لم يكن اكثر ما استوقف العالم في تلك الليالي هدفا مصريا هز الشباك، ولا اندفاعة مغربية كسرت حسابات المرشحين، بل قطعة قماش خرجت من بين عشرات الآلاف كما لو انها تعرف طريقها وحدها. علم صغير، بلون الوجع والرجاء معا، كان يظهر كلما انتصرت مصر، ثم يعود ليظهر كلما انتصر المغرب، حتى بدا وكأن البطولة، رغم اتساع ملاعبها، لم تستطع ان تتسع بما يكفي لتغيبه عن الصورة...

في ارض العم سام، حيث تتحول الرياضة الى صناعة، والصورة الى سلعة، والبطولات الى مناسبات كونية تحكمها الارقام والاستثمارات، ظن كثيرون ان كرة القدم ستبقى وفية لقوانينها الصارمة؛ اثنان وعشرون لاعبا، تسعون دقيقة، فائز ومهزوم، ثم تنتهي الحكاية. لكن الشعوب لا تقرأ المباريات بالطريقة نفسها التي تقرأها بها المؤسسات. فهي لا ترى المستطيل الاخضر وحده، بل ترى ما يحيط به من ذاكرة، وما يختبئ خلفه من تاريخ، وما يتسلل اليه من وجدان لا تستطيع الكاميرات، مهما بلغت دقتها، ان تتحكم به...

وحين عبر الفراعنة نحو دور جديد، لم يكن الانتصار مجرد تأهل لمنتخب عربي، بل كان لحظة استعادت فيها مصر شيئا من صورتها التي عرفتها بها هذه الامة؛ مصر التي كلما نهضت، نهض معها شيء من الروح العربية. لم يكن النيل يومها يجري داخل حدوده الجغرافية فقط، بل بدا وكأنه يواصل رحلته القديمة نحو المشرق، حاملا معه يقينا بأن الحضارات الكبرى لا تعرف الانغلاق، وان الامم التي صنعت التاريخ لا تنسى شركاءها في الذاكرة...

ولذلك لم يكن مستغربا ان يخرج المدير الفني للمنتخب المصري، بعد الانتصار، ليهدي الفوز الى فلسطين، والى غزة على وجه الخصوص. كانت جملة قصيرة، لكنها بدت اكبر من مؤتمر صحفي، لانها لم تتحدث بلغة الرياضة وحدها، بل بلغة الانسان الذي يدرك ان هناك مدنا استهلكها الحزن حتى صار من حقها ان تستقبل، ولو لمرة، خبرا لا يحمل اسم شهيد، ولا عددا جديدا من الضحايا، بل يحمل شيئا من الفرح. ثم عاد العميد، في حديثه، ليكشف ان الامر لم يكن مجاملة عابرة، بل موقفا انسانيا كاملا، حين قال ان من لا يشعر بمعاناة الشعب الفلسطيني فهو ليس بانسان، وان هذا الشعب يعيش اليوم بين الخيام وفي العراء، يواجه قسوة الحياة بكل تفاصيلها، حتى صار عارا على العالم ان يتركه وحيدا في مواجهة كل ذلك. ولم يكن يتحدث عن ارقام مجردة، بل عن آلاف الاطفال والنساء الذين ارتقوا، وعن امراض تتكاثر، وغذاء يشح، وطقس يزيد المأساة قسوة، ومعاناة انسانية لا تعرف التوقف. وكان ذلك الاهداء، بعد هذه الكلمات، اعترافا هادئا بان الانتصارات الحقيقية لا تكتمل حين تبقى محصورة في اصحابها، وان اجمل ما في الفوز هو قدرته على ان يمنح الامل لمن يقف بعيدا عن منصة التتويج...  وفي اللحظة نفسها تقريبا، كانت غزة تكتب روايتها الخاصة. المدينة التي عرفها العالم من خلال الدخان والركام، خرجت لتحتفل بانتصار مصر كما لو ان المنتخب المصري كان يمثلها في الملعب. لم تكن الشوارع تسأل عن جنسية الفائز، ولم تكن الوجوه تحسب المكاسب والخسائر. كان الناس يخرجون حاملين الاعلام، يطلقون الهتافات، ويبحثون، وسط زمن ثقيل، عن نافذة صغيرة يدخل منها الفرح. ولعل المشهد كله كان يقول شيئا واحدا؛ ان المدينة التي اعتادت ان تمنح العالم صور وجعها، ما زالت تملك قلبا يتسع لافراح الآخرين ... 

ثم جاء دور اسود الاطلس ...  وكما فعل الفراعنة، لم يحمل المغاربة انفسهم وحدهم الى البطولة، بل حملوا معهم شعورا عربيا واسعا بأن النجاح، حين يكون صادقا، يتجاوز حدوده الاولى. كانت اسود الاطلس تلعب بثقة الجبال التي خرجت منها، لكن الجماهير كانت تضيف الى ذلك الانتصار معنى آخر. ففي كل مدرج، وبين كل موجة من التصفيق، كان العلم الفلسطيني يعود ليتصدر المشهد، وكأن الجماهير العربية كانت تصر على ان تقول للعالم ان فلسطين ليست الضيف الذي يحضر في مواسم المآسي، بل الرفيق الذي يحضر ايضا في مواسم الفرح...  وحين انتصر المغرب، كانت غزة، مرة اخرى، على موعد مع الاحتفال. لم يكن ذلك حدثا عابرا. فالمدينة التي تعيش تحت اثقال الحصار والحرب، كانت تجد متسعا في قلبها لكي تزغرد للمغرب كما زغردت من قبل لمصر. وربما لا توجد صورة ابلغ من هذه. فالمدن المنهكة عادة تنشغل بجراحها، اما غزة فقد كانت، على الدوام، تجد وقتا لتفرح لانتصار غيرها. كأنها كانت تقول، من غير خطاب، ان الاحتلال يستطيع ان يحاصر البيوت، لكنه لا يستطيع ان يحاصر الفطرة التي ترى في انتصار الاخ انتصارا لها... 

ولعل اكثر ما يستحق التأمل في كل تلك المشاهد، ان احدا لم يطلب من الجماهير ان تحمل العلم الفلسطيني. لم تكن هناك حملات منظمة، ولا تعليمات، ولا اتفاقات مسبقة. كان الامر يحدث بعفوية يصعب اصطناعها. فالعواطف التي تخرج بقرار، تنتهي بانتهاء القرار، اما التي تولد من اعماق الشعوب، فإنها تتحول مع الزمن الى جزء من هويتها. ولهذا بدا العلم الفلسطيني، في تلك الملاعب، اقل شبها براية سياسية، واكثر شبها ببوصلة اخلاقية. لم يكن يحدد موقع ارض فحسب، بل كان يحدد موقع الضمير ايضا. وربما لهذا السبب قال حسام حسن ان رفع العلم الفلسطيني ليس مجرد حركة احتفالية، بل رسالة دعم وانصاف لشعب يستحق ان يعيش بسلام، وان يترك اخيرا بعيدا عن الحرب والموت...

وهنا تكمن المفارقة التي ربما لم ينتبه اليها كثيرون. ليس غريبا ان يحمل الفلسطيني علم مصر او علم المغرب، فهذه طبيعة الشعوب التي تفرح لمن يقف الى جانبها. لكن اللافت حقا ان يحمل المصري، في يوم انتصاره، العلم الفلسطيني، وان يرفعه المغربي، في لحظة فرحه، فوق رأسه. ففي لحظات الانكسار يبحث الانسان عمن يسانده، اما في لحظات الانتصار، فإنه يكشف، من حيث لا يدري، عمن يعتبره جزءا من انتصاره. ولذلك لم يكن العلم الفلسطيني حاضرا في تلك الاحتفالات باعتباره رمزا للتضامن، بل باعتباره شريكا في الفرح نفسه...  

لقد كشفت تلك الايام عن حقيقة قديمة حاولت السياسة، طويلا، ان تغطيها بطبقات كثيفة من المصالح والتحالفات. فالشعوب تحتفظ في اعماقها بذاكرة لا تشبه ذاكرة الحكومات. قد تتبدل الاولويات، وتتغير التحالفات، وتتباين السياسات، لكن ما يستقر في الوجدان الجمعي يبقى عصيا على المحو. ولهذا، كلما سنحت فرصة يجتمع فيها العرب بعيدا عن طاولات التفاوض، عادت فلسطين لتحتل مكانها الطبيعي، لا بوصفها شعارا يرفع عند الحاجة، بل بوصفها جزءا من تعريف الذات العربية. وربما كانت المقارنة التي ساقها العميد واحدة من اكثر المقارنات ايلاما، حين اشار الى ان العالم الذي يهب للدفاع عن الحيوان كلما تعرض للاذى، يقف في كثير من الاحيان صامتا امام قتل الفلسطينيين، وكأن قيمة الانسان باتت تخضع لموازين لا تشبه العدالة، ولا تشبه الضمير... 

ولم تكن كرة القدم، في نهاية المطاف، سوى مناسبة كشفت ما كان كامنا تحت السطح. فقد انتهت المباريات، وستطوى صفحات البطولة، وستحفظ كتب الاحصاء اسماء الهدافين، ونسب الاستحواذ، وعدد التمريرات الناجحة. لكن الذاكرة الجمعية لن تحتفظ بكل ذلك بالقدر الذي ستحتفظ فيه بصورة علم فلسطيني يرفرف بين اعلام الفراعنة واسود الاطلس، وبصورة مدينة اسمها غزة، خرجت من بين الركام لتصفق لانتصار القاهرة، ثم لتغني للرباط، وكأنها تقول للعالم كله ان الاوطان العظيمة ليست تلك التي لا تعرف الالم، بل تلك التي لا يسمح لها الالم ان تتخلى عن محبتها للآخرين...  وربما لهذا السبب، لم يكن بطل تلك الليالي منتخبا بعينه، ولا لاعبا سجل هدفا، ولا مدربا احسن قراءة المباراة. البطل الحقيقي كان ذلك الخيط الخفي الذي ظل يصل بين القاهرة وغزة، وبين الرباط والقدس، رغم كل ما تراكم فوقه من حدود وحروب وخلافات. وحين ارتفع العلم الفلسطيني فوق اكتاف المصريين والمغاربة، لم يكن يطلب من العالم اعترافا جديدا، بل كان يذكره بحقيقة قديمة؛ ان هناك قضايا لا تعيش بقوة السياسة، بل بقوة الشعوب، وان ما تحمله القلوب بصدق، تعجز السنوات كلها عن اسقاطه...