ليست كل القضايا تحتفظ بموقعها بالطريقة نفسها. فبعضها يتراجع، وبعضها يختفي، بينما يعيد بعضها تعريف دوره. والقضية الفلسطينية تنتمي إلى الفئة الثالثة؛ إذ لم تفقد مكانتها في الشرق الأوسط، لكنها غيّرت وظيفتها. فلم تعد القضية التي تدور حولها التحالفات فحسب، بل أصبحت أحد أهم المعايير التي تُقاس بها شرعية النظام الإقليمي الجديد.

لعقود طويلة، وُصفت القضية الفلسطينية بأنها "القضية المركزية" في النظام العربي والإقليمي. لم يكن هذا الوصف مجرد شعار سياسي، بل كان يعكس حقيقة أن معظم الاصطفافات والتحالفات والمواقف الإقليمية كانت تُقاس بمدى قربها أو بعدها من فلسطين. أما اليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبدو أن السؤال لم يعد: هل ما تزال فلسطين القضية المركزية؟ بل أصبح: ما الدور الذي تؤديه فلسطين في نظام إقليمي يعاد تشكيله؟
الجواب، في تقديري، أن موقع فلسطين لم يتراجع بقدر ما تغيرت طبيعته. 

لم تنتقل فلسطين من مركز النظام الإقليمي إلى هامشه، بل انتقلت من كونها محورا تُبنى حوله السياسات إلى أحد أهم المعايير التي تُقاس بها شرعية تلك السياسات، بل ربما أكثرها حساسية في الشرق الأوسط.

لقد دخل الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة مرحلة إعادة هندسة سياسية وأمنية غير مسبوقة. فملفات الأمن الجماعي، والطاقة، والممرات التجارية، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات العابرة للحدود، أصبحت تحتل مكانة متقدمة في حسابات الدول. ولم تعد القضية الفلسطينية وحدها تحدد اتجاهات العلاقات الإقليمية كما كان الحال في العقود السابقة.

ولفهم هذا التحول، لا بد من قراءة المكانة التي شغلتها فلسطين عبر المراحل المختلفة من تطور النظام الإقليمي العربي. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ارتبطت فلسطين بمشروع القومية العربية، وأصبحت معيارا لالتزام الأنظمة بخطاب التحرر والوحدة. ومع التحولات التي شهدتها المنطقة منذ سبعينيات القرن العشرين، وانتقال عدد من الدول إلى مقاربات أكثر واقعية، غدت القضية الفلسطينية معيارا تُقاس به شرعية الأنظمة العربية في نظر شعوبها، حتى وإن اختلفت سياساتها تجاه الصراع. أما منذ انطلاق عملية السلام في تسعينيات القرن الماضي، فقد أصبحت فلسطين ميدانا لاختبار قدرة التسويات السياسية على إنتاج سلام مستدام، لا مجرد اتفاقات سياسية. 

واليوم، وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، لم تعد فلسطين تمثل معيارا لشرعية نظام أو أيديولوجيا بعينها، بل أصبحت المعيار الذي يُختبر من خلاله مدى قدرة النظام الإقليمي الجديد على تحقيق الاستقرار والقبول والاستدامة. وهكذا، فإن ما تغيّر ليس أهمية القضية الفلسطينية، وإنما الوظيفة السياسية التي تؤديها داخل بنية النظام الإقليمي.
وهذا التحول الوظيفي هو ما يفسر استمرار حضور فلسطين في قلب النقاشات الإقليمية، رغم تغيّر أولويات الدول وأدواتها.

غير أن هذا التحول لا يعني أن فلسطين فقدت أهميتها. وقد كشفت الأزمات المتعاقبة في المنطقة أن أي مشروع إقليمي يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفا يمكن تأجيله أو تجاوزه، يصطدم سريعا بحدود قدرته على إنتاج الاستقرار. فالحروب المتكررة، وتصاعد التوترات، واتساع دائرة عدم اليقين، تؤكد أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى إنهائه، بل إلى إعادة إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدا.

ومن هنا، تبرز فكرة الشرعية الإقليمية بوصفها الإطار الذي يمكن من خلاله فهم موقع فلسطين في الشرق الأوسط الجديد. فالشرعية الإقليمية، كما تقترح هنا، لا تعني مجرد قدرة أي نظام ناشئ على بناء توازنات القوة أو إبرام التحالفات، وإنما تعني قدرته على اكتساب القبول والاستقرار والاستدامة عبر معالجة القضايا المؤسسة للصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ويمكن قياس هذه الشرعية من خلال ثلاثة مؤشرات مترابطة: قدرة النظام الإقليمي على إنتاج الاستقرار دون الاكتفاء بإدارة الأزمات، واتساقه مع قواعد القانون الدولي وحقوق الشعوب، ومدى قبوله لدى الرأي العام الإقليمي، لا لدى النخب السياسية وحدها. ومن هذا المنظور، تصبح فلسطين ليست مجرد أحد ملفات المنطقة، بل الاختبار الأكثر حساسية لمدى شرعية أي نظام إقليمي جديد وقدرته على الاستمرار.

ولعل المفارقة أن محاولات تجاوز القضية الفلسطينية لم تؤد إلى تراجع حضورها، بل جعلتها تعود في كل أزمة باعتبارها العقدة التي تعيق اكتمال أي ترتيبات جديدة. وكأن المنطقة تستطيع إعادة رسم خرائطها الاقتصادية والأمنية، لكنها لا تستطيع تجاوز الحقيقة الأساسية: أن السلام المستدام لا يُبنى على إدارة الصراع، بل على معالجته.

ولا يقتصر هذا التحول على المستوى الإقليمي، بل يمتد إلى النظام الدولي ذاته. فقد أصبحت المواقف من فلسطين معيارا يُقاس به اتساق الدول مع المبادئ التي تعلن الدفاع عنها، مثل احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، ورفض الاحتلال، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهنا لم تعد القضية الفلسطينية اختبارا للسياسات الإقليمية فقط، بل اختبارا لمصداقية النظام الدولي نفسه.

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت فلسطين خرجت من مركز النظام الإقليمي، وإنما ما إذا كان أي نظام إقليمي جديد يستطيع اكتساب الشرعية والاستمرار من دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية. والتجربة التاريخية تشير إلى أن تجاهل فلسطين قد يؤجل الأزمات، لكنه لا يلغيها.

وقد تغيّر الشرق الأوسط مرات عديدة، وتبدلت تحالفاته، وسقطت أنظمة وصعدت أخرى، لكن فلسطين بقيت العامل الأكثر قدرة على كشف حدود أي نظام إقليمي جديد. فالنظام الذي يستطيع إنتاج القوة من دون عدالة قد يفرض نفسه مؤقتا، لكنه يعجز عن إنتاج الشرعية. 

لقد تغيّر موقع فلسطين في الشرق الأوسط، لكنه لم يتراجع. فبعد أن كانت القضية التي تدور حولها التحالفات، أصبحت المعيار الذي يكشف حدودها ويمنحها شرعيتها أو يسلبها إياها. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: أين تقع فلسطين في النظام الإقليمي؟ بل أصبح: أي نظام إقليمي يمكن أن يكتسب الشرعية وهو يعجز عن تقديم إجابة عادلة للقضية الفلسطينية - وفي الإجابة عن هذا السؤال، لا يتحدد مستقبل فلسطين وحدها، بل تتحدد أيضا ملامح الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم، وحدود شرعيته، وقدرته على إنتاج سلامٍ مستدام.