
صدى نيوز - في اكتشاف وصفه العلماء بأنه كان يعد مستحيلا قبل سنوات قليلة، تمكن تلسكوب هابل الفضائي من رصد ضوء فوق بنفسجي صادر عن مجرة بعيدة جدا تُعرف باسم "إم إكس دي إف-4.4" (MXDFz4.4)، ظهرت بعد نحو 1.4 مليار سنة فقط من الانفجار العظيم.
ويمنح هذا الرصد الفلكيين أول دليل مباشر تقريبا على الكيفية التي ساهمت بها المجرات الأولى في إزالة الضباب الكوني الذي ملأ الكون المبكر.
وجاءت نتائج الدراسة في بحث نُشر يوم 23 يونيو/حزيران 2026 في مجلة "استرونوميكال جورنال" (The Astronomical Journal) بقيادة الباحث "إلياس غوفارتس" من معهد علوم تلسكوب الفضاء في مدينة بالتيمور الأمريكية، وبمشاركة باحثين من مؤسسات دولية عدة، معتمدة على بيانات تلسكوب هابل وتلسكوب جيمس ويب والتلسكوب الأوروبي الكبير جدا.
نهاية عصر الضباب الكوني
خلال المليار سنة الأولى تقريبا من عمر الكون، كانت المسافات الفاصلة بين النجوم والمجرات مليئة بغاز الهيدروجين المتعادل الذي امتص معظم الإشعاع فوق البنفسجي، ما جعل الكون أشبه بضباب كثيف يحجب الرؤية.
ويطلق العلماء على المرحلة التي تلت ذلك اسم "عصر إعادة التأين" (Era of Reionization)، وهي الفترة التي تحولت خلالها المادة بين المجرات تدريجيا من حالة معتمة إلى أخرى شفافة.
عاشت المجرة "إم إكس دي إف-4.4" في نهاية تلك المرحلة الانتقالية الحاسمة، وقد أظهر هابل أن الضوء المؤين الصادر من نجومها الفتية استطاع النفاذ عبر الغاز المحيط بها، ما سمح للباحثين برؤية إشارات لم يكن من المتوقع رصدها في مثل هذا الزمن المبكر من تاريخ الكون.
وقال الباحث الرئيسي إلياس غوفارتس في بيان صحفي رسمي: "كان يعتقد أن رصد مجرة كهذه أمر مستحيل، لأن ضباب الهيدروجين المبكر كان يفترض أن يحجب هذا النوع من الضوء بالكامل".
نجوم فتية خارقة التأثير
كشفت البيانات أن المجرة تحتوي على تجمعات كثيفة جدا من النجوم الفتية والحارة والضخمة، تشكلت خلال بضعة ملايين من السنين فقط قبل الزمن الذي نراها فيه اليوم.
والمثير أن هذه المجرة أصغر بنحو 100 مرة من مجرة درب التبانة من حيث المساحة، لكنها تنتج نجوما بمعدل يزيد بنحو عشرة أضعاف عما تنتجه مجرتنا حاليا. ويعتقد الباحثون أن هذا التركيز الهائل للنجوم الشابة مكّنها من إنتاج كميات كبيرة من الإشعاع المؤين القادر على اختراق الغاز المحيط.
ويقدّر الفريق العلمي أن ما بين 50% و100% من هذا الضوء عالي الطاقة كان ينجح في الهروب إلى الفضاء الخارجي. يقول غوفارتس: "وجود عدد كبير من النجوم الفتية والساخنة في مساحة صغيرة يجعلها أكثر قدرة على شق طريقها عبر الغاز المعتم".
كما ساهمت الانفجارات النجمية العملاقة الناتجة عن موت بعض هذه النجوم في فتح فجوات كبيرة داخل السحب الغازية، ما سمح بخروج المزيد من الإشعاع.
تعاون هابل وويب والتلسكوب الأوروبي
لم يكن هابل وحده وراء هذا الإنجاز العلمي، فقد استعان الفريق أيضا ببيانات تلسكوب جيمس ويب في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة، إضافة إلى بيانات التلسكوب الأوروبي الكبير جدا "في إل تي" (VLT) التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي.
وقد ساعدت مشاهدات تلسكوب ويب في قياس كتلة المجرة ودراسة نجومها الأقدم وتاريخ تشكل النجوم فيها، بينما حددت بيانات التلسكوب الأوروبي الكبير جدا عمرها الكوني بدقة، مؤكدة أنها كانت موجودة بعد 1.4 مليار سنة فقط من الانفجار العظيم.
وأوضح "مارك رافلسكي"، نائب رئيس مهمة هابل في معهد علوم تلسكوب الفضاء وأحد المشاركين في الدراسة أن الفلكيين عثروا على كثير من المجرات التي تعود إلى هذه الحقبة، لكننا لم نرصد فوتونات مؤينة من أي منها من قبل، ما يجعل "إم إكس دي إف-4.4" حالة فريدة.
كما أظهرت المقارنة بين بيانات هابل وويب أن تشكل النجوم داخل المجرة حدث على شكل اندفاعات متتالية، وليس بصورة مستمرة.
خطوة جديدة لفهم نشأة الكون
في عام 2023 أظهرت مشاهدات جيمس ويب أن النجوم المبكرة كانت تنتج طاقة كافية لتسخين الغاز المحيط بها وتأيينه. لكن السؤال الأهم بقي دون إجابة: كيف تمكن ذلك الضوء من الهروب أصلا من داخل المجرات؟
اليوم تقدم المجرة "إم إكس دي إف-4.4" أول دليل مباشر على الآلية المحتملة لهذه العملية. ويعتقد العلماء أن اكتشاف مزيد من المجرات المشابهة قد يساعد في رسم صورة أوضح لكيفية انقشاع الضباب الكوني وانكشاف الكون كما نراه اليوم.
يقول الباحث "ألكسندر بيكيت" من مختبر الفيزياء الفلكية في مرسيليا بفرنسا إن الجمع بين قدرات هابل وويب والتلسكوب الأوروبي الكبير جدا وبرمجيات التحليل المتقدمة مكّن العلماء من دراسة هذه المجرة الاستثنائية بدقة غير مسبوقة.
يكشف هذا الاكتشاف أن أعظم التحولات الكونية ربما بدأت داخل مجرات صغيرة ومتوارية بالكاد تُرى. فمن خلال تتبع فوتونات انطلقت قبل أكثر من 12 مليار سنة، يقترب الإنسان خطوة جديدة من فهم فصوله الأولى في هذا الكون الشاسع.
إنها تذكير بأن البحث العلمي لا يجيب عن الأسئلة فحسب، بل يفتح أبوابا جديدة للدهشة، ويمنحنا قدرة متجددة على استكشاف جذور وجودنا ومكاننا في قصة الكون الكبرى.
المصدر: الجزيرة + وكالات