صدى نيوز -هبطت أسعار النفط فور الإعلان عن إطار لإنهاء حرب إيران لكن الانخفاض السريع في شاشات التداول لا يعني عودة السوق إلى ما كانت عليه قبل الحرب، إذ تشير تقديرات شركات النفط والتجار والمحللين إلى أن استعادة التدفقات وإعادة التوازن إلى المخزونات والنقل والتأمين والإنتاج قد تحتاج أشهرا، وربما تمتد إلى عام أو أكثر إذا بقيت الهدنة قائمة.

وتراجعت عقود خام برنت القياسي لشهر أغسطس/آب، اليوم الأربعاء، إلى أقل من 80 دولارا للبرميل، بعدما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الحرب التي استمرت 106 أيام انتهت، داعيا إلى استئناف تدفق النفط، غير أن شركات الطاقة والشحن لم تتعامل مع الحدث السياسي بوصفه كافيا وحده لاستئناف الحركة الطبيعية عبر الخليج، حسبما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز .

وحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يستحوذ مضيق هرمز على نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرا ونحو خمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي.

ويرى الرئيس التنفيذي لشركة شل، وائل صوان أن السوق قد تحتاج "نحو عام أو أكثر" قبل استعادة التوازن، لأن النظام لم يتعرض فقط لانقطاع في الشحن، بل تراكمت داخله اختناقات في التخزين والإنتاج والأساطيل والمخزونات الإستراتيجية، وهي عناصر لا تتحسن بمجرد تراجع السعر الفوري للخام.

عنق الزجاجة

تبدأ العودة الفعلية، حسبما تنقل فايننشال تايمز عن محللين، من دخول الناقلات الفارغة إلى الخليج قبل خروج الناقلات المحملة، لأن خزانات التصدير في المنطقة امتلأت خلال أسابيع الحرب، ولا يمكن استئناف ضخ النفط على نطاق واسع قبل خلق مساحة تخزين تسمح بتدفق الخام بسلاسة من الآبار إلى الموانئ.

لكن إدخال السفن إلى الخليج يتطلب أولا التأكد من خلو الممرات الرئيسية في مضيق هرمز من الألغام، وإعادة توجيه ناقلات كانت قد ابتعدت إلى مناطق أخرى خلال الحرب، وهو ما وصفه الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية أمين الناصر بأنه مشكلة في تموضع الأسطول العالمي، لا في توافر النفط وحده، وفق ما ذكرت الصحيفة البريطانية.

وتبدو شركات الشحن أكثر تحفظا من السياسيين، إذ قال رئيس شركة "ميتسوي أو إس كيه لاينز"، جوتارو تامورا إن خطوط الملاحة تحتاج إلى رؤية الاتفاق منعكسا على الواقع في مضيق هرمز، بينما أكد رئيس شركة "سي إم بي تك"، ألكسندر سافيريس أن شركته لن تعبر المضيق إلا عندما تكون مقتنعة تماما بسلامته.

وتزيد كلفة التأمين من بطء العودة، إذ تنتظر الشركات رد فعل مكتتبي التأمين في لندن ومؤسسة لويدز، فيما ظلت أقساط مخاطر الحرب عند مستويات مرتفعة، تقارب 7.5% من قيمة السفينة لبعض الناقلات الدولية، وهي كلفة تعني ملايين الدولارات أسبوعيا لناقلة نفط واحدة، وفق فايننشال تايمز.

وتقدّر مؤسسة بلاتس أن إعلان مضيق هرمز "مفتوحا تجاريا" يحتاج إلى 30 إلى 45 يوما من الهدوء، وعودة نطاق واسع من شركات التأمين، واستئناف ما لا يقل عن 50% من حركة المرور السابقة للحرب، لا مجرد خروج ناقلات محدودة من المنطقة.

آبار متوقفة

حتى إذا أزيلت عراقيل الشحن والتأمين، ستبقى العودة الإنتاجية تدريجية، إذ تشير تقديرات ريستاد إنرجي إلى أن نحو 10 آلاف بئر من أصل 36 ألف بئر نفطية كانت عاملة في المنطقة قبل الحرب أصبحت خارج الخدمة، وبعضها يحتاج إلى معالجة فنية بسبب فقدان الضغط أو التآكل أو الأعطال الميكانيكية.

وتتوقع مورغان ستانلي عودة 50% فقط من إنتاج النفط والغاز في الخليج بحلول سبتمبر/أيلول، و80% بحلول ديسمبر/كانون الأول، مما يعني أن السوق قد تبقى في مرحلة نقص جزئي في الإمدادات أشهرا بعد انتهاء المواجهات، حتى مع استمرار هبوط الأسعار من ذروة الحرب، وفق فايننشال تايمز.

وتزيد الأضرار المادية في منشآت الطاقة من طول فترة التعافي، فرغم إمكانية استئناف معظم مجمع رأس لفان القطري للغاز الطبيعي المسال بسرعة نسبية، قد تحتاج الأجزاء المتضررة إلى 3 إلى 5 سنوات للإصلاح الكامل، وفق الصحيفة، في حين قالت الإمارات إن إصلاح أكبر منشأة لمعالجة الغاز لديها سيستغرق حتى العام المقبل.

مخزون هش

قال وائل صوان إن العالم كان "يقترض من المستقبل" لتعويض نفط الشرق الأوسط المفقود، إذ تراكم عجز يقدر بنحو 1.2 مليار برميل من الخام غير المنتج أو غير المصدر خلال الحرب، وقد يرتفع الرقم إلى نحو ملياري برميل بنهاية العام إذا ظلت إعادة تشغيل الحقول والمصافي ومسارات الشحن تسير ببطء.

وتم احتواء الصدمة جزئيا، حسب الصحيفة البريطانية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، عبر خفض وتيرة تشغيل مصافي آسيا، واعتماد الصين على مخزوناتها بدل زيادة الواردات، وإطلاق كميات كبيرة من الاحتياطيات الإستراتيجية في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن هذا الامتصاص جعل النظام أقل قدرة على مواجهة اضطراب جديد في مصفاة كبيرة أو ممر ملاحي أو منطقة إنتاج.

ورغم أن خام برنت بلغ خلال الحرب 118 دولارا للبرميل، فإنه ظل دون ذروة يوليو/تموز 2008 البالغة 147 دولارا، لكن هذا يعكس تدمير جزء من الطلب، واستخدام المخزونات، وتدخل الحكومات لتخفيف الصدمة على المستهلكين والشركات، وفق الصحيفة.

التضخم باق

على الجانب الآخر تنظر البنوك المركزية في أوروبا إلى انتهاء الحرب بوصفه تخفيفا للضغط لا نهاية له، إذ قال مسؤولون في البنك المركزي الأوروبي إن تكاليف الطاقة المرتفعة ستبقى فترة أطول مما كان مأمولا، وإن الأضرار في الشرق الأوسط لا يمكن عكسها بين ليلة وضحاها، وفق بلومبيرغ .

ويخشى البنك المركزي الأوروبي أن تتحول صدمة الطاقة إلى زيادات أوسع في الأسعار والأجور داخل منطقة اليورو، بما يبقي التضخم أعلى بكثير من هدف 2%، لذلك لا يستبعد محللون ومتعاملون في السوق نقلت عنهم بلومبيرغ رفعا إضافيا لمعدلات الفائدة هذا العام رغم هبوط النفط.

وقال كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي فيليب لين إن 4 أشهر من ارتفاع أسعار الطاقة تعني ضغوطا تضخمية ستظهر في الغذاء والسلع والخدمات هذا العام والعام المقبل، حتى لو استمرت أسعار النفط في التراجع بعد الاتفاق.

وترى بلومبيرغ إيكونوميكس أن برنت قد يهبط إلى نطاق 70 إلى 75 دولارا إذا جرى توقيع الاتفاق وتنفيذه، لكن هذا السيناريو لا يلغي أثر الأشهر السابقة من ارتفاع الطاقة، ولا يبدد عدم اليقين بشأن تفاصيل أي اتفاق نووي أو أمني مع إيران.

تشكيل خرائط الإمدادات

تربط شركات الطاقة الكبرى بين التعافي القصير الأمد وإعادة تشكيل أطول في خرائط الإمداد، إذ تبحث دول الخليج عن مسارات أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، بينما تسعى الدول المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا إلى تنويع الموردين، بعد أن أظهرت الحرب كلفة الاعتماد على ممر ضيق واحد، حسب بلومبيرغ.

وتعكس صفقات الغاز الجديدة هذا الاتجاه، إذ وقعت اليابان اتفاقا لمدة 20 عاما لاستيراد الغاز الطبيعي المسال من ماليزيا، فيما قال الرئيس التنفيذي لشركة بيكر هيوز، لورينزو سيمونيلي إنه يتوقع توسعا في مشاريع غاز مسال عالمية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخليج.

ويرى محللون أن استمرار إيران في التحكم العملي بحركة المضيق قد يمنع الرجوع إلى 100% من الطاقة السابقة، خاصة إذا ظهرت رسوم عبور أو ترتيبات أمنية تخشى الشركات الغربية مخالفة العقوبات الأمريكية عبرها.

وتستحضر شركات الشحن تجربة البحر الأحمر، حسب فايننشال تايمز، حيث بقيت حركة السفن أقل بنحو 50% من مستويات ما قبل 2023 رغم اتفاقات خفض التصعيد، وهو ما يجعل هرمز مرشحا لمسار مشابه بما في ذلك انخفاض سريع في الأسعار أولا، ثم عودة بطيئة وحذرة للتجارة، ثم سوق أكثر تقلبا من السوق التي سبقت الحرب.

ويختصر خبير الشحن في كيبلر، ماثيو رايت المعضلة بالقول للصحيفة إن المشكلة لم تعد فقط في كمية النفط المتاحة، بل في الثقة بسلامة الطريق، وفي قدرة الجهات المسيطرة على المضيق على إدارته كممر تجاري منتظم، وهي ثقة قد تحتاج 12 إلى 18 شهرا قبل أن تعود إلى مستويات مقبولة لدى الشركات والمستوردين.