صدى نيوز - أعاد الحديث عن مبادرة أمريكية لتسوية الأزمة الليبية، يقودها المستشار الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس، الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام السياسي بعد سنوات من الجمود عقب تعثر مسارات "الصخيرات" و"جنيف".

وتراهن المقاربة الأمريكية للملف الليبي على خطوات اقتصادية وأمنية تدريجية تعتقد إدارة الرئيس دونالد ترامب أنها تهيئ الأرضية لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، بدلا من البدء بحسم الخلافات الدستورية والانتخابية.

وتقوم الخطة، وفق تصريحات المستشار بولس، على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، وضمان استقرار قطاع النفط، وتشجيع الاستثمارات الأمريكية، بالتوازي مع بناء قنوات تعاون بين القيادات العسكرية والأمنية في الشرق والغرب.

وقال بولس إن العمل على المبادرة بدأ قبل أكثر من عام، وإن تفاهمات عدة انتقلت إلى التنفيذ، في مقدمتها إقرار أول ميزانية وطنية موحدة منذ 13 عاما، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة، وتأسيس غرفة عمليات أمنية تضم ممثلين عن الجانبين.

ويكشف ترتيب هذه الخطوات أن واشنطن تمنح الأولوية لإدارة موارد الدولة وتثبيت المؤسسات، قبل الانتقال إلى القضايا السياسية الأكثر تعقيدا.

وبينما تتحدث واشنطن عن جهود لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، تنظر قوى ليبية عدة إلى المبادرة بحذر، وسط غياب أي وثيقة رسمية منشورة تكشف تفاصيلها.

وبحسب ما أعلنه بولس، فإن العمل على هذا المسار بدأ قبل أكثر من عام، وعُقد أول لقاء بين ممثلي شرق ليبيا وغربها في العاصمة الإيطالية روما في سبتمبر/أيلول الماضي، على أن تستضيف واشنطن الأطراف الليبية لتوقيع اتفاق نهائي إذا جرى التوصل إلى تفاهمات نهائية.

ما الذي تحقق فعليا؟

يستند أنصار المبادرة إلى عدد من التطورات الأخيرة باعتبارها مؤشرات على تقدم المسار الأمريكي، أبرزها:

إقرار الموازنة الوطنية الموحدة لأول مرة منذ عام 2013.

وإجراء مناورات عسكرية مشتركة في مدينة سرت بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم).

إضافة إلى إنشاء غرف عمليات مشتركة بين شرق البلاد وغربها.

ويرى عضو مجلس النواب علي الصول، في تصريح للجزيرة نت، أن المبادرة بدأت بـ"انطلاقة موفقة" عبر الاتفاق على الموازنة الموحدة ودعم مسار التنمية، إلى جانب إظهار جدية في العمل على توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الأمنية والعسكرية.

ويؤكد الصول أن مجلس النواب يرحب بأي مبادرة تخدم المصلحة الوطنية وتدعم الاستقرار وصولا إلى الانتخابات.

مبادرة بلا وثيقة

ورغم الزخم السياسي المحيط بالمبادرة، لا توجد حتى الآن نسخة مكتوبة أو وثيقة رسمية منشورة تحدد شكل التسوية المقترحة أو طبيعة السلطة التنفيذية المقبلة.

وتقول عضو المجلس الأعلى للدولة نعيمة الحامي، في تصريح خاص للجزيرة نت، إن معظم ما تم تداوله حتى الآن "يستند إلى تصريحات إعلامية وتسريبات صحفية"، مشددة على أن أي تصور لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية يجب أن يكون محل تفاوض رسمي بين المؤسسات الليبية وأن يستند إلى الاتفاق السياسي والقواعد الدستورية.

وتضيف الحامي أن المبادرة تختلف عن سابقاتها بسبب الانخراط السياسي الأمريكي المباشر وربطها بين الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، لكنها تؤكد أن نجاحها يظل مرهونا بالتوافق الوطني واحترام الشرعية السياسية.

ولا تزال طبيعة السلطة التنفيذية المقترحة غير واضحة، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت المبادرة تتجه نحو حكومة موحدة أو مجلس تنفيذي جديد أو صيغة لتقاسم الصلاحيات بين القوى المتنافسة.

كما لم تتضح بعد ملامح الدور المتوقع لرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أو لقائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر ونجله صدام حفتر، رغم وصف بولس للدبيبة بأنه "شريك أساسي" في هذا المسار.

تحفظات في الغرب الليبي

يشدد نائب رئيس المجلس الأعلى للدولة موسى فرج، في تصريح خاص للجزيرة نت، على أن أي مبادرة دولية لا يمكن أن تكون بديلا عن العملية السياسية الليبية-الليبية، بل ينبغي أن تكون عاملا مساعدا ومكملا لها.

ويشدد على أن أي تسوية لن تكتسب الشرعية والاستدامة من دون توافق واسع بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، مؤكدا التمسك بثوابت مدنية الدولة والتداول السلمي على السلطة وصون السيادة الوطنية.

ويبرز موقف مدينة مصراتة باعتباره أحد أهم العوامل المؤثرة في مصير المبادرة؛ فقد أعلن مجلس مصراتة في أبريل/نيسان الماضي رفض أي تسوية سياسية تقود إلى الحكم الشمولي أو عسكرة الدولة، مطالبا بالتمسك بالمسار الدستوري وإجراء انتخابات على أساس دستوري واضح.

كما برزت أصوات معارضة داخل المدينة، من بينها عضو مجلس أعيان مصراتة أنور صوان، الذي أعلن رفضه للمبادرة، في حين اجتمع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة ووجهاء من المدينة مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه للتعبير عن مخاوفهم من غياب الشفافية في المبادرات السياسية المطروحة.

لكن المحلل السياسي إلياس الباروني يرى، في حديثه للجزيرة نت، أن المشهد داخل مصراتة ليس موحدا، وأن الموقف الأقرب هو "القبول المشروط"؛ إذ تخشى بعض القوى أن تمنح أي ترتيبات جديدة المؤسسة العسكرية في الشرق مكاسب سياسية أو أمنية إضافية من دون ضمانات متبادلة.

النفط والاستقرار

ويقول الباروني إن المبادرة الأمريكية تمثل محاولة لإعادة صياغة النظام السياسي الليبي، بينما يرى خبير العلاقات الدولية عبد الحميد النعمي أن الاهتمام الأمريكي يرتبط أساسا بالنفط والغاز وأمن الطاقة، إلى جانب الرغبة في منع تحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة للتنافس الدولي.

وبخلاف "اتفاق الصخيرات" الذي ركز على إنشاء مؤسسات سياسية جديدة، و"مسار جنيف" الذي انصب على تشكيل سلطة تنفيذية مؤقتة، تحاول المقاربة الأمريكية الجمع بين المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية في وقت واحد.

وبين الترحيب الحذر والتحفظات المتزايدة، تبدو ثلاثة سيناريوهات مطروحة أمام المبادرة:

نجاحها في إنتاج اتفاق يُوقَّع في واشنطن.

أو إدخال تعديلات تستوعب اعتراضات القوى الليبية.

أو تعثرها لتتحول إلى محاولة جديدة لإدارة الانقسام بدلا من إنهائه.

وحتى ذلك الحين، يبقى موقف القوى الفاعلة في غرب البلاد، وفي مقدمتها مصراتة، أحد المفاتيح الرئيسية لتحديد مصير المسار الأمريكي ومستقبل التسوية في ليبيا.

المال.. مدخل للتوحيد

يرى فرانك تالبوت، الباحث الأول غير المقيم في برنامج شمال أفريقيا بالمجلس الأطلسي، والذي عمل سابقا مسؤولا عن ملف ليبيا في وزارة الخارجية الأمريكية، أن واشنطن ليست وحدها التي تعدّ الميزانية الموحدة وضبط الإنفاق الموازي شرطا للاستقرار.

وأوضح تالبوت، في حديثه للجزيرة نت، أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومصرف ليبيا المركزي حذروا من أن الإنفاق غير المنضبط في الشرق والغرب يمثل أحد محركات الأزمة الاقتصادية.

وقال إن تنفيذ الميزانية بنزاهة يمكن أن يكبح العجز والإنفاق الموازي اللذين راكمتهما السلطتان، ويخفف الضغوط التضخمية وتقلبات سعر الصرف، إلى جانب توفير تمويل لقطاع النفط. لكنه حذر من أن غياب الرقابة والمساءلة قد يحوّل الاتفاق إلى مجرد توزيع للموارد بين طرفي الانقسام، بما يرسخ الهياكل القائمة بدلا من توحيدها.

وتستند الإستراتيجية الأمريكية، بحسب تالبوت، إلى فرضية أن الخطوات التدريجية وبناء الثقة قد يحققان تقدما أكبر نحو التوحيد من المفاوضات حول تسوية سياسية شاملة. ونظرا إلى مركزية الطاقة في الاقتصاد الليبي، يصبح استقرار الإنتاج واستقطاب الاستثمار الأجنبي اختبارا رئيسيا لنجاح المقاربة.

وفي هذا المسار، تعتمد واشنطن على مزيج من الضغط المالي والدبلوماسي، مستفيدة من هيمنة الدولار على معاملات ليبيا الخارجية. ويرى تالبوت أن ذلك يمنح وزارة الخزانة نقطة ضغط على الموارد التي تعتمد عليها السلطتان، فضلا عن إمكانية إعادة تفعيل العقوبات ضد معرقلي التسوية بموجب الأمر التنفيذي 13726.

ويرتبط هذا الأمر بمرسوم رئاسي أصدره الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أبريل/نيسان 2016، ويهدف بشكل أساسي إلى حظر ممتلكات الأفراد والكيانات الذين يهددون السلام أو الأمن أو الاستقرار في ليبيا، بالإضافة إلى تعليق دخولهم إلى الولايات المتحدة.

طرفان غير متكافئين

وبالتوازي مع المسار المالي، تعمل القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا على تعزيز التواصل بين التشكيلات العسكرية في الشرق والغرب. واستضافت ليبيا جزءا من تدريبات "فلينتلوك 2026″، التي قدمتها واشنطن بوصفها خطوة نحو تعزيز التنسيق ودعم تكامل المؤسسات العسكرية في ليبيا.

غير أن فريدريك ويري، الباحث الأول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي بواشنطن، يرى أن الجديد في التحرك الأمريكي يتمثل في انتقال واشنطن من دعم جهود الأمم المتحدة عن بعد إلى تدخل مباشر يقوده مستشار رئاسي للتوسط بين معسكري الشرق والغرب.

وقال ويري للجزيرة نت إن توحيد الميزانية يُقدم بوصفه خطوة نحو التوحيد السياسي، لكنه حذّر من أن الخطة تتعامل مع طرفين غير متكافئين، إذ يتمتع معسكر حفتر بهيكل عسكري أكثر تماسكا وبنفوذ أكبر على موارد النفط، بينما تتسم التشكيلات المسلحة في الغرب بمزيد من "التشرذم والانقسام".

ويرى الباحث أن تقديم المبادرة باعتبارها اتفاقا لتقاسم السلطة قد يخفي اتجاها نحو منح معسكر حفتر دورا أكثر هيمنة، بما قد يدفع قوى وقيادات مسلحة مستبعدة إلى مقاومتها.

ويضيف ويري أن توحيد المؤسسات الأمنية يظل بالغ الصعوبة بسبب اختلال ميزان القوة بين الشرق والغرب، واستمرار الوجود العسكري الأجنبي، ولا سيما الروسي في الشرق والتركي في الغرب.

ولا يرى ويري حتى الآن مؤشرات كافية على أن المبادرة ستقود إلى توحيد مؤسسي حقيقي، محذرا من إعادة إنتاج الصيغة المعتادة القائمة على إنشاء مجالس وهيئات جديدة تضم النخب نفسها.

وينتهي إلى القول إن منح العائلات والقوى الحاكمة مزيدا من السلطة على أمل انتقالها لاحقا إلى حكومة أكثر شمولا ينطوي على مشكلة جوهرية، إذ لا يوجد ما يضمن تخلي هذه الأطراف عن نفوذها بعد تثبيته.

المصدر: الجزيرة