"يتحدّثون عن السلام فاستعدّ للحرب"، مقولة قديمة لكّنها كثيرة الحصول عبر العصور. فعندما انعقد "السلام" بين مصر وإسرائيل شكّل مدخلًا إلى الحرب على لبنان في العام 1982، وعندما انعقد "سلام إبراهيم" توفّرت الشروط لحرب الإبادة والحرب على إيران.

 

هكذا يُمكننا أن نرى "اتفاق الإطار" بين إسرائيل والحكومة اللبنانيّة، أنه سيكون مدخلًا إلى إراقة الدماء ولو من قبيل أنه في دلالته استمرار للحرب على إيران وحزب الله بوسائل أخرى.

وما دمنا في الشأن اللبنانيّ، فلا بدّ من الإشارة إلى أمريْن مشابهين لاتفاق الإطار المذكور. الأول؛ الاتفاق الذي أُبرم بين حزب الكتائب برئاسة بشير الجميّل وإسرائيل قبيل اجتياح لبنان وغداته، والثاني؛ اتفاق 17 أيار 1983 بين لبنان الغارق في حرب أهليّة وإسرائيل المحتلّة للبنان. "أمران" يُمكن الاشتقاق منهما على ما يُمكن أن يعنيه اتفاق الإطار الجديد بالنسبة إلى لبنان، فهو يأتي كإملاء إسرائيليّ - أميركيّ، وليس خيارًا لبنانيًّا سياديًّا. وإذا كانت تجارب من هذا النوع في الماضي تهدف إلى تحييد منظمة التحرير، أو ضرب قضيّة فلسطين في خاصرتها، أو محاصرة القوى الوطنيّة اللبنانيّة في بيئتها، فإن هذا الاتفاق أيضًا يستهدف محاصرة حزب الله في بلده من خلال جعله في مواجهة مع قوى أخرى شريكة في الوطن. وأمّا الضغط على الرئيس السوريّ المؤقّت لدخول الحرب ضد حزب الله، فقد يُفضي إلى ما أفضى إليه دخول سورية إلى لبنان في العام 1976 ضمن اتفاق إقليميّ. إذ لم يكن ممكنًا أن تدخل قوّة "ردع عربيّة" إلّا عبر سلسلة من المجازر، بدأت في مخيّم تلّ الزعتر (راح ضحيّتها نحو 3000 فلسطينيّ)، وسلسلة من اغتيالات رموز الحركة الوطنيّة كان أوّلهم المعلّم كمال جنبلاط 1977. ويمكننا القول إن اتفاقيات من هذا "الموديل" عادة ما استجلبت على لبنان العنف على طريقة فليقتل العرب بعضهم بعضًا، وهنا اللبنانيّون!

سارع سفير إسرائيل في واشنطن إلى التعقيب على توقيع الاتفاق، قائلًا إن أهمّ شيء فيه هو إخراج إيران وحزب الله خارج المعادلة. وهو تصريح يمثّل غايات إسرائيل من هذا الاتفاق، وأهمّها محاولة التعامل مع لبنان خارج التفاهمات الأميركيّة - الإيرانيّة التي لا تُبقي لإسرائيل، حسب التفسير الإيرانيّ، أيّ مساحة للمناورة في لبنان، لأن الإيرانيّين ربطوا وقف إطلاق النار في جبهتهم بوقفه على كلّ الجبهات وأوّلها لبنان. وبدل أن تستند الحكومة اللبنانيّة على هذا النص وهذه الورقة، ذهبوا إلى مفاوضات مكشوفين عُراة من كل شيء، ليس في جعبتهم إلّا الوعد الأميركيّ مقابل الخداع الإسرائيليّ المستند إلى احتلال الأرض اللبنانيّة، وتدمير بنيته التحتيّة.

السياسة في ألف بائها تعني عدم تكرار ما فشل في الماضي غير البعيد، منذ الحرب الأهليّة في أوساط السبعينيات من القرن الفائت بما في ذلك الاستعانة بـ"سورية"، وهذه المرّة سورية نظام الشرع الخاضع للعرّاب الأميركيّ. وتعني ألّا تُجازف حكومة أوهى من بيت العنكبوت، تعيش على منصّات إسرائيل الإعلاميّة وأكفّ أميركيّة في التوقيع على اتّفاق لن تستطيع الالتزام بأحكامه، مقابل حزب هو أقوى من الدولة إلى الآن، ومقابل بيئة لبنانيّة تعرف التاريخ. والأهمّ، أن الحكومة اللبنانيّة الموقّعة على الاتّفاق مستمرّة في قراءتها للإقليم على نحو ما كان الأمر عند تسلّمها الحكم، وكان حريًّا بها أن تأخذ نتائج الحرب الأخيرة بعين الاعتبار، وأن تقرأ دلالاتها بعين لبنانيّة وليس بنظّارات أميركيّة - إسرائيليّة.

أرجّح من موقعي التحليليّ لما حصل ويحصل في لبنان وفي الحروب، بما فيها الأخيرة، أن حزب الله الآن أكثر مرونة في التوصّل إلى صيغة تعايش مع الدولة اللبنانيّة والشركاء فيها من أيّ وقت مضى، بعكس ما يُعتقد؛ وذلك لأنّه استطاع أن يستعيد ما فقده في السنة الأخيرة. لكن ما العمل ما دامت الحكومة في لبنان راهنت على إسرائيل كي تخلّصها من حزب الله، وما دامت حكومة إسرائيل تراهن على حكومة نواف سلام أن تخلّصها من حزب الله؟! رهانان يبدوان لي خاسريْن، أما الخاسر الأكبر فيه فهو لبنان وشعبه والإقليم.