
في الأول من يوليو يحتفل الشعب الصيني الصديق بالذكرى الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني وهي مناسبة تاريخية تستحق الوقوف عندها ليس فقط باعتبارها ذكرى تأسيس حزب سياسي بل لأنها تمثل مسيرة قرن كامل من النضال والبناء والتحول الحضاري الذي غيّر وجه الصين ومكانتها في العالم.
فمنذ تأسيسه عام 1921 حمل الحزب الشيوعي الصيني مشروعاً وطنياً طموحاً هدفه تحقيق نهضة الأمة الصينية واستعادة مكانتها التاريخية وبعد سنوات من الكفاح السياسي والعسكري تمكن الحزب من تحقيق تحول تاريخي كبير تمثل في قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949 وإنهاء حالة الحروب الأهلية والتفكك ووضع حد لمرحلة طويلة من التدخلات والصراعات التي شهدتها البلاد ومنذ ذلك الحين بدأ الحزب بقيادة عملية إعادة بناء دولة حديثة خرجت من عقود طويلة من الحروب والفقر والتخلف لتتحول خلال عقود قليلة إلى واحدة من أعظم قصص النجاح في التاريخ الإنساني الحديث.
ومن اللافت أن الحزب الذي بدأ مسيرته بنحو خمسين عضواً فقط أصبح اليوم أكبر حزب سياسي في العالم بعضوية تتجاوز مئة مليون عضو محافظاً على دوره القيادي في رسم السياسات الوطنية وتوجيه عملية التنمية الشاملة وخلال أكثر من قرن من الزمن أثبت الحزب قدرة استثنائية على التطور والتجدد والاستجابة لمتطلبات كل مرحلة تاريخية مع الحفاظ على هدفه الأساسي المتمثل في خدمة الشعب وتحقيق التنمية الوطنية.
لقد ورثت الصين الجديدة أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية حيث كان الفقر واسع الانتشار وكانت مستويات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية محدودة لكن الرؤية الاستراتيجية للحزب الشيوعي الصيني وإيمانه بقدرات الشعب الصيني حولت هذه التحديات إلى فرص تاريخية للنهضة والتقدم.
وخلال العقود الماضية حققت الصين معجزة اقتصادية غير مسبوقة لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر دولة صناعية وتجارية وأحد أهم مراكز الابتكار والإنتاج والتكنولوجيا وتحولت إلى “مصنع العالم” بفضل قدراتها التصنيعية الهائلة وشبكاتها اللوجستية المتطورة وقوة مواردها البشرية وأصبحت منتجاتها وتقنياتها حاضرة في مختلف أسواق العالم.
ويُعد القضاء على الفقر المدقع أحد أعظم إنجازات الحزب الشيوعي الصيني إذ تمكنت الصين من انتشال مئات الملايين من المواطنين من دائرة الفقر وتحسين ظروف حياتهم بصورة جذرية في أكبر عملية لمكافحة الفقر شهدها التاريخ الحديث وقد انعكس هذا الإنجاز على ارتفاع مستويات المعيشة وتوسع الطبقة الوسطى وتحسن مؤشرات الصحة والتعليم والخدمات العامة بما أسهم في بناء مجتمع أكثر ازدهاراً واستقراراً.
ولم تقتصر آثار هذه النهضة على الداخل الصيني فحسب بل امتدت إلى العديد من دول العالم فقد ساهم النمو الاقتصادي الصيني وتوسع قدراته الإنتاجية والتجارية في توفير السلع والخدمات بأسعار ميسرة لمئات الملايين من البشر كما أسهمت الاستثمارات الصينية والتبادل التجاري ومشاريع التنمية والبنية التحتية في دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة في العديد من الدول النامية وبذلك أصبحت تجربة التنمية الصينية عاملاً مؤثراً ليس فقط في تحسين حياة الشعب الصيني بل أيضاً في تعزيز فرص التنمية والازدهار لملايين البشر حول العالم.
كما شيدت الصين واحدة من أكثر شبكات البنية التحتية تطوراً في العالم بما يشمل آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية فائقة السرعة والطرق السريعة والمطارات والموانئ العملاقة وأصبحت المدن الصينية رمزاً للتحديث والتطور العمراني والتكنولوجي فيما ساهمت هذه المشاريع في تعزيز التنمية المتوازنة بين مختلف الأقاليم.
وفي المجال العلمي والتكنولوجي انتقلت الصين من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمبتكر لها وأصبحت من الدول الرائدة عالمياً في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والتكنولوجيا الرقمية والحوسبة المتقدمة والتصنيع الذكي كما حققت إنجازات بارزة في قطاع الفضاء من خلال بناء محطة فضائية مستقلة وإطلاق بعثات لاستكشاف القمر وتطوير برامج فضائية متقدمة تعكس مكانتها العلمية المتنامية.
وعلى الرغم من أن الصين تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة فإن نهضتها قامت على مبدأ التنمية السلمية والتعاون والمنفعة المتبادلة وخلال مسيرة صعودها لم تتبنَّ سياسات استعمارية أو مشاريع هيمنة على الشعوب الأخرى بل أكدت باستمرار أن التنمية حق لجميع الشعوب وأن التقدم العالمي يتحقق عبر الشراكة والتعاون وليس عبر الصراع والمواجهة.
ومن أبرز عوامل نجاح التجربة الصينية قدرتها على الحفاظ على الوحدة الوطنية بين مكونات المجتمع المختلفة فالصين تضم 56 قومية تعيش ضمن دولة موحدة تجمعها المواطنة والتنمية المشتركة والاحترام المتبادل وقد استطاعت القيادة الصينية تعزيز الانسجام الاجتماعي والاستقرار الوطني رغم التحديات والضغوط الخارجية التي استهدفت في كثير من الأحيان إثارة الانقسامات أو عرقلة مسيرة التنمية.
وفي المجال البيئي قدم الحزب الشيوعي الصيني نموذجاً متقدماً يقوم على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة بحيث لا يكون النمو على حساب صحة الإنسان أو الموارد الطبيعية وانطلاقاً من هذه الرؤية أصبحت الصين رائدة عالمياً في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والتكنولوجيا الخضراء كما نفذت أكبر برامج التشجير في العالم واستثمرت بصورة واسعة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح واتخذت خطوات مهمة لخفض الانبعاثات الكربونية وبناء اقتصاد أخضر مستدام يضمن التنمية للأجيال الحالية والقادمة.
وعلى الصعيد الدولي طرحت الصين مبادرات عالمية تعكس رؤيتها لبناء مستقبل مشترك للبشرية ومن أبرزها مبادرة الحزام والطريق ومبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية وتهدف هذه المبادرات إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة والحوار بين الحضارات وترسيخ الأمن والاستقرار الدوليين انطلاقاً من مبدأ المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل بين الدول.
وتحت القيادة القوية و الحكيمة والحاسمة للرئيس تشي جين بينغ الذي يُعد نواة القيادة في المرحلة الراهنة للحزب الشيوعي الصيني دخلت البلاد مرحلة جديدة من مسيرة النهضة الوطنية جسّد فيها الرئيس رؤية “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” في صورتها المعاصرة بوصفها نموذجاً يجمع بين العدالة الاجتماعية ودور الدولة في توجيه الاقتصاد وبين الانفتاح الواعي على العالم ومتطلبات التنمية الحديثة.
وقد ارتبطت هذه المرحلة بشكل مباشر بقيادته الشخصية لعملية تعزيز الانضباط المؤسسي ومكافحة الفساد على نطاق واسع داخل الحزب والدولة من أعلى المستويات القيادية إلى مختلف مؤسسات الإدارة بما عزز كفاءة الحكم ورفع مستوى الانضباط والشفافية ورسّخ مبدأ المساءلة وربط المسؤولية بالأداء.
كما أظهر الرئيس قدرة عالية على إدارة الأزمات الكبرى وفي مقدمتها جائحة كوفيد-19 حيث قاد استجابة وطنية سريعة ومنسقة وتابع بنفسه سياسات التعبئة الشاملة للموارد الطبية والعلمية والإدارية وإدارة الإجراءات الصحية والوقائية بدقة وفاعلية ما ساهم في الحد من تداعيات الجائحة في مراحلها الأولى وتقليل آثارها على المجتمع والاقتصاد إلى جانب دفع تطوير المنظومة الصحية وتعزيز القدرات البحثية في مجال الطب واللقاحات.
وفي السياق ذاته قاد الرئيس مسار التحول نحو التنمية عالية الجودة ووجّه السياسات نحو تعزيز الاقتصاد القائم على الابتكار والتكنولوجيا وتوسيع الانفتاح والتعاون الدولي بما يعكس رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى ترسيخ مكانة البلاد كقوة كبرى قادرة على الجمع بين الاستقرار الداخلي والتقدم العلمي والقدرة على مواجهة التحديات العالمية ضمن مسار “النهضة العظيمة للأمة الصينية”.
أما بالنسبة للشعب الفلسطيني فإن الصين تحظى بمكانة خاصة لما عُرف عنها من مواقف داعمة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ودعواتها المستمرة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وفق قرارات الشرعية الدولية وقد شكل هذا الموقف محل تقدير واحترام لدى الفلسطينيين و امتهم العربية و الإسلامية الذين ينظرون إلى الصين كشريك وصديق يدعم العدالة والسلام وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما يعتز الشعب الفلسطيني بعلاقات الصداقة التاريخية التي تجمعه بالشعب الصيني وبالمواقف الصينية الداعمة للحقوق الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية وقد شكلت العلاقات الفلسطينية الصينية نموذجاً للتعاون والاحترام المتبادل والتضامن بين الشعبين الأمر الذي عزز مكانة الصين في الوجدان الفلسطيني باعتبارها دولة صديقة تقف إلى جانب العدالة والحق.
إن الذكرى الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني ليست مجرد احتفال بذكرى تأسيس حزب سياسي بل هي احتفاء بمسيرة تاريخية صنعت واحدة من أعظم معجزات التنمية في العصر الحديث فمن دولة عانت الفقر والتخلف في منتصف القرن العشرين إلى دولة عظمى تمتلك اقتصاداً متقدماً وقوة علمية وتكنولوجية وصناعية هائلة تواصل الصين تقديم نموذج ملهم في البناء والتحديث والتنمية السلمية.
وإذا كانت نهضة الصين تمثل إحدى معجزات العصر الحديث فإن قدرة الحزب الشيوعي الصيني على إدارة وتطوير تنظيمه الداخلي تمثل بدورها إنجازاً استثنائياً فمن مجموعة صغيرة لا يتجاوز عدد أعضائها خمسين شخصاً عند التأسيس إلى تنظيم يضم اليوم أكثر من مئة مليون عضو نجح الحزب في الحفاظ على وحدته الفكرية والتنظيمية وقدرته على العمل الجماعي والانضباط المؤسسي ويكشف هذا التطور عن مستوى عالٍ من الكفاءة التنظيمية والتخطيط بعيد المدى حيث تمكن الحزب من النمو عشرات الآلاف من المرات دون أن يفقد دوره القيادي أو فاعليته في إدارة دولة تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة، وهو إنجاز تنظيمي وسياسي نادر في التاريخ المعاصر.
وبعد مئة وخمسة أعوام من تأسيس الحزب الشيوعي الصيني تقف الصين اليوم شاهداً حياً على قدرة الشعوب على صناعة مستقبلها عندما تتوافر الرؤية والإرادة والقيادة القادرة على التخطيط والعمل من أجل الأجيال القادمة وبينما تمضي الصين بثقة نحو تحقيق أهدافها المئوية الجديدة يواصل الحزب الشيوعي الصيني قيادة مشروع وطني وحضاري يشكل مصدر إلهام لكثير من شعوب العالم ويؤكد أن التنمية والازدهار والسلام يمكن أن تكون ثمرة العمل الجاد والتعاون والمنفعة المشتركة بين الأمم والشعوب.