
خاص بـ"صدى نيوز": كان (ص.ع) يظن بأنه امتلك شقة العمر، حينما أقبل على شراء عقار سكني في مدينة رام الله من شركة معروفة لتطوير العقارات، لكنه فوجئ بأن صاحب الشركة قد تعرض للإفلاس، وغادر البلاد هارباً من مواجهة الدائنين والملاحقات القانونية. صاحب شركة العقارات هذا كان يقوم على تنفيذ مشاريع أساسها "البيع على المخطط"، فالدفع يبدأ قبل التنفيذ، والأهم أن العقار كان مرهونا للبنك كونه حاصل على قروض بملايين الدولارات. وبطبيعة الحال، ولكون أن العقارات مرهونة للبنك، فإنها تتعرض لعمليات حجز قانوني، لذلك وجد (ص.ع) وغيره من المواطنين أنفسهم أمام عمليات "نصب"، فهم دفعوا مقابل الحصول على عقارات، لكنهم لم يحصدوا إلا السراب.
هذه الواقعة، تشعل الضوء الأحمر حول ضرورة ضبط عمليات الشراء والبيع بهذه الطريقة التي تحتوي على مخاطر، لكنها في الوقت ذاته لها ايجابيات كونها وسيلة أسهل لامتلاك عقارات عن طريق الدفع السلس، فما هو المطلوب عملياً لحماية حقوق المشترين وأموالهم، والحدّ من إمكانية تعرضهم لمخاطر عالية؟
ماذا نعني بـ"البيع على المخطط"؟
مصطلح "البيع على المخطط" يطلق على عمليات شراء وحدات عقارية قبل البدء بعمليات البناء اعتماداً على المخططات الهندسية المعدة مسبقاً بما يتضمنه ذلك من تحديد للموقع والمواصفات المحددة ونماذج الوحدة العقارية والجدول الزمني لتنفيذ أعمال المشروع والتسليم، لكن عمليات الدفع تبدأ قبل البدء بالبناء.
يرى رئيس اتحاد المقاولين أحمد القاضي في حديثه مع وكالة صدى نيوز أن البيع على المخطط هو خيار جيد ويعد الأكثر اقبالا لشراء الشقق والعقارات في فلسطين، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن هذا النوع من عمليات الشراء يحتاج إلى الحذر كون أن المشتري لا يُقبِل على شراء عقار مكتمل المعالم بل هو يشتري عقارا للمستقبل لم يتم بناؤه وإنما يجب أن ينفذ وفق خطط ومواصفات متفق عليها بين البائع والمشتري.
ويضيف "هذا الأمر لا يتعلق فقط بالسعر، بل بضمانات الملكية، وجدية المطور وطريقة الدفع ووجود رخص ومخططات معتمدة من قبل البلدية بخصوص الأرض التي سيقام عليها المشروع، وآلية واضحة بخصوص التعويض في حالة التأخر في التسليم او الإخلال بالمواصفات"، مشيراً إلى أنه لا يوجد في فلسطين إطار تشريعي أو قانون ينظم عملية الشراء بين المطور العقاري وبين المشتري، مبينا أن دولا مختلفة بينها السعودية توجد لديها لوائح تنفيذية تحدد الحقوق والواجبات على كل من المشتري والبائع، تتضمن الملكية والتصاميم المعمارية والمخططات وايداع مبالغ الحجز في حسابات ضمان، إذ يوجد رقابة على المطورين الذين يحدد لهم آلية وشروط استخدام هذه الحسابات تحت رقابة الدولة. ولفت إلى أنه يوجد حاليا تفكير بإعداد قرار بقانون بخصوص "البيع على المخطط" تفرض ضمانات على المشتري والبائع على حد سواء لضمان حقوق الطرفين.
ويقول القاضي إن معظم العقود تتسم بالغموض وهي تكون مصاغة بطريقة تخدم خدمات المطور أكثر من المشترين، فمثلاً العقود تفرض غرامات على المشتري في حالة تخلفه عن بعض الدفعات، بينما لا تنص على غرامات على المطورين في حالة تأخرهم في تسليم المشروع.
ايجابيات "البيع على المخطط"
أما بخصوص ايجابيات "البيع على المخطط" فإنها تتلخص بأن السعر غالباً يكون أقل من شراء عقار جاهز، وكذلك يتاح للمشتري فرصة التقسيط الميسر بعيداً عن دفع فوائد في حالة الحصول على قرض، بالإضافة إلى تمكين المشتري من اختيار الموقع ومواصفات الشقة والمساحة وبعض التشطيبات قبل انتهاء المشروع، كذلك عند الاستلام تكون أسعار العقارات قد ارتفعت بالتالي يستفيد المشتري.
لكن من سلبيات هذه الطريقة، يتمثل بأنها محفوفة بمخاطر عالية، كون أن المطور العقاري يمكن أن يتأخر بسبب ضبط التمويل ووجود مشاكل في عمليات الحصول على ترخيص أو ارتفاع كلفة المواد وحصول نزاع من المقاول القائم على المشروع وضعف الإدارة. وهنا يقول القاضي" في هذه الحالة يشعر المشتري بأنه دفع مبلغا كبيراً لكنه لم يستلم الوحدة السكنية أو العقارية في الموعد المحدد، بالإضافة إلى وجود خطر تغيير المواصفات المتفق عليها، لذلك يجب ذكر المواصفات بالتفصيل في البنود الواردة في العقد".
ويضيف "كما نواجه خطورة في هذا النوع من عمليات الشراء بأنه توجد مشاكل في عمليات الملكية والتسجيل، فكثيراً من المرات تشتري من مطور عقاري ويتفاجأ المشتري بأن الأرض مسجلة باسم شخص آخر أو أنها مسجلة بطريقة غير سليمة أو مرهونة للبنك أو عليها قيد، في هذه الحالات لا توجد لدى المطور أساساً صلاحية البيع، وهنا يحدث مشاكل في عمليات الفرز وتقسيم الشقة والتسليم، وفي حالة حصول خلاف بين صاحب الأرض والمطور العقاري يكون الضحية هو الشخص الذي اشترى على المخطط،" داعياً المواطنين إلى ضرورة التأكد في موضوع الملكية ووجود قيود أو رهونات على الأرض، وكذلك الاهتمام بالتفاصيل وإبرام العقود عن طريق محام مختص.
معظم العقود تتم بهذه الطريقة
ويؤكد القاضي أن البيع على المخطط من أهم الوسائل الحديثة لتمويل المشاريع العقارية وتحفيز الاستثمار في قطاع الإسكان، إلا أن نجاح هذا النظام يرتبط بوجود منظومة قانونية وإدارية متكاملة تضمن التوازن بين مصالح المطور العقاري والمشتري، وتوفر الحماية اللازمة لأموال المشترين، بما يعزز الثقة في السوق العقارية ويحد من مخاطر تعثر المشاريع أو استغلالها.
وتشير تقديرات لدى اتحاد المقاولين، إلى أن معظم المطورين العقاريين والشركات تبرم العقود عن طريق "البيع على المخطط "والتي تشكل نحو 85% من إجمالي عقود البيع والشراء بعد أحداث السابع من أكتوبر، بينما لا تشكل عمليات البيع التي تمول بقروض بنكية أكثر من 10-15% من اجمالي عقود البيع.
أما وفقا لبيانات صادرة عن جمعية البنوك في فلسطين، فإن إجمالي التسهيلات البنكية الممنوحة لتمويل العقارات والإنشاءات بلغت بعد نهاية الربع الأول من العام الحالي نحو 2.3 مليار دولار مشكلة نحو25% من حجم التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص، بينما بلغت التسهيلات الممنوحة للعقارات السكنية وحدها نحو1.52 مليار دولار.
وعلى الصعيد القانوني، ينوه القاضي إلى أن الحاجة تُبرز إلى إصدار تشريع خاص ينظم البيع على المخطط، يحدد شروط ممارسة هذا النشاط، وإجراءات الترخيص للمشروعات، والالتزامات القانونية الواقعة على المطور العقاري، والحقوق المقررة للمشتري. كما ينبغي أن يتضمن القانون أحكامًا تلزم المطور بعدم البدء في تسويق أو بيع الوحدات العقارية إلا بعد الحصول على التراخيص اللازمة واستيفاء المتطلبات الفنية والمالية، مع إلزامه بتقديم ضمانات مصرفية أو تأمينية تكفل استكمال المشروع أو تعويض المشترين عند تعثر التنفيذ.
ومن أهم الضمانات القانونية التي أثبتت نجاحها في العديد من التشريعات المقارنة إنشاء حساب ضمان مستقل تودع فيه جميع المبالغ التي يدفعها المشترون، بحيث لا يجوز للمطور التصرف بهذه الأموال إلا وفق نسب الإنجاز الفعلية للمشروع وبعد اعتمادها من جهة هندسية مستقلة. ويضمن هذا النظام توجيه أموال المشترين إلى تنفيذ المشروع ذاته، ويحد من مخاطر استخدامها في أغراض أخرى قد تؤدي إلى توقف المشروع أو فشل إنجازه.
ونوه إلى أن تنظيم البيع على المخطط يتطلب تسجيل جميع عقود البيع لدى جهة رسمية مختصة، بما يحول دون التصرف في الوحدة العقارية لأكثر من مشترٍ، ويضمن حماية الحقوق العينية للمشترين. وأكد أنه يجب أن يقترن ذلك بفرض عقوبات مدنية وجزائية وإدارية رادعة على كل من يخالف أحكام القانون، سواء من خلال البيع دون ترخيص، أو تقديم بيانات مضللة، أو إساءة استخدام أموال المشترين، أو الإخلال الجسيم بالتزاماته التعاقدية.
ضرورة إنشاء جهة رقابية مختصة
أما من الناحية الإدارية، فيرى القاضي في حديثه مع وكالة صدى نيوز أن نجاح نظام البيع على المخطط يستلزم إنشاء جهة رقابية متخصصة تتولى الترخيص للمشروعات، ومتابعة مراحل تنفيذها، والتأكد من التزام المطورين بالضوابط القانونية والفنية والمالية. كما ينبغي اعتماد نظام إلكتروني لتسجيل المشروعات والعقود، وإلزام المطورين بالإفصاح الدوري عن نسب الإنجاز والحالة المالية للمشروع، بما يحقق أعلى درجات الشفافيةش ويعزز ثقة المستثمرين والمشترين.
وفي السياق الفلسطيني، تزداد الحاجة إلى تبني إطار تشريعي وإداري متكامل ينظم البيع على المخطط، في ظل التطورض المتزايد في النشاط العقاري وغياب تنظيم قانوني خاص بهذا النوع من البيع. ومن شأن إصدار قانون متكامل، إلى جانب إنشاء حسابات ضمان، وتعزيز الرقابة الفنية والمالية، واعتماد آليات سريعة لتسوية المنازعات، أن يسهم في حماية المتعاملين، والحد من المخاطر، وجذب الاستثمارات، وتحقيق الاستقرار والاستدامة في السوق العقارية الفلسطينية.