في كل عام تحتفل الولايات المتحدة في الرابع من يوليو بما تسميه عيد الاستقلال باعتباره ميلاد الحرية والديمقراطية لكن بالنسبة إلى ملايين البشر حول العالم لا يستحضر هذا التاريخ قيم الحرية بقدر ما يستحضر تاريخا طويلا من الحروب والتدخلات العسكرية والانقلابات والعقوبات الاقتصادية التي تركت آثارا عميقة على شعوب ودول بأكملها.

فبينما تحتفي واشنطن بشعارات الحرية يذكّرها التاريخ بأن قيامها نفسه ارتبط بتوسع استيطاني على حساب أراضي الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية وما رافقه من حروب وعمليات تهجير قسري ومجازر أدت إلى تدمير مجتمعات بأكملها ومنذ ذلك الحين لم تتوقف سياسة القوة عن مرافقة صعود الولايات المتحدة إلى موقعها كأكبر قوة عالمية.

من فيتنام إلى العراق ومن أفغانستان إلى أمريكا اللاتينية ومن الانقلابات السرية إلى القواعد العسكرية المنتشرة في مختلف القارات تركت السياسة الأمريكية بصماتها على مسارات دول وشعوب دفعت أثمانا باهظة من أمنها واستقرارها وسيادتها وفي الشرق الأوسط يرى كثيرون أن التدخلات الأمريكية لم تُنهِ الصراعات بل ساهمت في تعقيدها وإعادة إنتاجها بينما استمر الدعم غير المشروط لحلفاء واشنطن  مثل اسرائيل رغم الاتهامات الدولية بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي و حرائق حرب و ابادة جماعية و تطهير عرقي.

ولم يقتصر النفوذ الأمريكي على القوة العسكرية بل امتد إلى الاقتصاد العالمي عبر العقوبات والهيمنة المالية ما منح واشنطن قدرة استثنائية على التأثير في قرارات دول ذات سيادة وجعل الاقتصاد أداة ضغط لا تقل تأثيرا  عن القوة المسلحة.

و يرى العارفون و الخبراء في السياسة الأمريكية أن الحديث عن “النظام الدولي القائم على القواعد” يفقد كثيرا من مصداقيته عندما تُطبَّق هذه القواعد بصورة انتقائية فتُدان بعض الدول وتُحمى أخرى وتُرفع شعارات حقوق الإنسان في ملفات بينما تُهمَل في ملفات لا تنسجم مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية.

لهذا لا ينظر كثيرون إلى الرابع من يوليو بوصفه عيدا عالميا للحرية بل باعتباره مناسبة تستحضر تاريخ قوة عظمى شكّلت مسار النظام الدولي بقوة السلاح و الاستغلال والنفوذ السياسي والاقتصادي و نهب خيرات الشعوب و استقرارها و استقلالها وبينما يرى الأمريكيون في هذا اليوم ذكرى الاستقلال يراه آخرون تذكيرا بتاريخ طويل من التدخلات التي غيّرت مصير دول وأشعلت نزاعات ورسخت موازين قوى لا يزال العالم يعيش آثارها حتى اليوم.

ويبقى السؤال مفتوحا: هل يكفي الاحتفاء بشعار الحرية أم أن الحرية تكتسب معناها الحقيقي عندما تُحترم سيادة جميع الشعوب ويُطبَّق القانون الدولي على الجميع دون استثناء؟.