حين غادر الرجال المخيم، لم يكن الرحيل هزيمة، بل كان آخر ما تبقى من شرف البنادق وهي تغادر مرفوعة، بحثا عن منفى مؤقت، يحمل وعدا بالعودة بعد أن تنتهي المجزرة. كانوا يظنون أن للمجازر نهاية، وأن للموت موعدا ينقضي، لكن صبرا بقيت وحيدة، تستلقي بين الجثث، وتعلق تعويذتها على جدران البيوت المهدمة، كأنها تستودع الحجر ذاكرة الذين لن يعودوا. ومنذ ذلك الصباح، لم تعد المجزرة حدثا عابرا، بل تحولت إلى قدر يتناسل، وإلى فصل مفتوح من كتاب الدم الفلسطيني. فما انتهى في أيلول لم يكن إلا بداية لزمن طويل من الذبح، وصارت شاتيلا تتقن طقوس الموت، وتعتاد رؤية القتلة وهم يبدلون وجوههم، بينما تبقى الضحية هي الضحية. وتعاقبت الأعوام، لكن السكاكين لم تشخ، وكلما حاول هذا الشعب أن ينهض باكرا، وجد من ينتظره بمجزرة جديدة، وكأن النهوض في هذه البلاد خطيئة، والحرية جريمة، والحياة نفسها تهمة تستوجب الإعدام...

القتلى كانوا يحلمون بليل هادئ بعد أن غادر الأحبة، وكان وداعهم جزءا من بروتوكول الرحيل، وعادوا ليحلموا بدرب الآلام وهم موقنون أن ما وراء رحيل الرجال المقاتلين ليس سوى رحيل نحو الخلود. حاول القتلى أن يموتوا بهدوء، وتجمعوا في الطرقات والأزقة جماعات، حتى يكون الموت أقل قسوة، وحتى تتقاسم الأرواح وجعها الأخير، علها تخفف عن بعضها ثقل اللحظة الأخيرة. لكن الموت لم يكن رحيما، ولم يكن القاتل يبحث إلا عن مزيد من الدم، ومزيد من الأجساد، ومزيد من الصمت...  وما زالت صرخاتهم ترتد حتى هذه اللحظة، تطالب بمطاردة الذابح والقاتل، ومن كان يحرس الجريمة، ومن كان يسترق السمع لضجيج القتل عن بعد، ومن كان يعد الساعات منتظرا انتهاء المهمة قبل أن يبدأ بإلقاء خطب الإنسانية الكاذبة. والمطاردة هنا تعني المطاردة، بكل الأشكال والأساليب المتاحة وغير المتاحة، لأن الجرائم التي لا يلاحق أصحابها تعود دائما بأسماء جديدة، وبخرائط جديدة، وبضحايا جدد... ولأن المجزرة لم تمت، فقد خرجت من صبرا وشاتيلا لتسكن غزة، ثم عبرت إلى جنين، وإلى نور شمس، وإلى طولكرم، وإلى كل مخيم كتب عليه أن يكون شاهدا لاجتماع العالم على صمته. وتبدلت أسماء الأزقة، لكن رائحة الدم بقيت هي ذاتها، وتغيرت وجوه الأطفال، لكن الخوف الذي يسكن عيونهم ظل هو نفسه، وتغيرت وسائل القتل، لكن القاتل لم يغير طباعه، وما زال يرى في الفلسطيني هدفا مشروعا، وفي المخيم ساحة مفتوحة للتجريب، وفي الدم العربي خبرا عابرا لا يستحق إلا دقائق قليلة على نشرات الأخبار.

وحده من حمل الأمانة، وأوجاع الثكالى، والقصة، والحكاية، وغرد خارج السرب. وحده من ملأ الدنيا ضجيجا، وحمل رسالة القتلى والمنبوذين من الحياة، وحول وجعهم إلى قضية، وصمتهم إلى صرخة، وأسماءهم إلى ذاكرة لا تموت. وحده ابن المخيم، الذي طارد ويطارد القتلة في كل الأمكنة، حتى أصبح أيقونة للحرية وللحياة، وتحول إلى لعنة تلاحق كل من مارس فعله الدنيء بحق أبناء الأرض السمراء، وكل من جعل من الدم سلعة، ومن القضية موسما، ومن الشهداء رقما في نشرات الأخبار، ومن الوطن صفقة قابلة للتفاوض.

والدم بالدم، والرأس بالرأس، أيها السادة الممثلون لمن يعيشون تحت مستوى البشر، وأنتم تعلمون. ذاك المشرد بين المخيمات، المختبئ خلف الجدران، والمجاهر بالحقيقة، كان الشاهد على الذابح منذ البدايات، والمستمع لعويل النساء المغتصبات، والمبقورة بطونهن، والأطفال الذين ذبحوا قبل أن يعرفوا معنى الوطن. تبرأ منه الجميع، حتى العواصم التي كانت تتغنى بالقضية لم تحتمل رمزيته، فأصبح مطاردا من أشباحها، كما كان مطاردا من أعدائه، لكنه ظل تعويذة الفقراء، وبطل المحرومين، والمنتظرين للاستظلال بفيء شجرة زيتون ما زالت رابضة على تلة من تلال الجليل، تنتظر أصحابها، كما ينتظرها أصحابها، مهما طال المنفى، ومهما تبدلت الخرائط. ..  

صار روحا تتجسدها كل الأجساد المتعبة، والمحرومة من دفء اللحظة، ومن عبق العطر المقدس المنبعث من قطرات الندى الصباحية في بلاد العشق والهوى، والكثير من الانكسار. صار ممزوجا بتراب الأرض العطشى لخطى عاشقين يصعدان الجبل، ليستكينا إلى مغارة لا تستقبل إلا من يرتل مزامير أبجديات كنعان من جديد. صار أريج البراري المعطرة بنسائم الأقحوان وشقائق النعمان، وصار أيقونة قدسية معلقة بأعناق حراس الحلم، وسدنة الوعد الذي لم يمت، وإن أثقلته الهزائم، وأرهقته الخيبات، وأحاطت به مواكب المتاجرين بالأوطان...

صار المخلص، المحلق في عنان سماء المنتظرين عطاءات سنابل القمح المتطلعة نحو الشمس، وصار نجمة مضيئة في فضاء حقائقنا، ترشدنا دوما إلى بوصلة لا تنحرف، مهما كثرت الطرق، ومهما تشابهت الوجوه، ومهما حاولت الريح أن تبدل اتجاهاتها. فالبوصلة التي تشير إلى فلسطين لا تخطئ، وإن أخطأ السائرون إليها، ولا تنحرف، وإن انحرفت السياسات، ولا تتبدل، وإن تبدلت العواصم وتحولت المنابر إلى أسواق للمساومات... 

صار رمزا لتوق الأحرار إلى ثورة تغتال الظلم، وصار رقما صعبا في حسابات الأشرار، ومفردة من مفردات البشارة بقيامة جديدة لجموع السجد الركع، بحضرة النخيل في بلاد الرافدين، ومعزوفة على قيثارة الزمن الرديء، يتردد صداها في حواري القاهرة، القاهرة التي ما زالت تحفظ في حجارتها وجوه الفقراء، وفي أزقتها رائحة الذين مروا حاملين أحلامهم على أكتافهم، قبل أن تبتلعهم المدن الكبيرة، وتتركهم غرباء في أوطانهم... 

صار نبيا يتصدى لفراعنة العصر الجديد، لا بعصا المعجزات، بل بحقيقة لا تموت، وبكلمة لا تنكسر، وبحبر يمتزج كل يوم بدم جديد. وصار كلمة سحر تلقيها جميلة، صارخة الجمال، في صحارى تيه وهران، ولربما بدا أكثر بهاء على جسور قسنطينة، بين صفحات رواية لم تكتمل بعد، لأن فلسطين ما زالت تكتب فصلها الأخير بدم أبنائها، وما زال الروائي الحقيقي هو الشهيد، لا المؤرخ...

صار أهزوجة تغنيها سمراوات النوبة حين يشتد الشوق إلى حكايات العشاق الفقراء، وصار لعنة على قتلة المرأة المتمردة في أزقة بغداد، وكان الشاهد والصابر والصامد في شارع الحمرا ببيروت، حين كان لاسمه ذلك الصدى المرتد عن جدران المعارك، وحين تصدى لبساطير الغزاة، كما تصدى لعويل المنتفخة كروشهم، وتجار الحروب، وسماسرة الدم، وباعة الشعارات الذين اعتادوا أن يتقاسموا الغنائم فوق أنقاض المدن، وأن يقتسموا المناصب بينما كانت الأمهات يقتسمن الأكفان.

وكان شاهدا على بيروت وهي تستنزف نفسها مرة بعد أخرى، لا بفعل الغزاة وحدهم، بل بفعل الذين حولوا المخيم إلى ساحة تصفية حسابات، واللاجئ إلى ورقة تفاوض، والقضية إلى بند مؤجل على موائد السياسة. ثم عاد ليشهد مخيمات لبنان وهي تعود إلى النار، وكأنها لم تكتف بما حملته ذاكرتها من المجازر، وكأن التاريخ يصر على إعادة نفسه، كلما ظن الناس أن الدم قد جف، وأن الأزقة نسيت أسماء قتلاها...

وكان الشاهد على الموت الفعلي لما يسمى بالضمير الإنساني، يوم قتل من قتل بأزقة الجنون في صبرا وشاتيلا، ويوم طوردت الضحية لتقع بين أنياب التنين وجبة شهية، بعد أن سبقها الاغتصاب، والإذلال، وكسر الكرامة. وهو اليوم يشهد الضمير ذاته وهو يدفن كل صباح تحت ركام غزة، ويشنق على حواجز الضفة، ويختنق في مخيمات الشمال، بينما العالم لا يملك سوى بيانات الإدانة، وصورا تلتقط من مسافات آمنة، ثم يواصل حياته كأن شيئا لم يكن... فالقتل له حكاية أخرى، وصور أخرى، ووجوه أخرى، أما صبرا وشاتيلا فلهما قصة لم ترو كاملة بعد، لأن المجزرة لم تنته، وإنما غيرت أسماءها فقط. مرة تسمى غزة، ومرة جنين، ومرة نور شمس، ومرة طولكرم، ومرة عين الحلوة، ومرة كل مخيم يرفض أن يخلع هويته الفلسطينية. أما القاتل فهو ذاته، وأما الضحية فهي ذاتها، وأما العالم فما زال يتقن فن إدارة الصمت، أكثر مما يتقن الدفاع عن الإنسان.

ولفاطمة أن تزغرد، وأن ترقص رقصة اليائسة في حواري المسمى مجازا بالوطن، بعد أن أصبحت المصافحة ليد القاتل جزءا من البروتوكول، وصارت اللقاءات الرسمية تبرر تحت عناوين الضرورات، ولا أقصد هنا القاتل التقليدي القابع بجوار المسجد والبيت العتيق، بل ذاك الساكن على مقربة من صبرا وشاتيلا، الذي تشرق الشمس أولا على شرفته، ويحتسي قهوته كل صباح مطلا على أزقة المخيم، يراقب المشوهين، والناجين، والذين ما زالوا يحيون ببقايا الحياة، وكأنهم شهادة حية على جريمة لم يعترف بها العالم إلا بوصفها خبرا من أخبار الأمس.

وها هو المشهد يتكرر، لا لأن الزمن عاد إلى الوراء، وإنما لأن القاتل لم يتغير، ولأن الضحية ما زالت هي الضحية، ولأن الذين كانوا يصفقون للصمت ما زالوا يتقنون التصفيق ذاته. وفي بيروت يعود المخيم مرة أخرى إلى دائرة النار، ويصبح اللاجئ مرة أخرى رقما فائضا عن الحاجة، بينما في فلسطين تفتح المقابر أبوابها كل صباح لاستقبال أفواج جديدة من الأطفال، ويغدو الموت جزءا من تفاصيل النهار، كما كانت الحياة يوما جزءا من أحلامهم...

اختار الرحيل بعدما رحل أبناء المخيم، وكان له أن يختار أيضا شكل رحيله، فأراد أن يكون المقتول فوق أوراقه البيضاء، حتى يستوي مشهد الذبح بين شاتيلا وعاصمة الضباب، وحتى يمتزج الحبر بالدم، وتصبح الرسمة شهادة، والكلمة طلقة، والورقة ساحة مواجهة لا تقل خطورة عن المتراس. كان يدرك أن الرصاصة التي ستستقر في جسده لن تكون موجهة إليه وحده، وإنما إلى كل من بقي يصر على أن يرسم فلسطين كما هي، لا كما يريدها القتلة، وإلى كل من يرفض أن تتحول المجزرة إلى هامش صغير في كتاب التاريخ...

ومنذ تلك اللحظة، لم يمت، بل بدأ حضوره الحقيقي. صار الرمز الملتصق بالجنوبين، الممتدين حتى شمال الجليل، وصار طقسا من طقوس البنادق في تموز، وكتابا في جيب السيد الكربلائي ذي العمامة السوداء، كما صار قصيدة يتلوها من يعرف أن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن الدم لا يشيخ، وأن الذاكرة، مهما أثقلتها الهزائم، قادرة على أن تنبت من جديد، كما تنبت شقائق النعمان فوق التراب الذي ارتوى بدم الشهداء...

صار شامخا على سفوح قاسيون، وعلى نغمات التراتيل القادمة من الجولان، نسمع صوته الهادر يبشر بعودة لا تعرف الانكسار، وبكرامة لا تقبل المساومة، وبعزة لا تقاس بعدد البنادق، وإنما بقدرة الإنسان على البقاء واقفا، حتى وهو ينزف. وصار حلم عذارى القدس، ينتظرنه مع أول الليل، حين يشعلن النار لاستقبال الغيارى من رجال كتبوا كلماته بالفعل قبل القول، وحملوا وصاياه على أكتافهم، لا في دفاترهم...

وصار المعنى الأعمق لشباب الكرمل في حيفا، الذين يعرفون أن طفلا ظل ينظر دوما إلى المكان، مؤمنا أن العودة ليست حلما رومانسيا، وإنما وعد مؤجل، لا يسقط بالتقادم، ولا تلغيه الخرائط، ولا تمحوه الحدود. لذلك ظلوا يهيئون الأمكنة لتلك العودة، كما تهيئ الأرض نفسها لاستقبال أول المطر بعد سنوات القحط....

وصار عربيا، ناطقا باسم الجمع، من غير أن يتقن فن الخطابة، أو قواعد البلاغة، أو دروس الدبلوماسية، ولم يكن في حاجة إلى منصات المؤتمرات، ولا إلى تصفيق القاعات، ولا إلى بيانات الشجب والإدانة. كان يعرف أن الحقيقة، حين تخرج من قلب المخيم، تكون أكثر بلاغة من كل الخطب، وأن رسما صغيرا لطفل يدير ظهره للعالم، قادر على أن يهزم آلاف الخطب المنمقة، وآلاف الوجوه التي احترفت الكلام حتى فقدت القدرة على قول الحقيقة...

ولذلك أعلن انحيازه منذ البدايات، ونطق باسم الذين التصقوا بالتراب، لا باسم الذين ارتفعوا فوقه. انتمى إلى كل الأديان، وإلى كل العابدين، لأنه تعلم أن الإنسان هو القيمة الأولى، وأن الوطن هو الصلاة الكبرى، وأن الحرية لا تحتاج إلى مذهب، بل تحتاج إلى ضمير حي. وداس على أوهام الكبار، وعلى علب الليل الحمراء، وعلى كل من حاول أن يبيع الأحلام في أسواق السياسة، وأعلن هويته كما هي، بلا مواربة، وبلا خوف، وبلا انتظار لرضا أحد. قال من نحن، ومما نتكون، وما الذي نحلم به، ثم ترك للطوفان أن يأتي، وللحرب أن تعبر، وللجبروت أن يبطش، وللكواتم أن تطلق رصاصها، لأنه كان يعلم أن الأحلام التي تسكن قلوب الفقراء لا تغتالها الرصاصات، وإنما تزداد بها حياة...

عرفوه في كل الأمكنة، وعرفوا فيه قضية شعب لا يستكين، ولا يساوم على ذاكرته، ولا يهادن الظلم القادم من شمال الشمال. وعلم العالم من نكون، دون أن يجوب العواصم، أو يتقن لغات الآخرين، أو يتزاحم على أبواب الساسة. كان يعرف أن الحقيقة، حين تكون صادقة، لا تحتاج إلى مترجم، وأن صورة واحدة قد تهزم آلاف الخطب، وأن طفلا يدير ظهره للعالم قادر على أن يفضح منابر العالم كلها، إذا ما بقي وفيا لذاكرته، ولأرضه، ولأحلامه الأولى.

نقش وصاياه مبكرا، لأنه كان يعلم أنه سيترجل قبل الأوان، ليترك من بعده حكاية الرمز، وأسفار التكوين لشعب يبعث نفسه من بين الرماد، وسط أدخنة حرائق اللوز، والتين، والزيتون. كانوا يظنون أن الغابات أيضا ستحارب أصحابها، وأن الأشجار ستتعب من انتظار العائدين، لكن الأرض كانت تحفظ أسماءهم، كما تحفظ الأمهات أسماء أبنائهن الغائبين، وكما تحفظ الحجارة آثار الخطى الأولى لمن مروا عليها ذات صباح، وأقسموا ألا يبدلوا وطنا بوطن، ولا ذاكرة بذاكرة.

وحين اقترب الرحيل، ظل الناظر دوما إلى الأمام، يلتفت أيضا إلى الخلف، حيث حجارة الأرض الأولى، وحيث الطريق المؤدي إلى المخيم، وحيث البيوت التي هدمت وما زالت قائمة في الذاكرة أكثر مما هي قائمة في الجغرافيا. كان يعرف سر الحجارة، ويعرف أن الأطفال الذين يلتقطونها اليوم سيحملون غدا الرواية، كما حملها الذين سبقوهم، وأن الشجرة التي تقطع، ستنبت من جذورها مرة أخرى، وأن المخيم، مهما ضاقت أزقته، سيظل أوسع من كل المنافي، لأنه يحمل الوطن في ذاكرته، لا في مساحته.

وصار حنظلة تعويذة لكل الفقراء، ولكل المحرومين، ولكل الثوار في بلاد الجنوب، وللمسافرين في مواسم الهجرة نحو شمال أحلامهم. لم يعد ذلك الطفل مجرد رسم على ورقة، بل صار ضميرا يقف خلف كل فلسطيني، وخلف كل مظلوم، يراقب العالم بصمته، ويمنحه فرصة أخرى كي يستيقظ، ثم يدير له ظهره حين يكتشف أن الضمير الإنساني ما زال يؤجل العدالة، ويؤجل الاعتراف، ويؤجل الحقيقة.

صار شاهدا على صبرا وشاتيلا، كما صار شاهدا على غزة، وعلى جنين، وعلى نور شمس، وعلى طولكرم، وعلى كل بيت هدم، وكل أم ثكلت، وكل طفل انتشل من تحت الركام حاملا لعبته الصغيرة، وكل مخيم أيقن أن المجازر لا تشيخ، وإنما تبدل أسماءها فقط. رأى العالم وهو يعيد إنتاج الصمت ذاته، ورأى القاتل وهو يبدل أدواته، لكنه لم يبدل عقيدته، ورأى الضحية وهي تكبر جيلا بعد جيل، دون أن تتخلى عن اسمها الأول: فلسطين...

وهكذا كان، وهكذا سيكون، وسيبقى الاسم الملاصق للعلم، معلقا بأعناق العذارى والغيارى، لا بوصفه اسما لرجل، وإنما بوصفه ذاكرة شعب، وضمير مخيم، وصوت أرض تعرف أصحابها، وإن طال الغياب. سيبقى الرسام حاضرا في كل يد تحمل حجرا، وفي كل أم تودع شهيدا، وفي كل طفل يكتب اسم فلسطين على جدار مهدد بالهدم، وفي كل عجوز يحتفظ بمفتاح بيته، وكأنه يحتفظ بعمره كله.

فيا سادة القتل... هل تعلمون حقا من كان؟ وهل أدركتم أن الرصاص، مهما أصاب الجسد، يعجز عن اغتيال الفكرة؟ وأن الذبح، مهما اتسعت مسارحه، لا يستطيع أن يقتل الحكاية؟ لقد ظننتم أنكم حين اغتلتم الرسام، أطفأتم الضوء، فإذا بالنور يتكاثر في كل مخيم، وفي كل شارع، وفي كل خيمة، وفي كل طفل يرفض أن يلتفت إليكم، ويمضي ناظرا نحو فلسطين.

ويا قادة التطبيل والتزمير، ويا تجار الدم، ويا محترفي الخطابة فوق المنابر، أوقفوا قليلا ضجيج أصواتكم، وارحلوا. فالأوطان لا تبنى بالتصفيق، ولا تستعاد بالبيانات، ولا تحفظها المصالح، وإنما يحفظها أولئك الذين بقوا أوفياء لذاكرتهم، ولشهدائهم، ولأحلام أطفالهم، مهما اشتد الحصار، ومهما اتسعت المنافي، ومهما تكاثرت الخيبات...

لقد صار حنظلة مايسترو أغنياتنا التي نحفظ معانيها قبل كلماتها، ونستدل بإيقاعها كلما تاهت البوصلة، وكلما حاولت السياسة أن تقنعنا بأن الطريق قد تبدل. صار صوت الذين لا صوت لهم، ووجه الذين سرقت وجوههم تحت الركام، وصار الشاهد الذي لا يموت، لأن الشهود الحقيقيين لا يسكنون القبور، بل يسكنون ذاكرة الشعوب...

وصرنا، كما نحن، نستشعر أوطاننا ونحن نحيا فوق ترابها، كأننا غرباء عنها، ونشتاق إليها وهي بين أيدينا، لأنها لم تكتمل بعد، ولأن الوطن الذي حلم به الشهداء ما زال ينتظر أبناءه. نناجي سماءه، وعشبه، ومطره، وزيتونه، ونعلق حنظلة على عنق الوطن، لا زينة له، بل ضميرا يحرسه من النسيان، ومن السماسرة، ومن القتلة، ومن الذين يبدلون أسماء الهزائم ويبيعونها انتصارات...

أما المخيم... ذلك الذي ظنوا أنهم تركوه وحيدا يوم خرج الرجال، فلم يتركهم يوما. بقي واقفا، يحرس الذاكرة، ويحفظ أسماء الشهداء، ويعلم الأطفال كيف تتحول الحجارة إلى رواية، وكيف يتحول المفتاح إلى وعد، وكيف يصبح الرسم بندقية، والكلمة متراسا، والذاكرة وطنا لا يسقط...

كلما ظن القتلة أنهم قتلوا الشاهد، أنبت المخيم شاهدا آخر. وكلما ظنوا أنهم اغتالوا الرسام، خرج ألف حنظلة من بين الركام، يدير ظهره للعالم، ويشير بإصبعه نحو فلسطين... ويبتسم، لأنه يعرف، كما عرف منذ البدايات، أن الأوطان قد تتأخر... لكنها لا تضيع.