
صدى نيوز -يكشف تقرير حديث صادر عن مركز “غلوبال إيكو” للتقاضي أن منتجات زراعية وغذائية من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة تُصدَّر إلى الأسواق الأوروبية وتُباع في كثير من الأحيان على أنها منتجات إسرائيلية، رغم أن إنتاجها جرى داخل الأراضي المحتلة. ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الدول الأوروبية أن الضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان أراضٍ محتلة بموجب القانون الدولي، وليست جزءًا من إسرائيل المعترف بها دوليًا.
ويوضح التقرير أن المشكلة لا تقتصر على التمور فقط، بل تشمل أيضًا الحمضيات والأفوكادو والطحينة وغيرها من المنتجات الزراعية والغذائية التي تُصدر إلى أوروبا تحت تصنيفات لا تعكس مكان إنتاجها الحقيقي. وبحسب الدراسة التي قام بها المعهد وشملت أكثر من 5900 شحنة زراعية إلى دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والنرويج وسويسرا، جاءت 17.9% من هذه الشحنات كليًا أو جزئيًا من المستوطنات، وهي نسبة وصفها معدّو التقرير بأنها تقدير متحفظ لأنها تستند فقط إلى وثائق الشحن الرسمية.
ويدخل جزء كبير من هذه الشحنات إلى أوروبا عبر هولندا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وسلوفينيا، فيما استحوذت هولندا وحدها على ما يقارب نصف الكميات التي شملها التحقيق.
ويشير التقرير إلى أن إحدى أبرز المشكلات تتمثل في تصنيف منتجات المستوطنات على أنها “صنع في إسرائيل”، ما يسمح لها بالاستفادة من إعفاءات وتسهيلات جمركية تمنحها اتفاقيات التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، في وقت تمنع فيه قواعد الاتحاد الأوروبي أن تشمل هذه الامتيازات المنتجات المصنعة في المستوطنات، إلا أن التقرير وثق حالات عديدة حصلت فيها منتجات المستوطنات على المعاملة التفضيلية نفسها المخصصة للسلع المنتجة داخل حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا.
ويكشف التقرير أن إخفاء المنشأ الحقيقي يتم بوسائل متعددة، منها استخدام رموز بريدية تعود إلى مستوطنات في الضفة الغربية، أو تسجيل عناوين إسرائيلية أخرى بدلًا من مواقع الإنتاج الفعلية، أو خلط منتجات المستوطنات مع منتجات إسرائيلية أخرى ضمن عمليات تعبئة وتصدير مشتركة، ما يصعّب تتبع مصدرها الحقيقي.
واستند التحقيق إلى تحليل أكثر من 30 ألف وثيقة تصدير لمنتجات زراعية خلال ثماني سنوات، إضافة إلى بيانات حكومية وتحقيقات ميدانية ومقابلات مع مسؤولين في القطاع. وأظهرت النتائج أن 17.2% من أصل أكثر من 5900 شحنة إلى أوروبا جاءت من المستوطنات، وترتفع النسبة إلى 19.2% في دول الاتحاد الأوروبي، مع احتمال أن تكون النسب الفعلية أعلى بسبب صعوبة كشف المنشأ الحقيقي لبعض الشحنات.
كما أظهرت مراجعة أكثر من 2000 فاتورة أن 16.7% من الشحنات صُنفت خطأً أو بصورة متعمدة على أنها منتجات إسرائيلية للاستفادة من الإعفاءات الجمركية، بما يعادل 13.1 مليون يورو. وأشار التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية عوضت المصدّرين عن رسوم جمركية أُلغيت لاحقًا بمبلغ يقارب 63 مليون يورو بين عامي 2005 و2024، الأمر الذي حدّ عمليًا من تأثير هذه الرسوم.
ويلفت التقرير أيضًا إلى أن شهادات الزراعة العضوية والصحة النباتية الخاصة بمنتجات المستوطنات تُمنح أحيانًا بصورة لا تتوافق مع قواعد الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك تُقبل من بعض السلطات الجمركية الأوروبية، ما يضعف فعالية أنظمة الرقابة المعمول بها.
وخلص التقرير إلى أن دخول هذه المنتجات إلى الأسواق الأوروبية تحت صفة “منتجات إسرائيلية” يؤدي إلى تضليل المستهلك الأوروبي بشأن منشأها الحقيقي، ويمنحها مزايا تجارية لا يفترض أن تحصل عليها وفق القواعد الأوروبية.
ورغم المواقف الأوروبية المعلنة الرافضة للاستيطان، يوضح التقرير أن فرض حظر شامل على منتجات المستوطنات يواجه عقبات قانونية وسياسية وعملية. فسياسة التجارة داخل الاتحاد الأوروبي تُدار بشكل جماعي وتتطلب توافقًا واسعًا بين الدول الأعضاء، كما توجد خلافات بين الدول الأوروبية حول طبيعة التعامل مع إسرائيل، إذ تدعو بعض الدول إلى تشديد القيود التجارية بينما ترفض دول أخرى اتخاذ خطوات قد تُفسَّر على أنها عقوبات سياسية أو تمس بالعلاقات الاقتصادية القائمة.
ويشير التقرير إلى أن النظام الجمركي الأوروبي يعتمد في كثير من الحالات على الإقرار الذاتي من قبل المصدّرين لتحديد منشأ البضائع، ما يخلق ثغرات تسمح بمرور منتجات المستوطنات ضمن سلاسل توريد أوسع دون كشف مصدرها الحقيقي. كما أن تعدد مراحل التصدير وإعادة التعبئة داخل دول أوروبية مختلفة يزيد من صعوبة تتبع المنشأ الفعلي للبضائع، حتى بالنسبة للسلطات الجمركية التي تستخدم تقنيات متقدمة، ويحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على التمييز بشكل صارم بين المنتجات الإسرائيلية ومنتجات المستوطنات.