذه الوظائف غير مشغولة، وهو ما يعني، بالأرقام المطلقة، نقصًا بنحو 1,300 مختص ومختصة.

وتزداد صعوبات التوظيف حدة في السلطات المحلية التي تواجه ضغوطًا اجتماعية أكبر. إذ تتجاوز نسبة الوظائف غير المشغولة في السلطات التي ترتفع فيها معدلات الفقر، حيث يقل دخل أكثر من 25% من الأسر في البلدة عن خط الفقر، النسبة المسجلة في السلطات ذات معدلات الفقر المنخفضة، حيث تبلغ نسبة الأسر الواقعة تحت خط الفقر 15% أو أقل.

ويكشف فحص البيانات بحسب خصائص البلدات والفئات السكانية عن فوارق كبيرة في نسبة الوظائف غير المشغولة. ففي السلطات المحلية اليهودية، باستثناء السلطات الحريدية، بلغت النسبة المتوسطة للوظائف غير المشغولة في نيسان/ أبريل 2026 نحو 17%، في حين كانت أعلى بكثير في السلطات العربية، وخصوصًا البدوية، إذ بلغت 21% و26% على التوالي.

وتشهد نسبة الوظائف غير المشغولة تقلبات كبيرة على مر السنوات، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى نقص كبير في المختصين، وإلى تفاقم هذا النقص في السلطات المحلية العربية والبدوية.

كذلك، فإن عدد متلقي الخدمات لكل عامل اجتماعي أعلى في السلطات الأكثر فقرًا مقارنة بالسلطات التي يكون فيها معدل الفقر متوسطًا أو منخفضًا. ولهذا الجانب أثر كبير، سواء في مستوى الرعاية التي يمكن تقديمها لمتلقي الخدمة، أو في مستوى استنزاف المختصين.